تدخل الاحتجاجات التي تشهدها "جامعة بوغازيتشى" (البوسفور) في إسطنبول التركية يومها الثلاثين، لتكون أكبر ثاني تحركٍ معارض ضد الحزب الحاكم (العدالة والتنمية)، منذ عام 2013.
وفي ذلك الوقت، كانت البلاد قد شهدت مظاهرات فجرت أزمة كبيرة احتجاجا على قرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بتشييد مسجد في حديقة "غيزي" في منطقة تقسيم (معقل المعارضة).
ورغم أن مطالب "احتجاجات البوسفور"، ومنذ الرابع من يناير الماضي لم تتغير برفض تعيين مليح بولو في منصب عميد الجامعة، وهو المقرب من "العدالة والتنمية"، إلا أنها أخذت أبعادا واسعة في الأيام الماضية.
أبعادٌ اتخذت فيها المعارضة موقفا واحدا ومؤيدا لما يريدوه المحتجون، وفي المقابل كان هناك تعنت رسمي بتعيين العميد الجديد، ولهجة هجومية وصفت ما يحصل بالعمليات الإرهابية، والتي لا تخص الطلاب بل يقف ورائها أشخاص من خارج السلك التعليمي.
و"جامعة البوسفور" هي جامعة حكومية تركية مقرها إسطنبول، وتقع في القسم الأوروبي منها، وكانت قد احتلت المركز الثالث على مستوى الجامعات التركية خلال عام 2018، والمرتبة 616 على مستوى الجامعات العالمية.
ويبلغ عدد طلاب الجامعة حوالي 15000 طالب جامعي، وتضم 700 مدرس أكاديمى وأستاذ جامعي، وتعتبر "معقلا للطلاب من التوجهات اليسارية"، وفي الأيام الماضية كانت الحكومة التركية قد اتهمت جانبا من المشاركين في الاحتجاجات بالانتماء إلى تنظيمات يسارية متشددة، البعض منها محظور وآخر مدرج على لوائح "التنظيمات الإرهابية".
كيف بدأت القصة؟
بدأت قصة الاحتجاجات في 4 من يناير الماضي لتكون فاتحة الأحداث التي شهدتها تركيا في العام الجديد 2021، وذلك بعد تعيين مليح بولو، في منصب عميد جامعة "البوسفور"، في خطوة تم اعتبارها بمثابة تعيين "وصي على الجامعة".
وفي بيان نشره طلاب الجامعة، آنذاك قالوا إنهم لن يقبلوا بهذا القرار "ولن يستسلموا"، وأضافوا: "كما حدث عام 2016، نواجه تدخلا جديدا لتعيين رئيسا للجامعة من قبل السلطات العليا، بدلا من أن يأتي بطريقة ديمقراطية".
وأضاف بيان الطلاب: "تركيا لأول مرة منذ النظام العسكري في الثمانينيات، تشهد تعيين رئيسا لجامعة بوغازيتشي من خارج هيئة التدريس بالجامعة، ما يعني استمرار الممارسات المناهضة للديمقراطية".
ومع اليوم الأول للاحتجاجات، قالت المعارضة إن رئيس الجامعة الجديد الحاصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال حاول الترشح للانتخابات البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية عام 2015، لكن عمر جليك، المتحدث باسم "العدالة والتنمية" نفى في مؤتمر صحفي أن يكون التعيين انتكاسة للحرية الأكاديمية، قائلا: "لأي أكاديمي الحق، مثل أي شخص، في إبداء رأيه السياسي، لا نقوم بالتعيينات على أساس الانتماءات السياسية للأكاديميين".
وبالتوازي مع ما سبق كان هناك مواجهات في محيط حرم الجامعة بين رجال السلطات التركية والمتظاهرين، ونشرت عدة تسجيلات مصورة وثقت عمليات تفريقهم، واعتقال المئات منهم. البعض أعلن الإفراج عنه بعد أيام.
ما قبل 2016 ليس كما بعده
حتى عام 2016 كانت الجامعات التركية تنتخب ثلاثة مرشحين من ضمنها قبل أن يتخذ مجلس التعليم العالي الاختيار النهائي.
ولكن منذ الانقلاب الفاشل في ذلك التوقيت، وما تبعه من عمليات "التطهير الشاملة" التي نفذت في الجامعات في جميع أنحاء البلاد، أصبح رئيس الدولة الآن هو الذي يعين رؤساء الجامعات بشكل مباشر.
ويعتبر تعيين مليح بولو الذي جاء بمرسوم رئاسي من إردوغان، هو أول تعيين تشهده الجامعات التركية من خارج هيئتها التدريسية، منذ عام 1980.
وكان أحد أعضاء في هيئة التدريس بالجامعة قد قال لوسائل إعلام تركية، في 6 من يناير الماضي: "هذا أول رئيس جامعة يتم اختياره من خارج الجامعة منذ الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980، لا نقبل ذلك لأنه ينتهك بوضوح الحرية الأكاديمية والاستقلالية العلمية وكذلك القيم الديمقراطية لجامعتنا وهو أمر آخر يضاف للعديد من الممارسات المعادية للديمقراطية المستمرة منذ عام 2016".
