حي الفاتح في إسطنبول
الفاتح" هو الحي الثاني الذي يضم أكبر عدد من "المهاجرين" في إسطنبول بعد إسنيورت.

لم يعد بإمكان المواطنين الأجانب، وبالأخص السوريين، الحصول على فرصة للإقامة في حي الفاتح الشهير بمدينة إسطنبول التركية؛ فعلى نحو مفاجئ، الخميس، أٌعلن قرار بمنعهم من استئجار أي منزل في الحي، في خطوة قال مسؤول تركي إنها جاءت لـ"الحفاظ على النسيج الاجتماعي".  

وفي تصريحات على قناة "خبر تورك"، قال رئيس بلدية الفاتح، إرغون طوران: "لقد اتخذنا قرارا. حتى لو كان لديه تصريح إقامة لا يمكن للأجنبي أن يستأجر منزلا في الفاتح، ولا يجب أن يستقر المزيد من الأجانب هنا".  

وصرح طوران بأن "الفاتح" هو الحي الثاني الذي يضم أكبر عدد من "المهاجرين" في إسطنبول بعد إسنيورت، مشيرا إلى أن 7 آلاف "مهاجر مستقر" غادروا الحي خلال الأشهر الثمانية الماضية.  

وأضاف طوران المنتخب عن "حزب العدالة والتنمية" الحاكم: "اتخذنا قرارا في السابع عشر من الشهر الأول في الفاتح وإسنيورت من عام 2021. كان هذا طلبنا من وزارة الداخلية أن أي أجنبي لديه تصريح للعيش في اسطنبول، أي أجنبي لديه تصريح إقامة، سوري أو مواطن آخر، لا يمكنه استئجار منزل في الفاتح".  

وتشكّل بلدية الفاتح العمق التاريخي لمدينة إسطنبول وقلبها التراثي، حيث تقع داخل أسوار المدينة التاريخية، ويحيط بها من الشمال منطقة "الخليج" ومن الشرق والجنوب بحر مرمرة. 

ومنذ عام 2015 باتت أقرب إلى "عاصمة رئيسية" للاجئين السوريين، والذين اتجهوا بعد اختيارها كمقصد أول إلى افتتاح عشرات المهن، من مطاعم ومحال لبيع المواد الغذائية والحلويات، فضلا عن محال للحلاقة، وأخرى لبيع المواد التي لا توفرها الأسواق التركية. 

"ينطق بالعربية" 

على بعد خطوات قليلة من جامع الفاتح الذي سمي الحي باسمه، يقع مطعم "فاتح الخير" الذي يقدم الوجبات السورية بأصنافها، وإلى جانبه تجري ترتيبات أولية ومتسارعة لفتح مطعم "سلسلة طربوش" التي تعود إلى مالكٍ سوري أيضا. 
في الطرف المقابل وعلى حائط سور جامع الفاتح يقع محل تجاري لبيع "النابلسية السورية"، وبجواره افتتح تاجر سوري منذ أكثر من خمسة أعوام مركزا لبيع الذهب والمجوهرات ذات الصياغة والصناعة السورية، ويحمل اسم "طيبة". 

هذه الصورة الأشبه بما كانت عليه أسواق دمشق وحلب، لا تقتصر على مركز منطقة الفاتح المتمثلة بسوق مالطة، بل تنسحب إلى خطوات أبعد بقليل، وصولا إلى ما تسمى بين أوساط السوريين بـ"طلعة الأمنيات ونزلتها"، والتي تكاد تنقطع فيها الكلمات والأحاديث التركية، لصالح اللغة العربية، وبشكل أدق اللغة التي يتحدث بها السوريون. 

"حفاظا على النسيج الاجتماعي" 

ويأتي القرار الذي تحدث عنه رئيس البلدية بعد أكثر من ثمانية أشهر من إجراء اتخذته "مديرية الهجرة" في ولاية إسطنبول.  

وكانت المديرية قد أعلنت، مطلع العام الحالي، وقف منح الإقامة السياحية لأول مرة للمقيمين في منطقتي الفاتح وإسنيورت. 

واستثنت المديرية، في بيان نشرته على موقعها الرسمي حينها من القرار طلبات الإقامة القصيرة الأمد في منطقة الفاتح للاستثمار، وطلبات الطلاب المسجلين في جامعات بمنطقة الفاتح. 

