يتجاوز عدد السوريين المقيمين في تركيا أربعة ملايين شخص
يتجاوز عدد السوريين المقيمين في تركيا أربعة ملايين شخص

باتت مسألة "تبديل المنزل" و البحث عن آخر بالنسبة للسوريين في تركيا مسألة "شائكة" تكاد تنعدم فيها الحلول، ومما زاد من تعقيدها على نحو أكبر، سلسلة القرارات التي بدأت الحكومة التركية بتطبيقها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، معلنةً إغلاق آلاف الأحياء أمام من يريد الحصول على تصاريح إقامة جديدة منهم، ومن نظرائهم الأجانب. 

وقبل بداية العام الحالي، كانت "معادلة تأمين المنزل" يشوبها "همٌ واحد" يتعلق بالبحث عنه من جهة والحصول على رغبة وموافقة مالكه من جهة أخرى، أما اليوم فالأمر تطور لمرحلة "البحث عن حي غير مغلق" قبل اختيار المسكن، حسب ما يقول الشاب السوري، محمد نعيم، لموقع "الحرة"، معتبرا أن الأمر يتطلب "ألف حساب". 

منذ أكثر من عامين يعيش الشاب "نعيم" في حي الفاتح وسط القسم الأوروبي من مدينة إسطنبول، وكواحد من أناس كثر نال نصيبا من موجة الغلاء التي ضربت البلاد، والتي انعكست على إيجار المنزل الذي يدفعه بشكل شهري. ويقول: "في البداية كنت أدفع 1800 ليرة تركية، بينما اليوم فزاد الرقم ضعفين". 

وبما أن "مضاعفة الإيجار الشهري"  قد تدفع أي شخص وكفكرة أولى للبحث عن منزل آخر بسعر منخفض، إلا أن الشاب السوري يرى هذه الخطوة في الوقت الحالي "صعبة ولا يمكن اتخاذها"، لاعتبارات باتت تتعلق بـ"قرارات الأحياء المغلقة". ويضيف: "مضطر للبقاء ودفع الإيجار المضاعف. هو خيار صعب لكن تبديله أمر أصعب، ويحتمل مخاطر". 

وكان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أعلن، الأسبوع الماضي، عن إيقاف استخراج تصاريح إقامة للأجانب في 8 بلديات جديدة في مدينة إسطنبول غربي البلاد، وبالتالي لم يعد بمقدور هؤلاء العيش أو التقييد فيها لأول مرة، في المرحلة المقبلة. 

وجاء هذا القرار استكمالا لقرارات سابقة اندرجت ضمن "سياسة التخفيف" التي تعمل عليها الحكومة التركية، من أجل تقييد انتشار الأجانب في الأحياء والبلديات، وخاصة تلك التي شهدت اكتظاظا كبيرا، خلال السنوات الماضية. 

وكانت آخر هذه القرارات، في يونيو الماضي، إذ أعلنت رئاسة الهجرة التركية، إغلاق المزيد من الأحياء أمام الأجانب في البلاد، الذين تجاوزت نسبتهم فيها 20 في المئة، مشيرة إلى أنها وصلت إلى 1169 حيا في مختلف الولايات التركية. 

ولمدينة إسطنبول النصيب الأكبر من هذه القرارات، وخاصة الأحياء الواقعة في قسمها الأوروبي، ومع إعلان وزير الداخلية الأخير، لم يعد بمقدور الأجانب، من بينهم السوريين سوى التقييد لأول مرة في أحياء بعيدة عن مركز المدينة، بعشرات الكيلومترات. 

"لا هامش للمناورة" 

يتجاوز عدد السوريين المقيمين في تركيا، سواء "لاجئين" أو "سياح" أكثر من أربعة ملايين شخص، ويتركز العدد الأكبر منهم في ولاية إسطنبول، لتتبعها ولاية شانلي أورفة الحدودية، وولايتي غازي عنتاب وهاتاي. 

ودائما ما كانت عملية البحث عن منزل والإقامة فيه لفترة طويلة "مسألة تحتاج مناورة على صعيد الإيجار من جهة ومالكه من جهة أخرى"، لكن الشاب نعيم يشير إلى أنه "لم يعد هناك أي هامش للتفكير فيه .. إما البقاء حيث تعيش بإيجار يحدده صاحب المنزل دون أي بازار أو البدء بالبحث عن منزل في حي غير مغلق".

وذلك ما يتحدث عنه "أحمد سليمان" والذي كان يحزم أمتعته مع عائلته، منذ بداية سبتمبر الماضي، من أجل الانتقال للعيش في إحدى مناطق بلدية "باشاك شهير" بمدينة إسطنبول. 

لكن ومع قرار الإغلاق الذي أعلنه وزير الداخلية التركي، قبل أيام، واستهدف البلدية المذكورة، يقول سليمان  لموقع "الحرة" إنه عدل عن القرار "مضطرا"، وإنه سيبقى حيث يقيم في حي أفجلر، والذي تشمله قرارات الإغلاق أيضا. 

