أوغلو كان قد فاز برئاسة بلدية إسطنبول في عام 2019، منهيا حكم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم
أوغلو كان قد فاز برئاسة بلدية إسطنبول في عام 2019، منهيا حكم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم

لا يزال المشهد الداخلي في تركيا منشغلا و"مهتزا"، لليوم الثاني على التوالي، بالحكم الصادر بحق عمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بالسجن لعامين وسبعة أشهر، وبينما تسود الكثير من التكهنات حول "السيناريوهات السياسية" المتوقعة، تتجه الأنظار إلى الحشد الذي ستقوده المعارضة، بعد دعوات وجهها المسؤول بنفسه عبر حسابه في "تويتر".

وأمام حشد من أنصارهم وعلى خشبة واحدة سيجتمع زعماء "الطاولة السداسية" جنبا إلى جنب في الساعة الرابعة من عصر الخميس، في خطوة تضامنية مع إمام أوغلو وتبدو لافتة، رغم أنهم التقوا مرارا خلال الأشهر الماضية، لكن في محيط طاولة مستديرة بعيدا عن الشارع.

ويقود هؤلاء الزعماء كل من أحزاب: "الشعب الجمهوري" و"الجيد" و"المستقبل" و"الديمقراطية والتقدم"، "السعادة" و"الديمقراطي". وكانت "الطاولة"، التي شكلوها في شهر فبراير، قد اعتبرت "سابقة" لم تشهدها السياسة الداخلية التركية، من قبل. 

وحتى الآن لا يعرف بالتحديد ما سيؤول إليه الحكم الصادر بحق إمام أوغلو، فيما يشير صحفيون ومراقبون أتراك إلى أنه سيعجّل من تسمية المرشح المنافس للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في انتخابات الرئاسة، في يونيو من عام 2023.

ومنذ شهر فبراير، ظلّت أحزاب المعارضة في تركيا في حيرة من أمرها لحسم اسم هذا المنافس، والذي تردد الحديث عنه بكثرة، بينما رجحت الأوساط في البلاد أنه لن يخرج عن أسماء ثلاثة سياسيين الأول هو إمام أوغلو والثاني عمدة أنقرة، منصور يافاش والثالث هو زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كمال كلشدار أوغلو.

وأعلن والي إسطنبول في بيان، منذ صباح الخميس، إغلاق عدد من الطرق الرئيسية التي تصل إلى مقر بلدية إسطنبول. وهو المكان الذي سيجتمع أمامه زعماء الأحزاب الستة، للتعبير عن تضامنهم مع عمدة المدينة، بينما ينتظر أن يدلوا بخطابات قد تؤسس لما ستكون عليه المرحلة السياسية المقبلة.

وإمام أوغلو، البالغ من العمر 52 عاما، كان قد فاز برئاسة بلدية إسطنبول في عام 2019، منهيا حكم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم على هذه المؤسسة منذ 2002. وتعود جذور الحكم الصادر بحقه إلى الفترة التي شهدت وصوله إلى كرسي "العمدة". 

في تلك الفترة، أي قبل أربع سنوات، ألقى إمام أوغلو كلمة عقب قرار "اللجنة العليا للانتخابات" بإعادة إجراء الانتخابات المحلية في إسطنبول للمرة الثانية في 2019، قائلا إن الذين ألغوا الانتخابات (الأولى) هم "أغبياء" (حمقى). 

وبناء على ذلك أعدّت النيابة العامة دعوى بحقه بتهمة "توجيه إهانات لموظفي القطاع العام"، والمطالبة بسجنه أربع سنوات وشهرا، ومنعه من العمل السياسي، لتعقد الجلسة الأولى في يونيو من عام 2022. 

ورغم أن إمام أوغلو قال خلال الأشهر الفائتة، ومنذ توجيه التهمة له إن كلماته كانت موجهة لوزير الداخلية، سليمان صويلو، إلا أن "اللجنة العليا"، وهي أعلى هيئة انتخابية في البلاد، أكدت أن أعضاءها تعرضوا لـ"الإهانة". 