وبحسب طوران فإن القرار الخاص بحي الفاتح لا يرتبط بـ"مناهضة الهجرة"، ويقول: "هناك مشكلة، وتصبح هذه المشكلة أكبر عندما لا تتم إدارتها بشكل جيد". 

وأضاف خلال حديثه: "النسيج الاجتماعي التركي في الفاتح بدأ يتفكك بسبب كثرة الأجانب من كل الجنسيات القاطنين في المنطقة، ولذلك يجب ألا يستقر مزيد منهم هنا بعد الآن". 

ويتابع: "يبلغ عدد سكان الفاتح 400 ألف. لكن إذا أغلقنا الأبواب أثناء النهار، إذا جاز التعبير، فسيكون هناك 3 ملايين شخص في الداخل. هناك انخفاض في عدد سكاننا. هذا قرار مهم بالنسبة لنا. لذلك فإن مشكلة الهجرة في الفاتح ليست مشكلة متنامية. وأؤكد أنها أصبحت مشكلة متضائلة".  

قبل 2015 وما بعده 

قبل عام 2015 كان حي الفاتح الأثري والقديم الذي يتوسط مدينة إسطنبول بقسمها الأوروبي "تركي بامتياز" بتفاصيل محاله التجارية وأسواقه التي تعتبر وجهة يرتادها السياح الأجانب والعرب. 

في تلك الفترة الزمنية قلما كان هناك مطعم عربي أو سوري بالخصوص، ومن النادر أن تلقى خمسة سوريين برفقة بعضهم البعض يتجولون ذهابا وإيابا، سواء في الشوارع أو الحارات الضيقة المتفرعة حتى شارعي "أكدنيز" و"يوسف باشا" المحاذيين له. 

اختلف حال هذا الحي بعد العام المذكور، بالتزامن مع توافد مئات آلاف السوريين إلى الولايات التركية. 

وبينما استقر البعض منهم في المدن الحدودية، اختار القسم الأكبر منهم العيش في إسطنبول الأوروبية، رغم صعوبة الحياة فيها، وكانت منطقة الفاتح الوجهة الأولى والأبرز. 

وفي آخر الإحصائيات الصادرة عن المديرية العامة لإدارة الهجرة بوزارة الداخلية التركية هناك  3 ملايين و701 ألف 584 سوري مسجل بوضع "الحماية المؤقتة" في تركيا، وإلى جانبهم هناك سوريون يمتلكون تصريح الإقامة، وعددهم 97 ألفاً و658 سورياً. 
وهناك، أيضا، سوريون غير مسجلين ينتهكون قواعد الدخول أو الخروج أو الإقامة القانونية في تركيا وهم "مهاجرون غير شرعيين". 

وتعتبر إسطنبول المدينة التي تضم أكبر عدد من السوريين، ويعيش فيها 530 ألفاً و 234 سورياً في وضع الحماية المؤقتة، وتتبعها مدن: غازي عنتاب وهاتاي وشانلي أورفا وأضنة. 

تركيا
خروج تركيا من "القائمة الرمادية" من شأنه أن يشير إلى تحسن الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الجريمة

قبل عامين ونصف وضعت مجموعة العمل المالية (غافي) تركيا على "اللائحة الرمادية" بسبب "قصور في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب"، ويتوقع مسؤولون أتراك الآن أن تتخذ ذات الجهة إجراء معاكسا نهاية شهر يونيو، بعد سلسلة إجراءات اتخذت من جانبهم خلال الفترة الأخيرة.

فما الذي يعنيه خروج تركيا من "اللائحة الرمادية" إن اتخذ القرار بالفعل؟ وما الآثار التي خلفتها "ندوب" التصنيف الأول "غير العادل" حسب رواية أنقرة؟ وماذا تغيّر بين الشوطين؟

ومن المقرر حسبما ذكرت وسائل إعلام تركية الأربعاء أن يتوجه وزير المالية، محمد شيمشك إلى سنغافورة نهاية الشهر الحالي لحضور اجتماع "غافي"، ونقلت صحيفة "دنيا" قبل أيام قوله إنهم أكملوا الدراسات الفنية مع مجموعة العمل المالية لإزالة بلادهم من التصنيف.

وقبل شيمشك اعتبر وزير الداخلية، علي يرلي كايا، مارس 2024، أن "الخروج من اللائحة له أهمية كبيرة لاقتصاد بلادنا"، وفي حين أشار إلى أنهم قطعوا "شوطا طويلا" مع وزارة المالية بشأن العمل على هذه القضية أكد أنهم يتوقعون "إزالة التصنيف في يونيو 2024".