وتعود "خطة التخفيف" التركية الخاصة بانتشار الأجانب إلى شهر فبراير الماضي، وعلى الرغم من أنها تستهدف فئة "الأجانب" بالعموم، إلا أن تبعاتها تستهدف بشكل أكبر اللاجئين السوريين. 

وذلك ما أثار مخاوف ناشطين حقوقيين، معتبرين أن هذه الخطوة من شأنها أن "تفرض قيودا أكثر" من جهة، وتؤثر على أعمال وحياة قسم كبير من اللاجئين من جهة أخرى. 

لكن مسؤولين أتراك على رأسهم وزير الداخلية التركي كانوا قد أشاروا إلى أن القرارات الجديدة التي يتم العمل عليها، في الوقت الحالي، هدفها "تنظيم انتشار اللاجئين بشكل أفضل عما كان سابقا"، وخاصة في الأحياء التي تشهد اكتظاظا كبيرا في الأعداد. 

وبحسب التفاصيل التي سبق وأن أوردتها صحيفة "حرييت" المقربة من الحكومة فإنه وفي حال تجاوز عدد السوريين 25 بالمئة من السكان في مكان ما، تُغلق أماكن الإقامة لاستقبال طلبات تقييد النفوس فيها. 

وقد كانت الأحداث التي وقعت، العام الماضي، في حي ألتن داغ في العاصمة أنقرة، والتي قتل إثرها الشاب التركي، أميرهان يلتشين، على يد شابين سوريين، السبب الرئيسي لمشروع "التخفيف" أو كما يسمى أيضا "مكافحة التركيز المكاني". 

ماذا حصل في "ألتن داغ"؟ 

وفي الثاني عشر من شهر أغسطس 2021، عاش آلاف السوريين المقيمين في منطقة "ألتن داغ" بالعاصمة التركية، أنقرة، ساعات طويلة من الرعب، جراء هجمات نفذها مواطنون أتراك، واستدعت تدخلا كبيرا من أفراد الشرطة وعناصر مكافحة الشغب. 

واستهدفت الهجمات، في ذلك الوقت، محال السوريين التجارية ومنازلهم في المنطقة المذكورة وسياراتهم التي كان من السهل تمييزها من اللوحات الرقمية، وأسفرت عن إصابة طفل سوري. 

وجاءت أعمال الشغب والاعتداءات عقب وفاة شاب تركي متأثرا بطعنات تعرض لها من شاب سوري، خلال شجار لم تعرف أسبابه وقع بينهما في إحدى الحدائق. 

وبعد أسابيع من هذه الحادثة اتخذت السلطات قرارات كان بينها اعتقال عشرات من "المحرضين والمستفزين"، و"تنظيم أعمال ومعاملات السوريين الموجودين تحت الحماية المؤقتة وتصريح الإقامة". 

كما نصت القرارات على إيقاف منح "بطاقات الحماية المؤقتة" في ولاية أنقرة، اعتبارا من تاريخ الثاني من سبتمبر 2021، على أن يتبع ذلك إرسال اللاجئين السوريين الموجودين في العاصمة، والمسجلين في ولايات أخرى، إلى المدن المقيدين فيها. 

وتضمنت بندا يتيح "القبض على المهاجرين غير النظاميين، الذين ليس لديهم أي وضع حماية أو تصريح إقامة من قبل سلطات إنفاذ القانون، ووضعهم رهن الاحتجاز الإداري لترحيلهم". 

وقضت أيضا بأنه "سيتم تحديد المباني المهجورة في أنقرة، التي تعد مصدرا لحوادث الهجرة والمخدرات والمشاكل التي تهدد الأمن العام، كما سيتم تحديد هوية الأجانب المقيمين فيها وستتم من بعدها إجراءات الهدم والإخلاء لهذه المباني وإرسال الأجانب المتواجدين فيها إلى المحافظات التي تم تسجيلهم فيها". 

ووفق ما ذكرت صحيفة "جمهورييت"، في 18 من فبراير الماضي، فإن أربعة آلاف و514 لاجئا سوريا نُقلوا حتى الآن من ألتن داغ، بينما أُغلق 100 و77 محلا تجاريا، بالإضافة إلى هدم بناء مهجور كان يستخدمه بعض السوريين. 

وقالت الصحيفة إن وزارة الداخلية التركية بدأت بهذه الخطوة، وإن حي "ألتن داغ" اختير كمنطقة تجريبية لتطبيق "خطة التخفيف" الحالية، الذي من الممكن أن يتم تطبيقها في جميع أنحاء البلاد. 

"السوريون بالخصوص" 

في غضون ذلك يرى ناشطون في قضايا اللاجئين السوريين أن "نموذج ألتن داغ" بات ينطبق على عموم البلديات والأحياء الواقعة في مدينة إسطنبول، وخاصة في شطرها الأوروبي، فضلا عن أحياء أخرى في باقي الولايات التركية. 

واعتبر الناشط الحقوقي، طه الغازي، أن "قرار إغلاق الأحياء يستهدف السوريين بالخصوص، وليس الأجانب"، من منطلق أن "اللاجئ السوري كان الأكثر عرضة للقرارات الإدارية التي صدرت خلال الفترة الأخيرة من الداخلية التركية والهجرة". 

