منذ قرابة ثلاثة أشهر تحوّل عمل مقهى "سوتلو كافيه" في شارع فوزي باشا بحي الفاتح في إسطنبول التركية إلى بيع بعض المشروبات الباردة والساخنة للأشخاص الماريّن أمام بوابته، في مفارقة كبيرة عما كان عليه العمل في السنوات الماضية، لاسيما أنه يعتبر أشهر المقاهي (من خمسة طوابق) التي كان يرتادها مئات السياح الأجانب والمواطنين الأتراك.
آلية العمل التي أصبح عليها المقهى هي نتاج الإغلاق الذي فرضته الحكومة التركية لمواجهة تفشي فيروس "كورونا"، في حالٍ انسحب على قطاع المقاهي والمطاعم ككل في مختلف الولايات التركية، ما أفضى إلى خسائر اقتصادية كبيرة لأرباب العمل، الأمر الذي دفعهم لتصعيد لهجتهم في الأيام الماضية، مطالبين بحل سريع لإنقاذهم من الإفلاس.
ويعتبر قطاع المقاهي والمطاعم في البلاد أبرز القطاعات المتضررة بعد مرور أكثر من عام على تسجيل أولى الإصابات بـ"كورونا" في تركيا، كون عمليات الإغلاق فرضت على أرباب العمل عدم استقبال أي زبون في الصالات، وهي الآلية الأساسية التي يعتمدون عليها في الحصول على الأرباح.
وفي المقابل واجه أرباب العمل مشكلة كبيرة في دفع رواتب الموظفين الشهرية، والتي أحكمت قرارات الحكومة التركية بعدم قطعها بشكل نهائي، أو حتى اتخاذ أي إجراء تسريح بالنسبة للعاملين.
ويقول صاحب أحد المطاعم التركية في شارع فوزي باشا بحي الفاتح في تصريحات لموقع "الحرة" إن نسبة مبيعاتهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية تراجعت لنحو 80 في المئة، ويضيف: "على الرغم من تحولنا إلى العمل على طلبات التوصيل السريع (دليفرلي) إلا أن ذلك لم يؤثر بأي شيء في تعويض الخسائر".
ويشير صاحب المطعم (يقدم وجبات جاهزة) إلى أن عدد الزبائن الذين يرتادون مطعمه حاليا لا يزيد في اليوم الواحد عن 30 زبونا، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بعام 2019، وحينها "كان الناس يصطفون بالعشرات على الدور للحصول على وجبة من الشاورما"، حسب قوله.
خياران صعبان
ومن المقرر أن تجتمع الحكومة التركية، الاثنين، لمناقشة عدة ملفات داخلية، على رأسها "إجراءات كورونا"، والتي تنحصر في يومي إغلاق كامل (السبت والأحد)، إلى جانب إغلاق يبدأ الساعة التاسعة من مساء كل يوم حتى الخامسة صباحا في الأيام المتبقية من الأسبوع.
ورغم غياب تفاصيل القرارات التي ستتخذها الحكومة التركية بشأن إجراءات كورونا خلال اجتماعها، إلا أن التوقعات تذهب إلى تخفيف عمليات الإغلاق، وخاصة على قطاع المطاعم والمقاهي، وهو أمرٌ يعتبر أحد الخيارات "الصعبة" التي تقف في موازاتها الإجراءات التي تتخذها الحكومة التركية لكبح جماح فيروس "كورونا".
وكان لإجراءات الإغلاق دورا في تقليص عدد الإصابات، في الأشهر الماضية، لكنها أثّرت بشكل كبير على العجلة الاقتصادية في البلاد، والتي تعتمد بشكل أساسي على السياحة والتداولات اليومية في الشارع التركي، إلى جانب الصادرات، والتي انخفضت أيضا بفعل إجراءات الإغلاق سواء داخليا أو حتى في الدول الأخرى.