ما آخر التطورات؟

وفي آخر تصريحاته بعد الإعلان عن الحكم الصادر بحقه قال إمام أوغلو إن "هذا العقاب غير القانوني الذي لا معنى له هو مكافأة لي على نجاحي".

وأضاف "الحمد لله بحضور رئيسنا (كلشدار أوغلو) اليوم، كما في اليوم الأول، رأسي مرفوع. عام 2023 سيكون جميلا للغاية وسنواصل القيام بعملنا من إسطنبول".

بدوره اعتبر زعيم "حزب الشعب"، كلشدار أوغلو، أن "القاضي الذي يجلس على طاولة شخص ما باطل في ضمير الأمة"، معبرا عن رفضه للحكم الصادر، وأن "إردوغان خسر إسطنبول والآن يخسر تركيا"، وفق قوله.

في المقابل، وفي حين لم تصدر أي تعليقات من جانب الحزب الحاكم في تركيا "العدالة والتنمية"، صرّح وزير العدل، بكير بوزداغ، أن "عملية الاستئناف مفتوحة ضد قرار الإدانة الصادر عن محكمة الأناضول الابتدائية السابعة بحق أكرم إمام أوغلو".

وقال بوزداغ، الخميس: "لا يمكن لسلطة أو شخص إعطاء أوامر وتعليمات للمحاكم والقضاة في ممارسة اختصاصهم، وإرسال التعاميم وتقديم التوصيات والاقتراحات"، مؤكدا أن "تركيا دولة قانون، وأن القضاة مستقلون في مهامهم ويصدرون أحكامهم وفق الدستور والقانون".

ويقضي الحكم الصادر بحق إمام أوغلو بالسجن لمدة عامين وسبعة أشهر و15 يوما، بتهمة إهانة كبار مسؤولي هيئة الانتخابات التركية. ورغم أن القرار "مفصلي" كما قرأه مراقبون، إلا أنه "ليس نهائيا". 

وذكرت وسائل إعلام، أن القرار بالسجن سيحال إلى "محكمة الاستئناف"، وإذا تم تأييد الحكم بسجن إمام أوغلو فإن القضية ستذهب إلى المحكمة العليا.

وفي حال "وافقت المحكمة العليا على قرار السجن، فسيتم منع إمام أوغلو من ممارسة السياسة"، وبذلك لن يكون له أي حظوظ في الترشح للانتخابات المقبلة، بينما سيفقد منصبه في رئاسة بلدية إسطنبول، وفقا لوسائل الإعلام المحلية. 

"الجميع يترقب السيناريوهات"

وبينما أسفر الحكم بالسجن عن أصداء كبيرة وواسعة داخل أوساط السياسيين كان له نصيب على وسائل الإعلام في البلاد، بمختلف توجهاتها، سواء المقربة من الحكومة أو تلك المحسوبة على أحزاب المعارضة، باختلافاتها.

واستشرف الكثير من الكتاب والصحفيين، الخميس، السيناريوهات السياسية المتوقعة، والتي قد تشهدها المرحلة المقبلة، ولاسيما أن القرار بحق إمام أوغلو يأتي في وقت بدأ فيه العداد التنازلي لموعد الانتخابات الرئاسية.

الكاتب التركي، غوكشر تاهينجي أوغلو، أجاب عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بحكم السجن في مقالة نشرتها منصة "t24". ويقول: "يكاد يكون من المستحيل استكمال إجراءات الاستئناف ومن ثم مسار المحكمة العليا في فترة تتراوح بين 4 و5 أشهر".

ويضيف الكاتب "وفقا لقانون العقوبات التركي، لم يتم التحقيق في جريمة الإهانة التي سُجن إمام أوغلو بسببها من قبل محكمة النقض، ولكن صدر حكم نهائي في محكمة الاستئناف (محكمة الاستئناف الإقليمية). ومع ذلك، مع تعديل القانون، الذي تم إجراؤه في عام 2019، أدرج حزب العدالة والتنمية جرائم التشهير في نطاق مراجعة المحكمة العليا".

يوضح تاهينجي أوغلو أنه و"لكي يصبح القرار نهائيا، يجب أن يجتاز مراجعة محكمة الاستئناف والمحكمة العليا. يجب أن تؤيد كل من محكمة الاستئناف والمحكمة العليا الحكم".

