رغم "الزلزال السياسي" الذي أحدثته زعيمة "حزب الجيد"، ميرال أكشنار، خلال الأيام الماضية إلا أن "الطاولة السداسية" للمعارضة في تركيا تستعد بخمسة أحزاب للإعلان عن مرشحها الرئاسي الذي سينافس الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبحسب ما ذكر مسؤولون ووسائل إعلام من المقرر أن يتم الكشف عن الاسم عصر الاثنين، و"على مرحلتين".
وما تزال ارتدادات "الزلزال" الخاص بالسياسية أكشنار قائمة حتى الآن، بعدما خرجت بخطاب، الجمعة، وجهت من خلاله عبارات لاذعة لنظرائها في "الطاولة السداسية". وفي حين وصفت هذا التحالف بأنه "طاولة قمار وكاتب بالعدل"، ألمحت كلماتها إلى ابتعادها عما كانت تسير بموجبه إلى جانب 5 زعماء آخرين، منذ أكثر من عام ونصف العام.
وجاء موقف السياسية بعد اجتماع عقده زعماء "الطاولة"، انتهى بالإعلان عن "تفاهم مشترك بشأن المرشح الرئاسي" وأشارت جميع المعطيات إلى أنه سيكون زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كمال كلشدار أوغلو، وهو ما اعترضت عليه أكشنار، مصرّة على اسمي عمدة أنقرة وإسطنبول، منصور يافاش، وأكرم إمام أوغلو.
وذكرت وسائل إعلام تركية، الاثنين، أن "الطاولة السداسية" ستجتمع في الساعات المقبلة "دون زعيمة حزب الجيد أكشنار" وفق الترجيحات، ومن المقرر أن يتم الإعلان عن كمال كلشدار أوغلو كمرشح رئاسي منافس لإردوغان.
وأوضح موقع "هالك تي في" أن الاستعدادات تجري داخل مقر "حزب الشعب" في العاصمة أنقرة لإنشاء منبر، سيعتليه كلشدار أوغلو حال إعلان الطاولة عن اسمه كمرشح رئاسي.
وأضاف: "أرسل حزب الشعب الجمهوري رسالة إلى جميع أعضائه ودعاهم أمام مقر حزب السعادة الساعة 17:00 (بالتوقيت المحلي) وأمام مقر حزب الشعب الجمهوري الساعة 19:00"، وأن "الإعلان سيكون على مرحلتين".
"ساعات مفصلية"
وستكون الساعات المقبلة عن اجتماع المعارضة لإعلان المرشح الرئاسي "مفصلية"، ولا سيما أن هذه الخطوة لطالما انتظرتها الأوساط في البلاد، في وقت لم يتبق إلا قرابة شهرين على موعد تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ومن المقرر أن تجري الانتخابات في الرابع عشر من شهر مايو المقبل، بحسب ما أعلن إردوغان مؤخرا، على أن يثبت هذا التوقيت وبشكل رسمي في العاشر من شهر مارس الحالي.
وفي حين أنه قد يتم الإعلان عن كلشدار أوغلو كمرشح رئاسي، بعد أشهر من التباين والأخذ والرد بشأن اسمه، لم تحدد السياسية أكشنار التي اعترضت على ترشيحه الطريق الذي ستسلكه خلال الأيام المقبلة.
وبينما استبعد مسؤولون في حزبها، خلال اليومين الماضيين، أن يتجه "حزب الجيد" للانضمام إلى تحالف الحزب الحاكم مع حليفه القومي، لم يحددوا ما إذا كانت هناك إمكانية للعودة إلى "الطاولة السداسية" أو المضي باتجاه تحالف جديد مع أحزاب أخرى.
ويوضح الكاتب والصحفي المعارض، إسماعيل سايماز، أن "اجتماع الطاولة السداسية للمعارضة في الساعة الثانية من ظهر الاثنين سيعلن في ختامه عن ترشيح كلشدار أوغلو، بالإضافة إلى خارطة الطريق لعملية الانتقال في حال الفوز".
كما سيتم الإعلان عن آلية "توزيع الصلاحيات الرئاسية على القادة وعدد الوزارات الممنوحة للأحزاب".
من جانب آخر، تحدث الكاتب عن محاولات يقودها زعماء "الطاولة السداسية" للتفاوض مع ميرال أكشنار، ضمن "صيغة أن يصبح اثنان من رؤساء البلديات في إسطنبول وأنقرة نائبين للرئيس بعد الفوز بالانتخابات".
ومع ذلك، كان إمام أوغلو ومنصور يافاش اللذان تطالب بهما أكشنار قد أبديا دعمها لزعيم حزبهما كلشدار أوغلو، وانتشرت لهما بيانات أكدت ذلك، فيما أشارت على الطرف الآخر إلى أن هذين الشخصين سيعقدان لقاء مع السياسية بهدف دفعها للعودة إلى "الطاولة السداسية".
ويشير الباحث السياسي التركي، هشام جوناي، إلى أن "السياسة التركية سريعة التقلب. أكشنار انقلبت على الطاولة السداسية قبل أن يجف حبر توقيعها على بيان التفاهم المشترك بشأن المرشح الرئاسي".
ويقول جوناي لموقع "الحرة" إن الموقف الذي تبنته زعيمة "حزب الجيد" ذو الجذور القومية "كان له صدى سلبي كبير ليس فقط في داخل المعارضة بل أيضا لدى الناخبين لحزب الجيد".