الاحتجاجات تتصاعد
لم تستجب الحكومة التركية في الأيام الماضية لأي من المطالب بإلغاء تعيين بولو، ومعها تصاعدت حدة الاحتجاجات، والتي انسحبت إلى جامعات أخرى في العاصمة أنقرة، وأحياء في إسطنبول تُعرف بنفسها المعارض للحزب الحاكم، كحي كادي كوي الشهير.
وفي مقابل التصعيد المذكور كان هناك تصعيد في اللهجة من جانب أحزاب المعارضة التركية، والتي اعتبرت ما يحصل "قمع للحريات وللديمقراطية التي تسير بها البلاد"، وعلى رأسها "حزب الشعب الجمهوري"، "حزب الجيد"، "حزب الديمقراطية والتقدم"، "حزب المستقبل" برئاسة أحمد داوود أوغلو.
في حين اتجهت الحكومة التركية لإلقاء تهم للقائمين على الاحتجاجات بأنهم من خارج السلك التعليمي ولا يمتون بأي صلة لجامعة البوسفور، وألمحت على لسان مسؤولين في "العدالة والتنمية" بوجود أشخاص ينتمون لأحزاب محظورة، وأخرى "إرهابية"، حتى أن الرئيس التركي وصف المحتجين بأنهم "إرهابيين".
وحظي إردوغان بتأييد من حليفه زعيم "حزب الحركة القومية"، دولت باهشتلي، والذي اعتبر القائمين على احتجاجات الجامعة بأنهم "قطاع طرق ويتحدون بلادنا".
وأضاف في تصريحات له مطلع فبراير الحالي: "إن مليح بولو ليس وصيا، وهو معين بشكل شرعي وقانوني – يجب ألا يستقيل- نحن مع دولتنا، ووراء حكومتنا، ولدينا البصيرة للتمييز بين الطالب والإرهابي".
الدائرة تتوسع
مع استمرار مطالب المحتجين بإقالة مليح بولو وما أبدته الحكومة التركية من رفض واضح توسعت دائرة الاحتجاجات، واتخذت مسارات أخرى تصدرها أفراد من حركة "مجتمع الميم"، وذلك غداة توقيف أربعة طلاب متهمين بأنهم علقوا أمام جامعة البوسفور صورة للكعبة، أبرز المقدسات الإسلامية، مع وضع عليها علم قوس قزح، رمز المثلية.
هذه الحادثة أشعلت جدلا واسعا داخل الأوساط التركية، ودفعت الرئيس التركي لمهاجمة الحركة في خطاب له أمام كوادر حزبه في العاصمة أنقرة، وقال: "سوف ندفع شبابنا إلى الأمام ليس كشباب مجتمع الميم، بل شبابا يكونوا جديرين بتاريخ هذه الأمة المجيدة".
وأضاف الرئيس التركي موجها خطابه لشباب حزبه: "أنتم لا تنتمون إلى أوساط المثليين. لستم من أولئك الشباب الذين يقومون بأعمال تخريبية، بل أنتم من تصلحون القلوب المحطمة".
من جهته وصف صويلو خلال تغريدة على "تويتر" المثليين جنسيا بـ"المنحرفين"، حيث قال: "تم اعتقال 4 منحرفين من المثليين جنسيا الذين أهانوا الكعبة المشرفة في جامعة البوسفور".
وبعد هذه الكلمات التي قالها وزير الداخلية، اعترض العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرين إلى أنها تعد "جريمة كراهية ضد فئة محمية"، الأمر الذي دفع "تويتر" لوضع ملاحظة تحذيرية على تغريدة صويلو.
أزمة داخلية
منذ الأيام الأولى كان هناك أصوات داخل الأوساط التركية حذرت من تحوّل الاحتجاجات إلى أزمة سياسية داخلية، وهو الأمر الذي حصل بالفعل، وخاصة بعد دخول حركة "مجتمع الميم" إلى ركب الاحتجاجات.
الأزمة وصل صداها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أعربت الأربعاء عن قلقها حيال التظاهرات التي اندلعت في جامعة البوسفور، وأدان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس في بيان، الخطاب المعادي من جانب المسؤولين الأتراك، تجاه مثليي الجنس في تركيا.
وفي المقابل ردت تركيا ببيان نشرته وزارة خارجيتها، بالقول: "لا يحق لأي جهة التدخل في شؤوننا الداخلية. حقوق التجمع والتظاهر وحرية التعبير مضمونة وفقا للدستور، وقوات الأمن ستستمر في أداء واجباتها ومسؤولياتها وفقا للصلاحيات التي يمنحها القانون".
وأضافت الخارجية التركية أنه "تم عن محاولات تسلل وتحريض على الأحداث من قبل أشخاص من خارج الجامعة ولهم ارتباط بمنظمة إرهابية".