وتشير الإحصائيات القضائية عادة إلى أن متوسط ​​فترات المحاكمة بمحكمة الاستئناف والنقض يتراوح بين عام ونصف. وفي ظل الظروف الحالية، ليس هناك احتمال أن يتم الانتهاء من القرار حتى عملية الانتخابات.

لكن الكاتب تابع أنه "من الممكن أن يتم تثبيت الحكم إلا في حال اتخاذ القرارات القضائية بسرعة في المحكمة العليا والاستئناف"، موضحا: "في هذه الحالة، ستكون هناك عملية، مثلما حدث مع إردوغان في عام 1998. عندما حكم عليه بالسجن في ديسمبر 1997 بسبب القصيدة التي ألقاها في سيرت عندما كان رئيس بلدية إسطنبول، وتم تأكيد هذا القرار في سبتمبر 1998. في 8 أشهر فقط".

وزاد الكاتب: "أصبح إردوغان محظورا سياسيا في نهاية المحاكمة التي عقدت بسرعة طائرة. لا يمكن إنهاء الحكم على إمام أوغلو إلا إذا تم إجراء مثل هذه العملية الاستثنائية".

من جهته، نشر الكاتب المقرب من الحكومة، عبد القادر سيلفي، مقالة في صحيفة "حرييت" عبّر فيها عن رفضه للقرار الصادر بحق إمام أوغلو، وقال: "أعتقد أن السياسة يجب أن تتشكل في الساحات الانتخابية وصناديق الاقتراع، وليس من خلال الحظر السياسي الذي تفرضه المحاكم".

وأضاف سيلفي: "أنا غير مرتاح للطريقة التي يتم بها تصميم السياسة من قبل المحاكم. لقد شعرت بالانزعاج أيضا عندما تم حظر إردوغان، كما شعرت بالانزعاج عندما تم حظر أكرم إمام أوغلو".

"صعود ثلاثي"

في غضون ذلك ذهب صحفيون أتراك آخرون لتسليط الضوء على ما حصل في أعقاب الحكم الصادر بحق إمام أوغلو، وحملة التضامن اللافتة من جانب زعيمة "حزب الجيد"، ميرال أكشنار، بينما كان "اسم كلشدار أوغلو زعيم حزب الشعب يخفت".

الكاتب أوراي إيغين، ذكر في موقع "خبر تورك" أن "المستقبل السياسي لكلشدار أوغلو هو نفسه لدينيز بايكال، الذي أطاح به من مقعده".

ويضيف الكاتب "هناك استئناف ضد حكم إمام أوغلو، ووفقا للتقويم العادي للإجراءات القضائية في تركيا، يجب أن يمر عامان على الأقل حتى يصبح الحكم واضحا. هذا يفتح الباب أمام إمام أوغلو ليكون مرشحا في الانتخابات".

واعتبر إيغين من جانب آخر أنه "لو اتخذ قرار عاجل بحظر إمام أوغلو قبل الانتخابات فهذا ليس سيناريو كارثي. في أحسن الأحوال، يمنح إمام أوغلو الفرصة للسفر في كل شبر من تركيا خلال تلك السنوات المحظورة، واكتساب المزيد من الخبرة، والتواصل مع الجمهور، والاستعداد لما بعد الحظر كقائد أقوى بكثير".

"يتمتع إمام أوغلو بجاذبية جذرية تماما مثل إردوغان، ولذلك فإن الحظر السياسي لمدة عامين سيكون فرصة مثالية له لترسيخ قاعدته"، حسب الكاتب ذاته.

وبدورها قالت الصحفية ناغيشهان ألتشي، في مقالة لها على موقع "خبر تورك": "كصحفية وكاتبة، أشعر بقلق شديد بشأن فترة الستة أشهر المقبلة على بلدي ومستقبله".

وتضيف "بالأمس لم يؤيد أي من أعضاء حزب العدالة والتنمية هذا القرار، لكنهم لم يعارضوه. على حزب العدالة والتنمية أن يتخلص من حيرته وأن يصرخ بأنه ضد الحظر السياسي مهما كانت الظروف".

