الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وشبح الاستدانة الخارجية
إردوغان طرح فكرة إعداد دستور جديد خلال اجتماع للحكومة.

تصريحٌ من العيار الثقيل قلب فيه الرئيس التركي المعادلة التي تسير فيها السياسة الداخلية لبلاده، ففي وقت تتعالى أصوات المعارضة بضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة والتحول للنظام البرلمان، أعلن رجب طيب إردوغان أن ساعة تغيير الدستور التركي المطبق في البلاد منذ عام 1982 قد دقت، لاسيما بعد فشل جميع المحاولات السابقة لتغييره طوال العقود الماضية. 

وعقب ترؤسه اجتماعا للحكومة في المجمع الرئاسي بأنقرة الاثنين، قال الرئيس التركي: "يمكننا التحرك من أجل إعداد دستور جديد في المرحلة المقبلة حال توصلنا لتفاهم مع شريكنا بتحالف الشعب (حزب الحركة القومية)"، مؤكدا على ضرورة أن تكون "صياغة الدستور شفافة، وأن يعرض لتقدير الشعب". 

ما فجّره إردوغان لا يمكن إخراجه من عدة سياقات كان المشهد السياسي الداخلي للبلاد قد شهدها بصورة متواترة في الأشهر الماضية، أولها الحراك الذي بدأته أحزاب المعارضة لتشكيل تحالفات من أجل الضغط باتجاه تنظيم الانتخابات المبكرة، وما رافقها من حديث لازم تصريحات عدة سياسيين، وأكدوا فيها على ضرورة التحول للنظام البرلماني، كما كان عليه الوضع سابقا. 

سياقات أخرى تعلقت أيضا بالمؤشرات التي أظهرتها استطلاعات الرأي، والتي أفادت بانخفاض شعبية الحزب الحاكم في تركيا "العدالة والتنمية" على حساب أحزاب جديدة أطلت على الساحة، واتجهت لكسب أصوات جديدة من الشارع. هي أحزاب انشقت من رحم الحزب الحاكم وأيضا من أحزاب المعارضة، على رأسها "حزب الشعب الجمهوري"، والذي يشهد سلسلة انشقاقات غير مسبوقة في الوقت الحالي، يقودها القيادي محرم إينجه.

"خطوة متأخرة".. لكنها مدروسة

حسب ما رصد موقع "الحرة" من آراء ومواقف لسياسيين وكتاب أتراك، فإن إعلان إردوغان عن تغيير الدستور جاء كـ"خطوة متأخرة"، حيث كانت جميع التوقعات في الأشهر الماضية تقود إلى توجهه لذلك، وذلك في إطار الحراك الواسع الذي شهدته أوساط ساسة البلاد، سواء من "تحالف الجمهور" (العدالة والتنمية، الحركة القومية)، أو من جانب "تحالف الأمة"(على رأسه حزب الشعب).

وذكرت بعض المصادر الإعلامية التركية أن عملية "تغيير الدستور" كان قد ناقشها الرئيس التركي مؤخرا مع زعيم حزب "الحركة القومية"، دولت باهشتلي، مشيرةً إلى أن "دولت لديه معرفة بالموضوع بشكل مسبق، وكانت هناك ثلاث جلسات خاصة في الشهر الماضي. مع ذلك لم يقل أي من الزعيمين أي شيء لوفودهما فيما يتعلق بمحتوى المحادثات". 

وكبداية أولى لخريطة طريق الدستور الجديد، اعتبر وزير العدل التركي، عبد الحميد غُل، أن تصريح إردوغان تعتبر "بشرى سارة باعثة للحماسة للجميع"، وكتب الثلاثاء، عبر تويتر، إن "إعداد دستور جديد ومدني وديمقراطي الذي يعد أحد الأهداف الرئيسية لإصلاحنا القانوني، سيكون أثمن إرث نتركه لمستقبلنا وأطفالنا". 

