أحزاب المعارضة تعيش "حيرة البحث عن المنافس"
أحزاب المعارضة تعيش "حيرة البحث عن المنافس"

لم يتبق لموعد الانتخابات الرئاسية المنتظرة في تركيا سوى سبعة أشهر، وفي الوقت الذي يبدأ فيه العداد التنازلي لانقضاء هذه الفترة يعتزم الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" ورئيسه، رجب طيب إردوغان، إطلاق أولى الخطوات على هذا الصعيد، ضمن سياقٍ يرى مراقبون بأنه يتعلق بـ"شقّين". 

يبرز إردوغان، منذ أشهر، كمرشح رئاسي عن تحالف حزبه مع حزب "الحركة القومية" (تحالف الجمهور)، بينما لا تزال أحزاب المعارضة، وحتى الآن، تعيش "حيرة البحث عن المنافس"، لاعتبارات تضاربت الرويات حولها، خلال الفترة الأخيرة. 

ومن المقرر، حسب وسائل إعلام رسمية أن يعلن إردوغان، بعد يومين (يوم الجمعة)، عن وثيقة رؤية حزبه بعنوان "قرن تركيا"، في القاعة الرياضية بأنقرة. ورغم اعتبار هذه الوثيقة "بيانا انتخابيا عند سماعها لأول مرة"، إلا أنها ستمثل "خطوة أولى على طريق البيان الانتخابي الرئيسي الذي سيتبعها بشكل فوري". 

وكان لافتا، على مدى الأشهر الماضية، أن إردوغان يستخدم عبارة "قرن تركيا" مرة واحدة على الأقل في جميع خطاباته، وقال مؤخرا: "نحن نستعد لاستقبال الذكرى المئوية لجمهوريتنا مع اختراق قرن تركيا، الذي يتجاوز بكثير الاحتفالات بالذكرى السنوية العادية". 

وتعتبر "وثيقة الرؤية"، التي أعدها فريق برئاسة كبير مستشاري الرئيس، إرتان أيدين، بمثابة الخطوة الأولى على طريق البيان الانتخابي للحزب. 

وفي الاجتماع المرتقب بشأنها من المتوقع أن يشرح إردوغان "المشاريع المزمع استكمالها بعد الانتخابات، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى حتى الوصول إلى رؤية 2053". 

"دعوات غير مسبوقة" 

ويحكم "حزب العدالة والتنمية" الجمهورية التركية منذ 20 عاما ودون انقطاع، بعد فوزه في انتخابات نوفمبر 2002 لأول مرة، فيما ستجري الانتخابات المرتقبة على مستوى البلاد في يونيو 2023، حيث سيختار الناخبون "اسم الرئيس"، وكذلك جميع أعضاء البرلمان، البالغ عددهم 600. 

ويعتقد إردوغان أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ستكون "ذات أهمية تاريخية ومصيرية للغاية"، وهو ما أشار إليه مرارا، خلال العامين الماضيين، ولذلك تأتي خطوته المزمع الكشف عنها يوم الجمعة "في وقت مبكر"، حسب ما تقول صحيفة "صباح" المقربة من الحكومة. 

وكان حزبه قد شارك، قبل يومين، شعاره الجديد الخاص بـ"رؤية قرن تركيا"، إذ بدت تفاصيله مستمدة من الإطار الدلالي لشعار الرئاسة.  

وحمل الشعار الجديد 16 نجمة ترمز إلى العناصر الأساسية للتاريخ التركي القديم، بينما النجمة الكبيرة في العلم التركي تعني تكامل التراث المشترك، وفق وسائل الإعلام الرسمية. 

وفي حين تمت الإشارة إلى الطابع العالمي لـ"رؤية قرن تركيا" من خلال المحيط الدائري للشعار، لوحظ أن الخطوط التي تجسد أشعة الشمس المائة المنبثقة من حول الهلال ترمز إلى سنوات الجمهورية التركية. 

ويواجه الحزب الحاكم في تركيا محطات خلال الأشهر المتبقية للانتخابات، وعلى رأسها الاقتصاد والأزمة التي تعيشها العملة، إضافة إلى ملف اللاجئين السوريين، الذي تحاول المعارضة تصديره على واجهة جدول الأعمال اليومي. 

ولا يعرف بالتحديد حتى الآن من سيكون له "الحظ الأكبر" للفوز في انتخابات الرئاسة في البلاد، مع تضارب نتائج استطلاعات الرأي، التي يرى مراقبون أنها لا تعبّر عن نتائج واضحة. 

