اتفق محللون، تحدث معهم موقع الحرة، على أن الوديعة التي أعلنت السعودية، الاثنين، عن ضخها في البنك المركزي التركي جاءت في وقت مهم للاقتصاد التركي.
وقال الصندوق السعودي للتنمية، في الإعلان الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية (واس)، إن رئيس مجلس إدارة الصندوق، أحمد بن عقيل الخطيب، وقع في الجمهورية التركية، اتفاقية لإيداع 5 مليارات دولار، مع محافظ البنك المركزي، شهاب كافجي أوغلو.
وكان وزير المالية السعودي، محمد بن عبد الله الجدعان، أعلن في ديسمبر اعتزام بلاده إيداع هذا المبلغ.
وكتب الصندوق السعودي للتنمية، في تغريدة باللغة التركية، الاثنين، أن الوديعة تأتي "امتدادا للعلاقات التاريخية وأواصر التعاون الوثيقة التي تجمع المملكة العربية السعودية مع الجمهورية التركية وشعبها الشقيق".
Bu anlaşma, Suudi Arabistan Krallığı ile #Türkiye Cumhuriyeti ve kardeş halkı arasındaki tarihi ilişkiler ve kuvvetli işbirliği bağları çerçevesinde gerçekleşmiştir
— الصندوق السعودي للتنمية (@SaudiFund_Dev) March 6, 2023
الكاتب والمحلل التركي، يوسف كاتب أوغلو، اعتبر في تصريحات لموقع الحرة أن الاتفاقية "خطوة في الاتجاه الصحيح وستعقبها خطوات أخرى"، مضيفا أنها تأتي في إطار تنفيذ المملكة لوعودها بدعم الاقتصاد التركي، ودعم الاستثمارات المتبادلة بين البلدين في مجالات عدة.
ورأى الخبير الاقتصادي التركي، علاء الدين إسماعيل شنكولر، في تصريحات لموقع الحرة أن الاتفاق يهدف إلى زيادة السيولة في البنك المركزي، مما يساعد على زيادة قيمة العملة المحلية والتعامل مع أزمة الزلزال، لكنه يشير في النهاية إلى أن المبلغ سيكون دينا مستحقا على أنقرة.
ويقول كاتب أوغلو إن هذا التعاون المشترك سينعكس إيجابا على الاقتصاد التركي، إذسيزيد قيمة الودائع النقدية الأجنبية في البنك المركزي إلى ما يقارب 25 مليار دولار.
ويرى أنها ستساعد في كبح التضخم الذي شهد تحسنا في الآونة الأخيرة مع الاتجاه النزولي له، بعد أن هبط إلى نحو 55 في المئة على أساس سنوي.
وكانت تركيا أعلنت عن نسبة تضخم رسمية بقيمة 55.2 في المئة في فبراير، بالمقارنة مع 85 في المئة في نهاية 2022.
ورغم أن الأسعار استمرت في الارتفاع شهرا بعد آخر، لكن حدث ذلك بشكل أقل حدة مما كانت عليه قبل عام.
وبلغ التضخم، الذي يغذيه خصوصا ضعف الليرة التركية 85.5 في المئة على أساس سنوي، في أكتوبر، عندما بلغ مستوى غير مسبوق منذ يونيو 1998، قبل أن يتباطأ في نوفمبر للمرة الأولى خلال 18 شهرا.
وكانت احتياطيات النقد الأجنبي لتركيا انخفضت، الصيف الماضي، إلى أدنى معدل لها في 20 عاما، ثم عادت للانتعاش مجددا قبل أن تخسر تركيا نحو 8.5 مليار دولار منذ وقوع كارثة الزلزال الذي ضرب المناطق الجنوبية للبلاد، في أوائل فبراير، وأدى إلى مقتل أكثر من 45 ألف شخص في تركيا، وترك الملايين بلا مأوى، وفق وكالة رويترز.
وأظهرت بيانات من البنك المركزي التركي، الخميس الماضي، تراجع صافي الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي التركي بنحو 1.4 مليار دولار، إلى 20.2 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في 24 فبراير.
وانخفضت احتياطيات تركيا من العملات الأجنبية بشكل حاد في السنوات الأخيرة بسبب تدخلات السوق، وفي أعقاب أزمة العملة في ديسمبر 2021، إذ فقدت الليرة حوالي 30 في المئة من قيمتها مقابل الدولار العام الماضي، و44 في المئة في عام 2021.
وتأتي الوديعة السعودية في أعقاب جهود مشتركة بين أنقرة والرياض لإصلاح العلاقات التي انقطعت بعد مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، عام 2018، داخل قنصلية المملكة في إسطنبول، وأعقبها انتقادات لاذعة من أنقرة للرياض.