ومنذ وصول حزب "العدالة والتنمية" لسدة الحكم قبل نحو 15 عام، ظل قادته يؤكدون على ضرورة تغيير الدستور العسكري (دستور 1982)، والعمل على تعديلات جذرية فيه، والتي سبق وأن أجريت في عدة فترات زمنية أبرزها في عامي 2007 و2010، وصولا إلى الاستفتاء الكبير على تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي في عام 2017.

محددات الدستور الجديد

تتطلب عملية وضع دستور جديد في تركيا الحصول على أغلبية الثلثين في البرلمان التركي لسنه، أو أن يذهب الأمر لعرضه على الاستفتاء الشعبي. 

لكن "تحالف الجمهور" لا يتمتع بأغلبية الثلثين اللازمة لسن الدستور الجديد، الأمر الذي يضعه أمام خيارين، الأول الاتفاق مع أحزاب المعارضة، أما الثاني فهو التوجه للتصويت الشعبي على ذلك. 

ويتألف البرلمان التركي من 600 نائب، وبالنسبة للتعديل الدستوري فهناك حاجة إلى 400 صوت برلماني في الظروف العادية، حيث يشترط أن تكون "أغلبية ثلثي الأعضاء مطلوبة".

ولحزب "العدالة والتنمية" 289 مقعدا في البرلمان، بينما يبلغ عدد مقاعد حزب "الحركة القومية" 48 مقعدا، ليكون المجموع بذلك 337 صوتا، وهي نسبة غير كافية لإجراء أي تعديل دستوري. 

ووفقا للمادة 184 من الدستور الحالي للبلاد، يتمتع الرئيس بصلاحية طرح مقترحات التعديل الدستوري على الاستفتاء الشعبي، ويمكن له أيضا تقديم اقتراح التعديل الدستوري، الذي تم قبوله بأغلبية 400 صوت أو أكثر في البرلمان التركي للتصويت الشعبي، إذا رغب في ذلك.

سيناريوهات مطروحة

من المعادلة المرسومة في البرلمان التركي لإجراء أي تعديل دستوري في البلاد تنحصر تحركات الرئيس التركي في المرحلة المقبلة ضمن إطار سيناريوهين فقط. الأول توجهه لأطراف المعارضة التركية لكسب أصوات تتيح له تمرير الدستور الجديد في البرلمان. 

أما السيناريو الآخر، فهو عرض التعديلات الدستورية على الاستفتاء الشعبي، وهو الأقرب للتطبيق بشكل أكبر حسب ما أشار إليه مراقبون أتراك، وهنا يتيح له هذا التوجه معرفة حظوظه في الانتخابات المقبلة بعد الخسارة الأخيرة لملفي بلدية إسطنبول وأنقرة. 

وفي حال حصل "العدالة والتنمية" على الأغلبية في الاستفتاء لتمرير الدستور الجديد، سيوافق على الانتخابات المبكرة التي تدعو إليها أحزاب المعارضة، وبخلاف ذلك تكون النتائج على العكس. 

الكاتب والصحفي عبد القادر سلفي المقرب من "العدالة والتنمية" ألمح إلى ما سبق، وتحدث في مقالة له الثلاثاء على صحيفة "حرييت" عن خطوط حمراء لن تقترب منها التعديلات الدستورية، وترتبط بالحفاظ على النظام الرئاسي وشكل الدولة، والحفاظ أيضا على الهيكل الوحدوي للدولة وعلى المواد الأربعة الأولى من الدستور.

وتنص المادة الأولى حسب ما اطلع موقع "الحرة" على نص دستور 1982، بأن تركيا هي "دولة جمهورية"، بينما تنص الثانية على أن الجمهورية التركية هي "جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون، في حدود مفاهيم السلم والعلم والتضامن الوطني والعدالة، مع احترام حقوق الإنسان، والولاء لقومية أتاتورك".