وبينما يتوقع البعض أن تحسم الانتخابات من الجولة الأولى، يرى آخرون أن هذا الأمر مستبعد، إذ ستشهد "جولتين" (أولى وثانية). 

من جانب آخر تحدثت وسائل إعلام معارضة ومقربة من الحكومة، الأربعاء، أن الكشف عن "رؤية قرن تركيا" سبقتها خطوات "غير مسبوقة" من جانب الحزب الحاكم، وتمثلت بدعوة عدد من الصحفيين، الذين يعرفون بلهجتهم المعارضة لإردوغان.  

إذ تمت دعوة: نيفشين مينجو وإسماعيل سايماز وأوزليم غورسيس وتشاغلار جيلارا وإسماعيل كوتشوكايا وفاتح بورتاكال وطه أكيول، ومدير تحرير منصة "ميديا سكوب"، روشين شاكر. 

ولطالما كانت برامج الرئيس التركي معتمدة منذ سنوات عديدة على الصحفيين المقربين منه وفي وسائل الإعلام الحكومية. ولذلك جاءت الدعوات المذكورة "بصورة غير متوقعة"، حسب ما قال من وصلته الدعوة منهم. 

وكتب الصحفي التركي، تشاغلار جيلارا عبر "تويتر": "تلقيتُ دعوة من حزب العدالة والتنمية.. علمت أيضا أنه تمت دعوة أسماء مثل إسماعيل سايماز وأوزليم غورسيس وإيلكر كاراغوز ويافوز أوغان ودينيز زيريك إلى البرنامج". 

وأضاف جيلارا "يبدو أن استراتيجية الاتصال لحزب العدالة والتنمية تتغير. دعونا نرى ما سنختبره في ذلك اليوم؟ سأحضر الحدث يوم الجمعة. لماذا لا أذهب عندما تكون هناك فرصة للحاق بكبار المسؤولين التنفيذيين في حزب العدالة والتنمية تقريبا؟ هناك العديد من الأسئلة التي يجب طرحها". 

بدورها، نقلت منصة "ميديا سكوب" عن الصحفية أوزليم جورسيس، قولها: "لأول مرة في حياتي أتلقى دعوة من حدث لحزب العدالة والتنمية". 

وأضافت "منذ اليوم الأول الذي وصلوا فيه إلى السلطة، تجاهلوني والصحفيين مثلي. مع ذلك أرى أنه نشاط متأخر للغاية ولكنه قيم". 

"خطوة بشقين" 

في غضون ذلك لم تقتصر الدعوات على الصحفيين "المعارضين" لأول مرة، بل تم تقديمها للأحزاب السياسية الأخرى، عدا عن بعض منها. 

ومن بين الأحزاب التي لم تتلق الدعوة، تلك التي يقودها أعضاء سابقين في "حزب العدالة والتنمية"، مثل "حزب الديمقراطية والتقدم"، الذي يترأسه علي باباجان، و"حزب المستقبل" بزعامة، أحمد داوود أوغلو. 

وإلى جانبها "حزب الوطن" الذي يقوده محرم إينجه، و"حزب النصر" بزعامة أوميت أوزداغ، و"حزب الشعوب الديمقراطي" الذي يرأسه الرئيسان المشاركان، ميثات سنجار وبيرفين بولدان. 

ويرى الباحث السياسي التركي، هشام جوناي، أن "رؤية قرن تركيا" تتعلق بسياقين رئيسيين في الوقت الحالي، ويقول إن "الاجتماع الذي سيحصل كان متوقعا. العدالة والتنمية يبدو أنه مرتاح في هذه المرحلة، ولاسيما أن خطوات أحزاب المعارضة المنتظرة لم تأت بعد". 

ويضيف جوناي لموقع "الحرة": "بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري أعتقد أن هناك مشكلة كبيرة في تحديد المنافس. زعيمه، كلشدار أوغلو، يريد أن يرشح نفسه، لكنه يواجه إشكالية تأييد الحلفاء الذين يشكلون الطاولة السداسية"، ويقول: "لم يستطع إقناعهم في الإعلان عن اسمه، ولذلك لم يتحدد اسم المرشح حتى الآن". 

ويتابع الباحث التركي: "هذا الشيء جعل العدالة والتنمية يطمئن ويرتاح. أعتقد أنه ووفقا للإحصائيات الأخيرة بدأت نسبة أصواته بالارتفاع". 

وفيما يتعلق بدعوة الصحفيين المعارضين، يرى جوناي أن "الحكومة الآن تلجأ لسياسة الخطاب الشعبوي دون الإجابة على الأسئلة التي من المفترض أن يسألها الصحفيون. سنرى إن كانوا سيوجهون أسئلة في الصميم ويتمكنوا من ذلك". 