"إذا حصل إمام أوغلو على حظر سياسي، أيا كان مرشح الطاولات الست، وإذا أجريت انتخابات عادية ونزيهة فسوف يفوز"، وفق ألتشي.

من جانبها، اعتبرت الكاتبة التركية، كوبرا بار، أنه "وبينما ما حدث الليلة الماضية مهد الطريق للمعارضة للفوز في انتخابات عام 2023، فقد سد الطريق أمام ترشيح كلشدار أوغلو".

كما اعتبر الكاتب، محمد بارلاس، في مقالة بصحيفة "صباح" أن "قرار الحكم بالسجن بمثابة شريان الحياة لإمام أوغلو، الذي كان يحمل في نظر الجمهور صورة رئيس بلدية فاشل المصداقية وغير ناجح"، مضيفا: "بهذا القرار بدأ النقاش حول الترشح للرئاسة من جديد في المعارضة التي لم تستطع تقديم مرشح منذ شهور".

إردوغان يتطلع لإعادة العلاقات مع نظام الأسد (أرشيف)
.آخر دعوات إردوغان للأسد كانت على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)

لم تخلُ تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان خلال الأيام الماضية من الدعوات المتكررة للقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ورغم أن الأخير أظهر قبل ذلك بادرة إيجابية لم يتطور موقفه إلى مستوى "الاندفاعة" التركية.

آخر دعوات إردوغان كانت على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث قال إنه وجه دعوة "للسيد الأسد"، قبل أسبوعين، لعقد اجتماع "في تركيا أو دولة ثالثة".

كما أعلن أنه أصدر توجيهات لوزير خارجيته، حقان فيدان من أجل التواصل في هذا الشأن (ترتيب الاجتماع)، ولكي يتم "التغلب على القطيعة والمضي قدما في بدء عملية جديدة".

وقبل حديثه من واشنطن دعا إردوغان الأسد مرتين، وكانت إحداها للاجتماع في تركيا، ومع ذلك لم يجب رئيس النظام السوري ومؤسساته الرسمية حتى الآن بالسلب أو الإيجاب.

لكن الأسد ذاته، والذي لطالما وصفه الرئيس التركي في بدايات أحداث الثورة السورية لأكثر من مرة بـ"القاتل"، كان قد كسر جزءا من الجمود بإعلانه مؤخرا "الانفتاح على جميع المبادرات المرتبطة بالعلاقة بين سوريا وتركيا".

وقال إن تلك المبادرات يجب أن تكون "مستندة إلى سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها ومحاربة الإرهاب وتنظيماته"، دون أن يتطرق إلى الشرط الذي نادى به سابقا للدفع بعملية "الحوار"، والمتمثل بانسحاب القوات التركية من سوريا.

وعلى أساس ذلك، اعتبر خبراء ومراقبون في تصريحات سابقة لـ"الحرة" أن تراجع الأسد عن شرط "الانسحاب" وبصورة مبدئية يعطي دفعة لعملية "بناء الحوار" بين أنقرة ودمشق، وأن تصريحات إردوغان المتتالية بعد ذلك زادت من الزخم على نحو أكبر.

ولا يعرف حتى الآن ما إذا كان الأسد وإردوغان سيلتقيان في المرحلة المقبلة، إن كان في تركيا أو في "دولة ثالثة".

ويرى مراقبون من أنقرة ودمشق تحدثوا لموقع "الحرة" أن ما يحصل الآن على صعيد التصريحات والدعوات يصب في إطار "وضع اللمسات الأخيرة على العملية الجديدة".

ويتوقع المحلل السياسي المقيم في دمشق، غسان يوسف أن يزور وزير خارجية تركيا، حقان فيدان العاصمة السورية دمشق، من أجل "وضع خطة مفاوضات".

وفي حين يقول يوسف لموقع "الحرة" إن "المفاوضات ستجري بالفعل" يستبعد أن تكون سريعة، بالنظر إلى المشاكل والملفات العالقة بين الجانبين.