المادة الثالثة تتحدث أن "دولة تركيا، بأمتها وأراضيها، كيان غير قابل للانقسام، ولغتها هي اللغة التركية، والعلم الوطني وعلمها، والذي يحدد شكله القانون المعني، يتكون من هلال ونجمة أبيضين على خلفية حمراء. النشيد الوطني هو مسيرة الاستقلال، والعاصمة الوطنية هي أنقرة".

وجاء في المادة الرابعة: "لا يجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور التي تحدد شكل الدولة كجمهورية، وأحكام المادة 2 بشأن سمات الجمهورية، وأحكام المادة 3، ولا يجوز التقدم بمقترح لذلك". 

رسالة "سرية"

ويشير الكاتب المقرب من "العدالة والتنمية" إلى أن تحرك إردوغان لتغيير الدستور يأتي بمثابة "سحب الورقة الرابحة الدستورية للمعارضة، والتي كانت تستعد لتشكيل لجنة دستورية مشتركة، للانتقال إلى النظام البرلماني، مع الانتقال إلى الدستور الجديد".

وتحدث الكاتب عن رسالة "سرية" تداولتها أوساط المعارضة، مفادها: "بدلا من عمل دستور تحت السلّم، دعونا نصنع دستورا جديدا ومدنيا في البرلمان، وأرضيته أكثر شرعية".

"أمر مثير"

حتى الآن لم تخرج مواقف كثيرة من الأحزاب التركية بشأن عملية تغيير الدستور التي طرحها إردوغان، وبينما كان هناك تأييد من جانب المسؤولين في حزب "العدالة والتنمية" لتنفيذ هذه الخطوة، كان في المقابل تصريحات حذرة وغير تفصيلية لبعض السياسيين المعارضين. 

زعيم حزب "الديمقراطية والتقدم" (ديفا)، علي باباجان، قال في اتصال هاتفي مع قناة "فوكس" التركية الثلاثاء، "إنه أمر مثير للتفكر حقا أنه بعد أن اتخذنا الخطوة الأولى نحو تعزيز النظام البرلماني، جاء بيان الرئيس حول الدستور".

وأضاف باباجان: "لدينا جميع أنواع العمل، ونرى جميع أنواع المكالمات بعقل متفتح. لا نخلق التحيز بشكل قاطع. لا نعرف حتى الآن التفاصيل وما يقصدون.".

وتابع زعيم الحزب المعارض: "ليس لدينا فقط مشكلة مع نظام الإدارة، ولكن هناك مشكلة خطيرة في عقلية الحكام"، مشيرا إلى أنه يجري مفاوضات ومشاورات حول تفاصيل النظام البرلماني مع كل من "حزب الشعب"، "حزب المستقبل"، "حزب الجيد"، وجميعها أحزاب في المعارضة.

ما الذي يريده إردوغان؟

في تصريحات لموقع "الحرة" يقول الباحث في الشأن التركي، إسلام أوزكان، إن "التعديل الدستوري الذي ورد ذكره على لسان الرئيس التركي له مقاصد معينة وأهداف معينة بالنسبة له وللحزب الحاكم".

ويضيف الباحث التركي المقيم في إسطنبول: "الهدف الأول من وراء تعديل الدستور هو أن المؤشرات واستطلاعات الرأي العام تشير إلى أن إردوغان سوف يفشل في الحصول على أغلبية الأصوات في الانتخابات المزمع تنظيمها في 2023، أو حتى في الانتخابات المبكرة. لذلك هذا التعديل الدستوري سوف يسهل الفوز لإردوغان". 

ويوضح أوزكان: "ربما وفي حال تم تعديل الدستور سيتم تغيير نسبة الحصول على 51 % للفوز بالرئاسة إلى الحصول على أكبر نسبة من الأصوات"، مشيرا إلى هدف ثاني وراء طرح التغيير، ويرتبط بمحاولات ترتيب البيت الداخلي، من أجل "منع المعارضة التركية خاصة الأحزاب الصغيرة من الدخول في البرلمان التركي، بما فيها حزب الشعوب الديمقراطي".

