في مواجهة العزلة المتزايدة والتحديات الاقتصادية، اتخذت تركيا قرارا لرسم مسار جديد في سياستها الخارجية، يتضمن التقارب مع إسرائيل.
وبالتزامن مع قدوم الإدارة الأميركية الجديدة، تأتي خطوة جديدة لأنقرة، تشمل الانفتاح على اليونان والاتحاد الأوروبي، بحسب تقرير لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
وأشار التقرير إلى أن استعادة العلاقات مع إسرائيل، تعد جزءا أساسيا من اتجاه السياسية الخارجية الجديدة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، خاصة وأن هذه الخطوة من شأنها أن تقلل من المشاعر المعادة لإردوغان من قبل إدارة الرئيس جو بايدن والكونغرس الأميركي، وفقا للصحيفة.
يقول التقرير إن إسرائيل أيضا لديها أسباب معقولة لطي صفحة الخلافات مع تركيا التي تملك حدودا مع سوريا والعراق في المنطقة، الأمر الذي يسهم في تعزيز الأنشطة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية من خلال تجديد العلاقات الدفاعية مع أنقرة.
لكن هذا الشيء لن يتحقق بسهولة بالنسبة لتركيا، في ظل وجود مطالب رئيسية تسعى إسرائيل لفرضها على الجانب التركي، علاوة على أن العلاقات بين البلدين لم تعد بذات الأهمية السابقة، بعد توقيع إسرائيل على معاهدات سلام مع دول عربية العام الماضي.
وقالت الباحثة في الشؤون الإسرائيلية التركية، سيلين ناسي: "ما لم تكتشفه تركيا بعد هو أنها لم تعد شريكا لا غنى عنه لإسرائيل".
كان مستشار الرئاسة في تركيا، مسعود كاسين، أشار إلى إمكانية استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين تركيا وإسرائيل بحلول شهر مارس المقبل.
وقال كاسين في تصريح لموقع "فويس أوف أمريكا" في أواخر ديسمبر: "إذا رأينا ضوءا أخضر، فستفتح تركيا السفارة مرة أخرى وسوف نعيد سفيرنا. يمكننا استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مرة أخرى. لم لا؟ إن إحلال السلام والأمن مهم جدا لإسرائيل وتركيا".
بعدها، قال إردوغان في تصريحات صحافية إن بلاده ترغب في إقامة علاقات أفضل مع إسرائيل.
وفي ديسمبر أيضا، قال إردوغان في اتصال له مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إنه يريد فتح "صفحة جديدة" مع الاتحاد الأوروبي، مضيفا أن هناك فرصة جديدة لتعزيز العلاقات بين بلاده والاتحاد، لكن بعض الدول تحاول "خلق أزمة" لتخريب هذه الأجندة الإيجابية، مما يعطي انطباع بوجود سياسية خارجية جديدة لتركيا.
وتدهورت العلاقات بين البلدين منذ عام 2008 بعد التدخل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، لكن العلاقات انقطعت كليا في أعقاب اعتراض البحرية الإسرائيلية "أسطول الحرية" في مايو 2012، حيث قتل الكوماندوز الإسرائيلي 10 ناشطين أتراك.
وإثر ذلك، طردت تركيا السفير الإسرائيلي وجمدت التعاون العسكري بعد أن خلص تقرير للأمم المتحدة عام 2011 إلى تبرئة إسرائيل بدرجة كبيرة.
وقلصت إسرائيل وتركيا تبادل المعلومات المخابراتية وألغيتا تدريبات عسكرية مشتركة، لكن العلاقات استؤنفت مجددا في عام 2016 بشكل تدريجي.
وبعد عامين عاد التوتر من جديد في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، بسبب موقف الأخيرة من العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، لتصبح العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على مستوى القائم بالأعمال.
وقالت الباحثة البارزة بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، غاليا ليندنشتراوس، إن "بيان أردوغان له مغزى"، مشيرة إلى أنها مشابه لتصريحاته قبل استئناف العلاقات عام 2016.
وأضافت: "لذلك هذه التصريحات بالتأكيد شهادة على النوايا الجادة من الجانب التركي".
أسباب ملحة
يقول التقرير إن هناك أسبابا ملحة لتركيا لإصلاح علاقتها مع إسرائيل، يقف على رأسها التغيير في إدارة البيت الأبيض.
وأشار التقرير إلى أن بايدن وإردوغان يملكان تاريخا من الخصومة الشخصية.
ووصفت الصحافة التركية بايدن بأنه أحد منفذي محاولة الانقلاب العسكري ضد أردوغان عام 2016، بحسب الباحث المتخصص في الشؤون التركية بمعهد القدس للاستراتيجية والأمن، حي إيتان كوهين ياناروجاك.
ورفضت إدارة أوباما والذي كان يشغل فيها بايدن منصب نائب الرئيس، طلبًا تركيًا في أعقاب الانقلاب لتسليم فتح الله غولن، التي تتهمه أنقرة بالوقوف خلف الانقلاب الفاشل.
في أبريل الماضي، وصف بايدن، إردوغان، بأنه "مستبد، وقال إنه سيدعم المعارضة التركية حال وصوله للرئاسة.
كان إردوغان من أواخر قادة العالم الذين هنأوا بايدن بفوزه في الانتخابات الرئاسية، ووفقا لتقارير إعلامية، لم يقبل بايدن حتى الآن عرض الرئيس التركي بالتحدث عبر الهاتف.
وقال كوهين: "ينبع التحول الحالي في السياسة الخارجية التركية من حقيقة وجود قيادة جديدة في واشنطن"، مردفا: "من أجل إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، يسعى إردوغان أيضا للتقارب مع حلفاءها".
مطالب إسرائيل
لم تعلق إسرائيل على تصريحات الرئيس التركي الأخيرة التي أطلقها في ديسمبر الماضي، لكن تقرير "تايمز أوف إسرائيل" أوجز 3 مطالب تتطلع إسرائيل من تركيا تحقيقها.
ويتمثل المطلب الأول والمتكرر بكف تركيا عن السماح لحركة حماس بالتخطيط لأنشطة عسكرية من أراضيها.
وتصنف حركة حماس على قائمة الإرهاب لدى الولايات المتحدة ودول أخرى.
ورغم أن تركيا وافقت على منع الحركة الفلسطينية من القيام بأي نشاط غير سياسي في عام 2016، لكن في عام 2019، قالت مصادر إسرائيلية لصحيفة "التلغراف" إن أنقرة تسمح لأعضاء حماس بالتخطيط لهجمات من هناك.
بحسب الباحثة ليندنشتراوس، ترغب إسرائيل أيضا في أن تكون تركيا أكثر شفافية بشأن أنشطتها في القدس الشرقية، بما فيها العمل على تمويل الأنشطة الثقافية والسياسية في بيت المقدس.
كذلك، من المرجح أيضا أن تطالب إسرائيل، إردوغان والمسؤولين الأتراك بالتخفيف من حدة لهجة خطابهم القاسية المناهضة لإسرائيل، لاسيما فيما يتعلق بالسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وأشارت ليندنشتراوس إلى أنه نظرا لعدم خفض العلاقات رسميا في عام 2018، يمكن لتركيا أن تختار إعادة سفيرها من جانب واحد، تاركة لإسرائيل أن تقرر متى أو ما إذا كانت سترد بالمثل.