وكان البرلمان التركي قد أقر، الأسبوع الماضي، ومع اقتراب موعد الانتخابات العامّة قانونا لمكافحة التضليل الإعلامي يفرض خصوصا على من ينشر "معلومات كاذبة أو مضلّلة" عقوبة تصل إلى السجن لمدة ثلاث سنوات. 

وبالإضافة إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، استهدف القانون شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، والتي ستصبح ملزمة، بموجب أحكامه، بالإبلاغ عن مستخدميها الذين ينشرون أخبارا مضلّلة أو كاذبة، وتزويد السلطات ببياناتهم الشخصية. 

وأقر القانون تحت اسم "قانون الصحافة"، وتضمن 40 مادّة، وقد باشر البرلمان مناقشته، في مطلع أكتوبر الجاري.  

ومنذ ذاك الوقت حاولت المعارضة إدخال تعديلات عديدة على بنوده، لكنّ محاولاتها باءت بالفشل، لتذهب مؤخرا للتنديد به، واعتبرته "قانونا للرقابة". 

وتنصّ المادة 29 من هذا القانون، على وجه الخصوص، على فرض عقوبة السجن لفترة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات على كلّ من يرتكب جرم "نشر معلومات كاذبة أو مضلّلة، تتعارض مع الأمن الداخلي أو الخارجي للبلاد، أو من شأنها الإضرار بالصحّة العامة، أو تعكير صفو النظام العام، أو نشر الخوف أو الذعر بين الناس". 

وكان عشرات الصحفيين الأتراك قد اعتصموا أمام البرلمان في أنقرة في مطلع الشهر الحالي رفضا للقانون، وللتأكيد على أنّ "الصحافة الحرة شرط للديموقراطية". 

ولطالما واظبت منظمات غير حكومية على التنديد بتراجع حرية الصحافة في تركيا التي تحتلّ المرتبة 149 من بين 180 دولة في تصنيف حرية الصحافة للعام 2022 والذي أصدرته منظمة "مراسلون بلا حدود". 

لكن في المقابل كان إردوغان قد أعلن في وقت سابق أن بلاده لن تتخلى أبدا عن حرية الصحافة، لكنها مع ذلك "لن تسمح إطلاقا باستغلال هذا المفهوم"، مضيفا "لن نسمح باستخدام هذا المفهوم من أجل الدعاية السوداء ضد بلادنا سواء في الداخل أو الخارج". 

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

أعرب الرئيس السوري، بشار الأسد، الاثنين، عن ترحيبه بمبادرة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لعقد اجتماع بينهما، إلا أنه قال إنه لا يعرف مضمون اللقاء.

وقال الأسد في تصريحات صحفية أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات مجلس الشعب: "إذا كان اللقاء أو العناق أو العتاب أو تبويس (تقبيل) اللحى يحقق مصلحة البلد سأقوم به. المشكلة تكمن في مضمون اللقاء. لم نسمع ما هو الهدف من اللقاء؟ طرح المشكلة؟ تحسين العلاقات"؟

وأضاف الأسد: "أول سؤال نسأله: لماذا خرجت العلاقات عن مسارها الطبيعي قبل 13 عاما؟ لم نسمع الجواب من أي مسؤول تركي".

وأعرب الرئيس السوري عن ترحيبه بالمبادرة قائلا: "نحن إيجابيون تجاه أي مبادرة، لكن هذا لا يعني أن نذهب من دون قواعد. اللقاء وسيلة ونحن بحاجة لقواعد ومرجعيات عمل. هناك لقاء يترتب مع المستوى الأمني من بعض الوسطاء وكنا إيجابيين".

وأضاف: "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب والانسحاب من سوريا؟. هذا جوهر المشكلة. إذا لم يناقش اللقاء هذا الجوهر فماذا يعني لقاء؟.. لسنا ضد أي لقاء والمهم أن نصل لنتائج إيجابية تحقق مصلحة سوريا وتركيا بنفس الوقت".

وكان إردوغان قال إنه سيوجه قريبا دعوة للاجتماع بالأسد للمرة الأولى منذ قطعت أنقرة ودمشق علاقاتهما الدبلوماسية، عام 2011، بعد تحول الاحتجاجات ضد الحكومة السورية، والحملة التي شنتها قوات الأمن هناك، إلى حرب أهلية.

وليست هذه المرة الأولى التي تجرى فيها محاولات لتطبيع العلاقات بين البلدين، لكن المحاولات السابقة باءت بالفشل.