لم تخلُ تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان خلال الأيام الماضية من الدعوات المتكررة للقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

"3 عوامل وراء الاندفاعة"

من الجانب الرسمي في تركيا ترتبط "الاندفاعة" الحاصلة نحو الأسد ونظامه في سوريا بعدة "مشاكل" تتطلب الحل.

أولها قضية اللاجئين وضرورة عودتهم إلى البلاد.

وتتمثل الثانية بـ"الخطر" الذي يشكله "حزب العمال الكردستاني" على الأمن القومي التركي و"قوات سوريا الديمقراطية" التي تراها أنقرة مرتبطة به.

في المقابل لم تنكشف حتى الآن أولويات للنظام السوري، رغم أن مسؤوليه أشاروا سابقا إلى ضرورة "وضع جدول زمني لانسحاب القوات التركية من سوريا".

وطالبوا أيضا بـ"وقف دعم الإرهابيين" وبحث آلية تصنيفهم، في إشارة إلى فصائل المعارضة التي تدعمها أنقرة في شمال سوريا.

ويعتقد الباحث في الشأن التركي، محمود علوش أنه توجد "3 عوامل قوية" تدفع مشروع "التطبيع" إلى الأمام بين أنقرة ودمشق.

ويوضح لموقع "الحرة" أن أولها يتمثل بالزخم الروسي الجديد في رعاية هذا المسار ودخول العراق على خط الوساطة.

كما أن "تركيا بحاجة إلى إشراك دمشق في استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب على غرار العراق"، وفق الباحث.

ويضيف علوش أيضا أن "الاندفاعة" الحاصلة لا يمكن فصلها عن "الاستعداد لتحول محتمل في الموقف الأميركي في سوريا في حال عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض".

ومن جهته يرى الباحث السياسي التركي، هشام جوناي أن اندفاعة الرئيس التركي نحو الأسد "متعلقة بمصالح تركيا وحزب العدالة والتنمية الحاكم".

ويعتقد في حديثه لموقع "الحرة" أن ترتبط أيضا بـ"مشكلة اللاجئين والأحداث الأخيرة" التي حصلت في قيصري، وبمساعي إردوغان "للخروج من العزلة التي فرضتها مواقفه السابقة من الربيع العربي".

جوناي يوضح أن "الرئيس التركي يريد حل مشكلة اللاجئين بالتشاور مع النظام، لكي يكون هناك عودة إلى المناطق التي يحكمها".

ويعتبر أن تحركاته "مرتبطة بالتغير الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية، للبحث عن المصلحة بدلا عن المواقف السياسية والإيديولوجية".

تركيا ترفض انسحاب قواتها من سوريا

"عوامل سياسية وإقليمية"

ويمكن أن تعزى الرغبة الملحة الأخيرة في رغبة إردوغان لمقابلة بشار الأسد إلى العديد من العوامل السياسية والإقليمية ذات الصلة بالسياسة التركية الداخلية والخارجية، كما يشير أوميت نظمي هزير وهو محلل سياسي تركي مقيم في موسكو.

ويقول إن السبب الأول هو "تزايد مشكلة الهجرة في تركيا"، وما يرافقها من ضغوط داخلية تؤكد على ضرورة معالجة هذه القضية.

وتستضيف تركيا أكثر من 3 مليون لاجئ سوري.

ويضيف المحلل لموقع "الحرة" أن "قضية الهجرة كانت قد لعبت دورا في خسارة أصوات حزب إردوغان في الانتخابات المحلية الأخيرة".

ولذلك يحتاج الرئيس التركي الآن إلى إيجاد حل دائم لهذه المشكلة، ولكي يواجه أيضا الضغوط التي يتعرض لها في السياسة الداخلية التركية.

كما أنه "من الممكن تقديم التقدم الدبلوماسي الناجح مع سوريا باعتباره إنجازا كبيرا في السياسة الداخلية"، بحسب هزير.

ومن ناحية أخرى ترتبط اندفاعة إردوغان نحو الأسد بـ"التهديد الذي تشكله وحدات حماية الشعب الإرهابية"، على حد تعبير المحلل التركي.

كما يقول إن "التغييرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا والشرق الأوسط الأوسع يمكن أن تؤثر أيضا على استراتيجية تركيا".