"الكثير منهم استقال وأعلنوا عن عدم رضاهم عن هذه الخطوة، وأنها ستصب في صالح إردوغان". ويضيف الباحث: "بناء على ذلك أبدت أكشنار أنها مستعدة للعودة إلى الطاولة السداسية وأنها ستدعم كمال كلشدار أوغلو إذا تجاوز الجولة الأولى في الانتخابات".
وبينما يعتقد جوناي أن "انسحاب أكشنار أحدث زلزالا في الطاولة السداسية"، إلا أنه لا يظن أنه سينعكس سلبا على المعارضة، إذ يوضح: "لا أعتقد أن الذين يصوتون لحزب الجيد وحتى لو غادرت أكشنار الطاولة أنهم سيؤيدون الحزب الحاكم".
ما المتوقع؟
وتعتبر أكشنار من أبرز زعماء المعارضة التركية في البلاد، ويقع الحزب المعارض الذي تقوده في المرتبة الثانية، بعد "حزب الشعب الجمهوري" أكبر أحزاب المعارضة.
وتدخل منذ سنوات ضمن تحالف انتخابي مع "حزب الشعب الجمهوري". وتعود جذورها في السابق إلى "حزب الحركة القومية"، الذي انشقت عنه قبل تحولها إلى أحزاب المعارضة.
وتولت أكشنار منصب وزيرة الداخلية عام 1996، وشاركت في تأسيس "حزب العدالة والتنمية"، إلا أنها تركت الحزب قائلة، وقتها، إنه مجرد امتداد لحزب "الرفاه" الإسلامي بزعامة، نجم الدين أربكان.
وانضمت إلى "حزب الحركة القومية" لاحقا. وبسبب معارضتها لنهج زعيم الحزب (دولت باهشتلي) في تأييد إردوغان تم طردها من الحزب عام 2016، لتعلن فيما بعد تشكيل حزب "الجيد".
في غضون ذلك كان كلشدار أوغلو قد وصل إلى رئاسة "حزب الشعب" عام 2010، بعد استقالة سلفه الراحل، دينيز بايكال.
وسبق أن شارك مع "حزب الحركة القومية" المعارض في ترشيح، أكمل الدين إحسان أوغلو، في أغسطس 2014، بطريقة التصويت المباشر، لكنه خسر أمام مرشح "العدالة والتنمية" حينها إردوغان.
ويتزعم هذا السياسي المعارضة التركية باعتباره رئيس أكبر أحزابها، ويعرف داخليا بمواقفه المناهضة بشدة لحزب العدالة والتنمية وحكوماته المتعاقبة، كما يعارض بقوة سياسات الحزب الخارجية.
ولا يعرف بالتحديد ما إذا كان سيحظى بحظوظ كبيرة للفوز أمام إردوغان، ولاسيما مع تضارب نتائج استطلاعات الرأي، والتي ازداد انحراف بوصلتها، بفعل كارثة الزلزال التي حلّت قبل أسابيع.
ويرى الباحث جوناي أن ما أقدمت عليه أكشنار يرتبط "بأبعاد مختلفة منها شخصي"، ويقول إن السياسية "تبحث عن مستقبلها السياسي وتريد أن تلعب دورا في تركيا المستقبل ولا تريد أن تبقى تحت كنف حزب الشعب، الذي كان له فضلا في دخولها للانتخابات الماضية".
وفي الانتخابات السابقة كان "حزب الشعب" قد أقدم على إعارة "حزب الجيد" 15 نائبا، من أجل أن يضمن الأخير الحصول على الميزانية، والتمثيل في البرلمان.
ويضيف جوناي: "أكشنار لم ترد الجميل بل العكس. هذا ما يثبت أنه لا يوجد حسابات قائمة على القيم بل على المصلحة البحتة وهذا ما يحصل".
بدوره يرى الكاتب والصحفي، إسماعيل سايماز، أن "المعارضة في تركيا باتت الآن أبعد عن الفوز في الانتخابات مما كانت عليه في أي وقت مضى".
ويقول: "إذا ما انتصر إردوغان في 14 مايو على رأس الوباء والأزمة الاقتصادية والحرب، فستكون كل المعارضة تحت الطاولة"، وأنه "إذا دخلت تركيا القرن الثاني مع إردوغان، فسيبقى كل من ميرال أكشنار وتحالف الأمة في القرن الماضي"، حسب تعبيره.
وكان ينظر للانتخابات ما قبل الزلزال على أنها "استثنائية" لسلسلة من الاعتبارات، ومع حلول "كارثة القرن" كما تصفها الأوساط التركية تضاعفت هذه الحالة على نحو كبير، في وقت تسود الكثير من التكهنات بشأن السياق الذي ستنظم فيه، سواء من الناحية الجغرافية أو التنظيمية.
كما تثور التكهنات عن فرص وحظوظ الحزب الحاكم في الفوز في ظل الكارثة الحاصلة، وكذلك الأمر بالنسبة لأحزاب المعارضة، التي انكسر تحالفها السداسي، بعد أكثر من عام ونصف العام على تشكيله.
ويتوقع مراقبون أن تحسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، بينما يرى آخرون أن هذا الأمر مستبعد، إذ ستشهد "جولتين" (أولى وثانية)، وخاصة إذا ما ترشحت عدة أسماء لمنصب "الرئيس".
ويجب أن يحصل المرشحون على نسبة "50+1" من الأصوات على الأقل ليتم انتخابهم، لكن وفي حال لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى، تُجرى جولة ثانية بعد 15 يوما، بين المرشحين اللذين حصلا على أكبر عدد من الأصوات أولا. وبعد ذلك سينتخب المرشح الذي يحصل على أغلبية الأصوات الصحيحة "رئيسا".