ويرجح الباحث التركي أن يشمل التغيير أيضا إدخال "مواد جديدة تمكّن المحكمة العليا في إغلاق الأحزاب، كحزب الشعوب مثلا، ومنعها من إجراء الفعاليات السياسية".

نقطتان وراء التغيير

من جانبه يرى الباحث في الشأن التركي، مهند الحافظ، أن خطوة تغيير الدستور "جاءت متأخرة كثيرا، فالظروف المحلية التركية على مدى العقود حالت من أن يكون هناك رؤية لدستور جديد".

ويقول الحافظ، في تصريحات لموقع "الحرة"، إن "هناك نقطتين أراد إردوغان أن يقوم بهما، الأولى هي أن يجس نبض الشارع التركي من جهة ومن جهة أخرى يجس نبض الأحزاب المعارضة، وحتى الأحزاب الحليفة".

وبتقدير الحافظ فإن أحزاب المعارضة ستدرس تصريحات الرئيس التركي، "لأنها تدرك أن ما تحدث به سيتبعه تحركات ملموسة على أرض الواقع". 

ويتساءل الباحث: "هل ستؤيد أحزاب المعارضة الدستور القديم الذي كتبه عسكريون، أو أنهم سيوافقون على هذه الخطوة بأن يكون الدستور مدني يتجنب فيه الأتراك الكثير من الأخطاء والمشكلات والعراقيل الداخلية والخارجية".

ويعتبر أنه في حال توافقت رؤية أحزاب المعارضة مع تغيير الدستور، فيمكن القول "إن أحزاب المعارضة قد نضجت، لكي تكون منافسا حقيقيا في الانتخابات المقبلة". 

وتحدث الحافظ عن نقطة أخرى تتعلق بالهدف وراء تغيير الدستور، وتعتبر "استباقية من جانب الرئيس التركي، بسبب الدعوات الأخيرة من المعارضة على وجوب إيجاد انتخابات مبكرة في تركيا".

ورأى أن الدستور الجديد سيكون "متجنبا لكل الأخطاء التي كانت على مدى عقود من حكم العسكر، وأيضا سيكون مختلف جذريا من الناحية القضائية والاقتصادية والتنظيمية، وبالتالي سيكون هناك الكثير من الحريات التي تحدد مسار أي حكومة، وتمنعها من تجاوزها".

أردوغان استنفد فرص الترشح للرئاسة المحددة بفترتين (رويترز)
إردوغان كرر انتقاداته لإمام أوغلو - رويترز

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، إن شخصيات من المعارضة "قدمت وثائق ومعلومات" تتعلق باتهامات الفساد الموجهة إلى رئيس بلدية إسطنبول المعتقل، أكرم إمام أوغلو.

واعتبر إردوغان في كلمة أمام البرلمان، أن تصريحات إمام أوغلو "خلال الأسبوع الماضي، تكشف أنه غير لائق لشغل منصبه".

وأثار اعتقال إمام أوغلو، أبرز منافس سياسي لإردوغان، الأربعاء الماضي، أكبر احتجاجات في شوارع تركيا منذ أكثر من 10 سنوات.

وقضت محكمة تركية، الأحد، بحبس إمام أوغلو، على ذمة المحاكمة بتهم فساد ينفيها.

ورغم حظر التجمعات في شوارع العديد من المدن، خرجت مظاهرات مناهضة للحكومة بمشاركة مئات الألوف، بعد دعوة حزب الشعب الجمهوري للناس للنزول إلى الشوارع في أنحاء البلاد.

وقال إردوغان، عقب اجتماع لمجلس الوزراء في أنقرة، الإثنين، إن على حزب الشعب الجمهوري التوقف عن "تحريض" المواطنين.

وأضاف أن "استعراضهم" سينتهي في النهاية وسيشعرون بالخجل من "الشر" الذي فعلوه ببلدهم.

ويصف حزب الشعب الجمهوري اعتقال إمام أوغلو بأنه "مسيس ويتنافى مع مبادئ الديمقراطية". وتنفي الحكومة الاتهامات وتشدد على استقلالية القضاء.