وفي أبريل الماضي، زار الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، المملكة، في أول زيارة منذ الأزمة، ثم في يونيو الماضي، زارها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ مقتل خاشقجي.
وسعت تركيا، العام الماضي، إلى تطبيع العلاقات مع السعودية، مع رغبتها في الحصول على دعم مالي خارجي واستثمارات لتعزيز اقتصادها، الذي عانى من الأزمة المالية المتفاقمة.
وعندما زار الرئيس التركي السعودية، قال إن أنقرة والرياض "اتفقتا على دفع التعاون الاقتصادي المشترك إلى الأمام".
وفي ديسمبر الماضي، أعلن وزير الاستثمار السعودي، خالد بن عبد العزيز الفالح، أن "تركيا والسعودية تعملان على تطوير العلاقات الاستثمارية بينهما”، مؤكدا أن "السعودية "لديها حافز لتحسين أنشطتها المشتركة مع تركيا في فترة ما بعد جائحة كورونا".
وفي أعقاب الزلزال المدمر، أعلنت السعودية عن جسر جوي لمساعدة السكان المتضررين في تركيا، حيث أرسلت السعودية 12 طائرة إغاثية نقلت فرقا إغاثية ومئات الأطنان من السلال الغذائية والمواد الإيوائية والطبية، وفقا لما نشرته وكالة الأنباء التركية الأناضول.
وشارك أكثر من 1.6 مليون شخص في حملة تبرعات شعبية في السعودية، بحصيلة أولية تجاوزت 100.8 مليون دولار، حسب الأناضول.
وفي تصريحاته في ديسمبر الماضي التي نقلتها "واس"، أعلن الفالح عن رغبة البلدين في "الاستفادة من الإمكانيات الاستثمارية الكبرى لهما.. في العديد من المجالات ذات الاهتمام المشترك".
وأشار إلى قطاعات التصنيع والتشييد والسياحة والتكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية باعتبارها القطاعات الرئيسية التي تمتلك القدرة على خلق فرص استثمارية واعدة لكلا البلدين.
ووقع البلدان 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين القطاعين الحكومي والخاص في عدة مجالات.
وقال كاتب أوغلو في تصريحاته لموقع الحرة إن التعاون بين البلدين لا يقتصر فقط على المليارات الخمسة، ويشير إلى أن "استمرار الاستثمارات الخليجية عموما والسعودية تحديدا في تركيا سيعود بالنفع على الجميع، ويعزز فرص العمل والشراكات الاستراتيجية بين القطاع الحكومي والخاص".
ويشير المحلل شنكولر إلى أنه كانت هناك رغبة سعودية لضخم 5 مليارات دولارت قبل أشهر، لكن كارثة الزلزال عجلت بالأمر. وقال: "تحتاج تركيا الآن إلى النقد لتغطية الحاجات الضرورية خاصة في المناطق التي تأثرت بشدة بهذه الكارثة".
وعاش الاقتصاد التركي واقع صدمة جديدة مع زلزال في 6 فبراير، حيث بات عى الحكومة امتصاص الضرر الاقتصادي، الذي قدره البنك الدولي بأكثر من 34 مليار دولار. ويعادل هذا المبلغ أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد لعام 2021، ولا يشمل كلفة إعادة الإعمار التي قد تصل إلى "ضعفي" المبلغ، بحسب البنك الدولي.
وستضطر تركيا الآن لتخصيص مليارات الدولارات لإعمار 11 محافظة في الجنوب والجنوب الشرقي، وقد يؤدي ضخ كل هذه المبالغ إلى تحفيز الاستهلاك والإنتاج الصناعي، وهما مؤشران أساسيان للنمو الاقتصادي، لكن الواقع أن تركيا تعاني شحا في الأموال، وفق تقرير سابق لفرانس برس.
وتمكنت تركيا من إعادة ضخ الأموال لاحتياطي البنك المركزي بعدما كاد ينفد، لكن خبراء أكدوا للوكالة أن هذه الأموال بالكاد تكفي للحفاظ على المالية التركية، ومنع الليرة التي تواجه وضعا صعبا من الانهيار.
وستؤدي المساعدة النقدية السعودية إلى زيادة الاحتياطات النقدية لتركيا، وفق كاتب أوغلو.
وجاءت المساعدة أيضا في ظل عزوف المستثمرين الأجانب، بسبب سياسة إردوغان الاقتصادية المخالفة للنهج التقليدي، التي قضت بخفض معدلات الفائدة بانتظام، مما تسبب بارتفاع حاد في التضخم.
ويعتقد كاتب أوغلو أن الوديعة "بداية وستعقبها استثمارات متتالية خصوصا في المشاريع التي توقفت وتعتمد على الاستثمارات الخارجية". ويشير إلى تنافس بين السعودية والإمارات على ضخ الاستثمارات في تركيا.