وفي آخر إحصائية أعلن وزير الصحة التركي، فخر الدين قوجه أن عدد المصابين بـ "كورونا" المتحور في البلاد بلغ 128 حالة موزعة على 17 ولاية، مضيفا أن أحد أسباب الزيادة الكبيرة في عدد المصابين بـ "كورونا" في أوروبا مؤخرا، هو الفيروس المتحور.
وأشار قوجه إلى أن التحور الحاصل في فيروس "كورونا" لا يؤثر حاليا على مشاريع اللقاح، إلا أن الطفرات الجديدة قد تولد صعوبات عليها.
"السوق غير مستقرة"
ليس بعيدا عن حي الفاتح الذي يعج بالمطاعم والمقاهي اعتمد السوري حسام صاحب مطعم "البالون" في حي فندق زاده بإسطنبول على طلبات "الديلفري" لتخفيف حجم الخسارة.
يقول حسام في تصريحات لموقع "الحرة": "الضرر لا يمكن نكرانه. العمل انخفض بنسبة 40 في المئة في مطعمي كوني اتجهت لطلبات الديلفري، لكن هناك مطاعم وصلت إلى حد الصفر كونها تعتمد في أرباحها على مرتادي الطاولات".
ويضيف حسام: "قسم كبير من أصحاب الطاولات أغلقوا محالهم، والموظفون جلسوا في البيوت. الفواتير ذاتها ورواتب العمال أيضا أما الخسارة فهي قائمة".
وتحدث صاحب المطعم السوري عن زيادة كبيرة في أسعار المواد الأولية، في مشهد يزيد من إجراءات الإغلاق، مشيرا: "مثلا ارتفع سعر ليتر الزيت من 110 ليرة تركية إلى 220 ليرة تركية. مع ذلك لا يمكننا رفع أسعارنا".
ويتابع حسام: "السوق غير مستقر -نأكل ونشرب فقط ولا يوجد أرباح-".
"أضرار كبيرة"
حسب ما أعلنته هيئة الإحصاء التركية، في 4 من يناير الماضي فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين خلال كانون الأول 2020 ليصبح 1.25 في المئة.
بينما تجاوز معدل التضخم السنوي المعدل المتوقع في البرنامج الاقتصادي الجديد الذي صدر عن عام 2020، والذي بلغ 10.5 في المئة.
ويرى أستاذ العلوم المصرفية في جامعة "باشاك شهير"، فراس شعبو، أن تركيا كغيرها من الدول وعلى مدار الأشهر الماضية اتجهت للمقارنة بين الحفاظ على العامل البشري من جهة، وعلى الحفاظ على الاقتصاد الذي يعتبر أساس التنمية والمعيشة من جهة أخرى.
ويقول شعبو في تصريحات لموقع "الحرة": "تركيا لم تعتمد أسلوب الحظر الكلي، لكنها في المقابل اتخذت إجراءات صحية من خلال حظر التجول في أيام العطل، وهو الأمر الذي انعكس على قطاعات اقتصادية كبيرة تدر على الصعيدين الدولي وقطاع الأفراد، كالمقاهي والمطاعم والقطاعات الخدمية، والمواصلات وبعض صغار الكسبة، وأصحاب المشاريع الصغيرة".
ولا تنحصر الخسائر التي أسفرت عنها إجراءات الإغلاق على قطاعات معينة دون غيرها، بل انسحب الأمر إلى قطاع الاستثمار الخارجي والعقار، وأيضا على صادرات البلاد.
ويوضح أستاذ العلوم المصرفية أن تركيا ليست كبيرة بحيث تستطيع مساعدة الشعب إلى مالا نهاية، وهو الأمر الذي أكده المسؤولون الأتراك في عدة مرات.
ويضيف شعبو: "الحكومة التركية لديها إمكانيات ترتبط بوضعها الداخلي ووضع السكان، ففي العام الماضي كان إيرادات السياحة 34 مليار دولار والصادرات 840 مليار"، ويتابع: "كان من المتوقع أن تستقطب البلاد 52 مليون سائح في عام 2020، لكن هذا الرقم لم يتحقق منه سوى 10 ملايين سائح".