وجاء في تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، في 30 مايو الماضي، أن الزيارة الأخيرة التي أجرتها مجموعة العمل المالية إلى تركيا "تشير إلى تقدم كبير لخروج البلاد من اللائحة الرمادية". 

وبينما أوضحت أنه "سيتم اتخاذ القرار النهائي في الجلسة العامة في 28 من يونيو الحالي" تشير المعلومات المتاحة على الموقع الرسمي لـ"غافي" إلى أن القرار يجب أن تدعمه الأغلبية المؤهلة من الأعضاء.

وتضم المجموعة ما يقل قليلا عن 40 عضوا، بعضهم يتمتع بنفوذ أكبر من البعض الآخر، وبخلاف الحصول على الأغلبية قد تستغرق عملية إزالة التصنيف وقتا أطول، وفق الموقع الرسمي للمجموعة المالية.

لماذا وضعت تركيا على اللائحة؟

تعمل مجموعة العمل المالي على مراقبة ومعالجة أوجه القصور في أنظمة الدول لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح.

ووفقا للتعريف الموجود على موقعها الرسمي فإن إجراء وضع دولة ما على "القائمة الرمادية" الخاصة بها يعتمد على وجود قصور من جانبها في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وكان الإجراء المتخذ بحق تركيا قد أعلن عنه في أكتوبر 2021، على أساس أن لديها قصورا في منع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ونتيجة للتقييمات التي أجريت العام الماضي تقرر الاستمرار في التصنيف.

وفي الاجتماع الذي أُعلن فيه عن إدراج تركيا، صرح رئيس مجموعة العمل المالي ماركوس بليير بأنه يتعين على تركيا وضع لوائح تنظيمية في القطاعات عالية المخاطر، مثل البنوك والذهب والأحجار الكريمة وقطاع العقارات.

وقال في كلمته: "يجب على تركيا مراقبة حالات غسيل الأموال والتحويلات المالية المرتبطة بالجماعات المعترف بها كإرهابية من قبل الأمم المتحدة، مثل القاعدة وداعش".

وتابع حديثه في 2021: "ويجب على تركيا أن تظهر أنها تتخذ خطوات لمنع غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب ومكافحة الشبكات الإجرامية. لقد قطعت الحكومة التركية تعهدات سياسية رفيعة المستوى لاتخاذ الخطوات اللازمة، وأنا أدعوها إلى تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة".

"نقطة تحوّل"

بعد فوز الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان بالانتخابات الرئاسية في مايو 2023 غيّر معظم الوجوه في حكومته السابقة، وكان لافتا منذ تلك الفترة سلسلة الإجراءات التي اتخذت مسارين بالتوازي. 

وقاد الاتجاه الأول وزير الداخلية علي يرلي كايا والثاني وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك الذي تسلم فريقا اقتصاديا انقلب على كل السياسات الاقتصادية التي خيّمت تداعياتها السلببة على مشهد البلاد، لأكثر من عامين.

على عكس سلفه سليمان صويلو فرض يرلي كايا ووزارته واقعا أمنيا جديدا في داخل البلاد، وتمثل بالبدء بحملة واسعة النطاق استهدفت شبكات "المافيا" والفساد. وما تزال مستمرة حتى الآن.

بين يوم وآخر ومنذ تسلمه منصب وزير الداخلية كان يرلي كايا ينشر عبر حسابه في موقع التواصل "إكس" نتائج الحملات التي تنفذها السلطات ضد تلك الشبكات. ووصل مؤخرا إلى حد الإعلان عن إحباط شبكات واعتقال شخصيات ضالعة في عمليات تمويل منظمات إرهابية، بينها تنظيم داعش. 

في المقابل اتبع شيمشك والفريق الاقتصادي الذي يتألف من نائب إردوغان جودت يلماز ومحافظ المصرف المركزي سياسة خالفت تلك التي اتبعها الرئيس التركي، واعتبر خبراء اقتصاد أنها خلفت آثارا سلبية على صعيد عملة البلاد واقتصادها.

وبالتدريج بدأ برفع أسعار الفائدة واتخاذ قرارات تصب في مجملها في نطاق تشجيع الاستثمار في البلاد وتحسين صورة البلاد الاقتصادية، أملا بإعادتها على سلم الأولويات للكثير من أصحاب المشاريع والتنمية، وبهدف خفض معدلات التضخم الكبيرة إلى "فئة الآحاد".