وإذا ما خفضت الولايات المتحدة مشاركتها في المنطقة، فقد "تشعر تركيا بالحاجة إلى اتخاذ المزيد من المبادرات في تشكيل النتائج الإقليمية"، وفق حديث هزير.

تركيا استهدفت عدة مواقع للأكراد في شمال سوريا

ما الأصداء في دمشق؟

ومنذ بدء عملية "بناء الحوار" بين تركيا والنظام السوري في أواخر العام 2022 كانت تعليقات الأخير تذهب بمسارين.

المسار الأول على لسان وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد ومسؤولين آخرين والثاني بشكل غير رسمي عبر صحيفة "الوطن" المحلية.

ويقول المحلل السياسي المقيم في دمشق يوسف إن النظام السوري "ينظر إلى تركيا الآن على أنها في وضع صعب".

ويأتي ذلك "في ظل المنافسة الحاصلة بين المعارضة والعدالة والتنمية للتقارب مع سوريا"، بحسب حديثه.

ويضيف أن "سوريا تعرف أن حل اللاجئين والأمن والاقتصاد والسياحة في تركيا لن يتم ما لم تحل المشاكل معها"، ولذلك تتخذ موقفا ثابتا من الاندفاعة.

ويوضح الباحث في الشأن التركي علوش أن "الأسد يتطلع إلى المزايا السياسية والاقتصادية للتطبيع مع تركيا".

وفي المقابل "يسعى إلى حصد أكبر قدر من المكاسب قبل منح إردوغان ما يحتاجه"، بحسب حديثه.

من ناحية أخرى، يشير الباحث إلى أن "إردوغان جاد في رغبة التطبيع مع دمشق، ويعتقد أن مثل هذه الخطوة ستعزز مصالح تركيا في سوريا وتخلق فرصا لإنهاء الصراع بدلا من مواصلة انتظار الوقت".

كما يقول إن "قضية اللاجئين تضغط بشكل متزايد على السياسة التركية في سوريا وتشكل حافز آخر لمشروع التطبيع".

ويردف أن "أحداث قيصري الأخيرة أظهرت مخاطر انفجار هذه القضية إلى صدام بين المجتمع التركي والسوريين".

قضية اللاجئين تضغط بشكل متزايد على السياسة التركية في سوريا.

"بين 3 وسطاء"

وترعى موسكو مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة منذ بدايته، وانضمت إليها إيران في وقت لاحق.

وتتجه الأنظار الآن إلى العراق كلاعب رابع، بعدما أبدى المسؤولون في بغداد استعدادهم لـ"الوساطة".

ويعتقد أنطون مارداسوف، وهو محلل روسي وباحث غير مقيم في "معهد الشرق الأوسط"، أن "دمشق وأنقرة لم يكن بوسعهما خلال الفترة الماضية إلا أن يردا على جهود الوساطة العراقية".

وبينما من المهم لتركيا أن تنفذ مشروع "طريق التنمية" عبر الأراضي العراقية وتواصل تنفيذ العمليات ضد "العمال الكردستاني" فإن العلاقة مع بغداد مهمة بالنسبة للأسد أيضا، ولذلك "كان عليه أن يكون مجاملا"، على حد تعبير مارداسوف.

يشير المحلل الروسي في حديثه لموقع "الحرة" إلى ثلاثة سياقات "هامة" يجب مراقبتهما في أثناء تقييم مسار التطبيع الحاصل بين أنقرة ودمشق.

ويرتبط الأول بالانتخابات الأخيرة التي كانت تستعد "الإدارة الذاتية" في شرق سوريا لتنظيمها.

والثاني بالملفات المتقاطعة بين موسكو وأنقرة وبين الأخيرة ودمشق.

أما المسار الثالث فيتعلق بالمنافسة الداخلية الحاصلة في تركيا بين الحزب الحاكم وحزب "الشعب الجمهوري" وورقة اللاجئين التي يتم سحبها الآن بصورة أكبر.

التوغلات التركية أدت إلى نزوح مئات الآلاف من الأكراد في شمال سوريا

كيف تفكر موسكو؟

ويعود المحلل الروسي إلى الوراء قليلا ويقول إنه من المهم "فهم الاختلافات بين الانتخابات التي أجرتها الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا عام 2017، وتلك التي تخطط لها الآن".