ومن هذه القرارات منع السفر بين الولايات إلا بعد الحصول على موافقة، إضافة إلى "إعطاء صلاحية كلب الأوراق الثبوتية لسائقي التكاسي"، وهو ما نتج عنه "محاولات استغلال وعنصرية وتنمر من قبلهم". 

ويقول الغازي لموقع "الحرة": "صحيح أن القرارات تأتي تحت مصطلح الأجانب، لكنها تستهدف السوريين بالخصوص وفي المقام الأول"، مشيرا من جانب آخر إلى أن "المناطق التي تم إغلاقها هي في الأساس إما التي خسرتها الحكومة بالانتخابات البلدية السابقة، أو التي تخشى من خسارتها في المرحلة المقبلة". 

ويوضح: "لو أجرينا تحليلا مجتمعيا وجردة انتخابية للمناطق المغلقة فهي التي تخشى الحكومة خسارتها في المرحلة المقبلة. هي قرارات لها غاية انتخابية لما يتعلق بصندوق الانتخابات"، وفق تعبيره. 

لكن الأوساط التركية المقربة من الحكومة تقول إن الهدف من الخطوة هو لتخفيف الضغط السياسي من جهة، ومنع حدوث مشاكل كتلك التي عاشها حي ألتن داغ في أنقرة. 

ومنذ مطلع العام الماضي يتصدر ملف اللاجئين السوريين في تركيا حديث أحزاب المعارضة، التي اتجهت للضغط من خلاله على الحكومة، مطالبة بإرجاعهم إلى البلاد، وتقييد أعمالهم التجارية التي نمت على نحو ملحوظ، بحسب ما تظهره البيانات الرسمية. 

ومع تطور هذا الضغط على نحو كبير، منذ بداية 2022 ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر تنظيمها في يونيو العام المقبل، اتجهت الحكومة لإصدار قرارات تتعلق بتنظيم وضع اللاجئين في البلاد، وخطوات أخرى تستهدف الأحياء التي ينتشرون فيها بكثرة. 

ولا تشمل قرارات إغلاق الأحياء السكان الذين يقيمون بالفعل منذ سنوات طويلة، بل تخص من يريد الإقامة لأول مرة، بمعنى الشخص القادم من الخارج أو من ولايات وأحياء أخرى. 

ومع ذلك، يرى الناشط الحقوقي الغازي أنه "لا بد من التأكيد على أن حق السكن والتنقل والإقامة والحركة هي أساسية نصت عليها مبادئ وميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، وأن "تركيا طرف موقع عليها". 

ويضيف "بعيدا عن توصيف الجانب التركي للإنسان السوري إن كان لاجئا أو تحت الحماية المؤقتة فهو بالنهاية إنسان. الإنسان السوري له حق الإقامة والتنقل والحركة بناء على مواثيق الأمم المتحدة". 

وتحدث الناشط الحقوقي عن تأثير قرارات إغلاق الأحياء من زاوية "الاستغلال ومحاولات الابتزاز من قبل أصحاب المنازل"، موضحا أنه "في الأشهر الماضية أقدم مالكو المنازل في المناطق المغلقة على ذلك. الإيجار كان 2000 وأصبح 6000 أو أكثر".  

ويضيف "لا يوجد حل. إما أن تضطر لدفع المبالغ الكبيرة كي لا تنتقل من منزلك أو تبدأ بالبحث عن مسكن في حي غير مغلق"، مشيرا إلى "أشخاص كانوا في أحياء مغلقة منذ سنوات وانتقلوا إلى حارات مجاورة، لكنهم تفاجأوا بعدم تجديد التقييد لمرة ثانية". 

"دوامة" 

ويبلغ عدد الأحياء المغلقة في إسطنبول أمام تقييد الأجانب لأول مرة 53، أنقرة 23، إزمير 26، أضنة 57، غازي عنتاب 161، هاتاي 108، أورفة 169، مرعش 31، كلس 82، ماردين 58، مرسين 62. 

ويقول المحامي، عمار عز الدين، مدير مكتب "رابطة المحامين السوريين الأحرار" في هاتاي، إن "الإجراءات الأخيرة تشكل قلقا بالغا للاجئ السوري". 

ويوضح لموقع "الحرة": "في حال اضطر لترك منزله بسبب إخراج صاحب المنزل له، إما لزيادة الإيجار أو لانتهاء العقد، سوف يقع في دوامة غلاء الأسعار وتحكم أصحاب البيوت في المناطق التي يمكنه فقط الاستئجار بها". 

وتعزي الحكومة التركية خطواتها لتنظيم انتشار اللاجئين بشكل أفضل عما كان، وخاصة في الأحياء التي تشهد اكتظاظا كبيرا في الأعداد. 

ومع أن عز الدين يرى أن "القرارات ترتبط بالموضوع الأمني والإداري والإحصائي، وأنها حق مشروع"، يضيف أنه "يجب أن يكون ضمن تسهيلات تتيح للاجئ السوري تسوية وضعه القانوني". 

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.