ولأكثر من مرة كان وزير المالية التركي يشير إلى أن توقعاتهم بشأن شطب تركيا من "اللائحة الرمادية" تتوافق مع المسار القائم بالتوازي من جانب وزارة الداخلية التركية.

وكان لافتا أن الحملة التي فرضها يرلي كايا لم يسبق وأن شهدتها البلاد بذات الحدة، سواء على صعيد رؤوس المافيا الكبار أو ضد مصادر التمويل التي كانت تغذي بصورة غير مباشرة منظمات تعتبرها الكثير من الدول "إرهابية".

"إصلاحات اقتصادية كبيرة"

"الخروج المتوقع من القائمة الرمادية" يرتبط بجهد تعاوني بين وزارة المالية التركية ووزارة الداخلية، كما يرى الباحث الاقتصادي في مركز "سيتا" التركي، دينيز استقبال.
وبينما ركزت وزارة المالية على تعزيز الأنظمة المالية وزيادة الشفافية وتحسين الالتزام بالمعايير المالية الدولية عملت وزارة الداخلية على تعزيز تدابير إنفاذ القانون، وفق استقبال.

كما عملت حسب قوله لموقع "الحرة" على تحسين عمليات التحقيق وضمان التنفيذ الفعال لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو "نهج ساعد في تلبية المتطلبات التي حددتها الهيئات الدولية، مثل (غافي)".

ويعتقد الباحث التركي أن خروج تركيا من "القائمة الرمادية" من شأنه أن يشير إلى تحسن الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الجريمة، ومن المرجح أن يعزز سمعتها الاقتصادية ويجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي.

وقد يتطلب الوصول إلى هذه المرحلة إجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة وجهود مشتركة بين وزارتي الداخلية والمالية لتعزيز الأطر التنظيمية.

إضافة إلى تحسين الرقابة المالية وإنفاذ تدابير مكافحة غسل الأموال، بحسب الباحث استقبال.

ما آثار التصنيف والشطب؟

ويقلل وجود تركيا في "القائمة الرمادية" من اهتمام الاستثمار الأجنبي بالاقتصاد التركي، الذي يحتاج بشدة إلى التمويل الخارجي، ويعتبر من العوامل التي تؤثر سلبا على التجارة الخارجية وحصص السوق، وفق الخبراء الذين تحدثوا لـ"الحرة".

كما يؤدي تصنيف أي دولة ضمن القائمة المذكورة إلى انخفاض التصنيف السيادي الائتماني لها، أي تصنيف سندات الدولة، حسبما يوضح الباحث الاقتصادي، الدكتور مخلص الناظر.

وعلى إثر انخفاض التصنيف السيادي يرتفع مؤشر التخلف عن السداد.

ويعني ذلك وفق حديث الناظر لموقع "الحرة" أن "الدولة وعندما تقترض من الخارج تضطر لدفع فوائد أعلى. وهنا ترتفع فائدة الدين الحكومي ويرتفع معها عجز الموازنة". 

من ناحية أخرى، وفي حال كانت دولة ما مصنفة على القائمة الرمادية فإنها تقوم فعليا بعمليات غسيل أموال، وبالتالي يمكن أن تتعرض لعقوبات غربية، وتصبح الشركات العاملة فيها تحت نظر "الخزانة الأميركية".

الباحث الناظر يشير إلى أن العقوبات تسيء إلى بيئة الاستثمار، وتبعد الاستثمار الأجنبي وتمنعه من الدخول إلى الدولة.

ويوضح أن شطب التصنيف وإخراج تركيا من "القائمة الرمادية" سيؤدي إلى الاستثمار المباشر. 

ومع ذلك، يؤكد أنه وبما أن نسبة الفائدة مرتفعة في تركيا وعند حدود 50 بالمئة ستظل إمكانية الاستثمار المباشر صعبة إلى حد ما.

ويجب أن تنخفض الفائدة لكي يدخل الاستثمار المباشر وتتفتح الناس مشاريع من تلقاء نفسها، وفق حديث الباحث.

ويتابع من جانب آخر أن "التحسن وفي حال رفع تركيا من القائمة الرمادية سيكون على صعيد الأموال التي ستدخل إلى السندات التركية وودائع البنوك"، وبمعنى آخر "مزيد من تدفق الأموال الساخنة إلى البلاد، على أن يدخل الاستثمار المباشر في مرحلة لاحقة وعندما تنخفض الفائدة".