ويوضح أن "جوهر الوضع الحالي هو أن حكومة الأسد، مستغلة العودة إلى الجامعة العربية، حاولت تقديم مسار بديل للتطبيع من شأنه أن يحظى بالموافقة العربية".

تضمن المسار تكثيف الحوار مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" عبر "هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي"، بحسب مارداسوف.

وفي نهاية المطاف أدى عمل "الاتحاد الديمقراطي" على ما يسمى بـ "العقد الاجتماعي" إلى كتابة مسودة دستور، تتصور إنشاء مجلس عسكري من نوع ما مع بعض السوريين.

وكانت موسكو "على علم جيد بهذا الأمر"، وفقا لحديث المحلل الروسي.

ويشير إلى أن الترتيبات المذكورة سابقا وما تبعها من نية "الإدارة الذاتية" تنظيم الانتخابات "من شأنها أن تفضي الشرعية على جسم يقوم على الاندماج السريع لوحدات حماية الشعب تحت جناح دمشق"، في حال طرأ أي تغير في شكل الوجود الأميركي.

تركيا تنشر قوات في سوريا لمواجهة حزب العمال الكردستاني.

"حل المشكلة.. نحو الحوار"

بوجهة نظر المحلل الروسي كان السيناريو المذكور سيحرم تركيا من فرصة القيام بعمليات لإضعاف حزب "العمال الكردستاني" وجميع التنظيمات المرتبطة به.

ولذلك اتجهت لحل المشكلة عن طريق الحوار مع الأسد، والذي تمتد جذوره أيضا إلى السياق السياسي الداخلي للتنافس بين "العدالة والتنمية" وحزب "الشعب الجمهوري".

ومن المهم بالنسبة لأنقرة أن تعمل على إخراج الحوار مع دمشق بشأن اللاجئين من حالة الركود لاعتراض أجندة المعارضة.

وثانيا بأن تستخدم هذا العامل في المفاوضات مع الكرملين، وفقا لمارداسوف.

أما وبالنسبة لموسكو فإن الاتصالات السورية التركية مهمة لأنها حتى عبر العراق ستعمل على تحسين صورتها كطرف نجح في تحقيق المصالحة في نهاية المطاف.

ويقول المحلل الروسي أيضا إن "بعض التكثيف التجاري عبر أراضي المعارضة في سوريا سيكون على أي حال ميزة إضافية للاقتصاد السوري المدمر".

وستحاول موسكو في المرحلة المقبلة "تحويل التقدم الافتراضي في الاتصالات بين دمشق وأنقرة ضد الأكراد"، كما يتابع المحلل الروسي.

لكنه يشير إلى "خطر قد يعترض العملية".

ويتمثل أنه "وفي حالة تكثيف بعض الأعمال العسكرية فمن غير المرغوب به أن تقوم روسيا بتحويل الموارد من الصراع الأوكراني"، لأن "نفس الكتائب الإضافية من الشرطة العسكرية التي سيتم نشرها في الأراضي الجديدة المنقولة إلى الأسد تشكل عبئا إضافيا على الآلة العسكرية للكرملين".

ومن زاوية أخرى تتعلق بروسيا يوضح أوميت نظمي هزير المحلل التركي المقيم في العاصمة الروسية أنه "ومن خلال تعزيز العلاقات المحسنة بين تركيا وسوريا تستطيع موسكو تحقيق التوازن ضد القوى الأخرى، وخاصة ضد الولايات المتحدة، وتعزيز موقفها الجيوسياسي في الشرق الأوسط".

إلى جانب ذلك يشير إلى أن "روسيا التي تتعامل مع المشكلة الأوكرانية تريد حل الأزمة السورية وتخفيف أعباءها".

ويضيف أن "مشاركة روسيا أمر حاسم في تشكيل مسار العلاقات بين أنقرة ودمشق"، ويعتقد أنها "ستقدم بعض الضمانات للجانبين، وهناك احتمال أن تستضيف موسكو اجتماع إردوغان والأسد في المستقبل".