منذ مساء الثلاثاء كانت صحة الرئيس التركي أكثر ما تتداوله الأوساط في تركيا
منذ مساء الثلاثاء كانت صحة الرئيس التركي أكثر ما تتداوله الأوساط في تركيا

أعلن وزير الصحة التركي، فخر الدين قوجه عن الحالة الصحية الأخيرة للرئيس، رجب طيب إردوغان، موضحا أنه "بحالة جيدة"، بعدما أصيب بالتهاب في المعدة والأمعاء.

وقال قوجه بينما كان يلقي خطابا في مدينة قونية، يوم الخميس: "لقد كنت معه هذا الصباح. يبعث بالكثير من التحيات إليكم جميعا. الحالة الصحية لرئيسنا جيدة".

وتابع قوجه بينما شدد على أن "الجميع فضوليون بشأن صحة الرئيس التركي": "انخفض تأثير التهاب المعدة والأمعاء، وسيواصل برامجه في أسرع وقت ممكن. ويشكر كل مواطنينا الذين بعثوا إليه بالتمنيات الطيبة".

ومن المقرر أن يحضر إردوغان بعد ساعات حفل "تحميل الوقود الأول لمحطة أوكويو للطاقة النووية"، وذلك عبر تقنية الفيديو، وبحضور نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، حسب ما ذكرت وسائل إعلام تركية.

وفي وقت لاحق من يوم الخميس كان الافتتاح قد تأجل من الساعة 13.30 إلى الساعة 16.00 عصرا.

ومنذ مساء الثلاثاء كانت صحة الرئيس التركي أكثر ما تتداوله الأوساط في تركيا، بعدما اختصر إردوغان مقابلة تلفزيونية كان يتم بثها على الهواء مباشرة في ساعة متأخرة، وقال إنه يشعر بتوعك بسبب اضطراب في المعدة.

وبعدما أثار انقطاع البث الكثير من الجدل، فيما أطلقت التساؤلات عن الوضع الصحي لإردوغان نشر الرئيس التركي تغريدة في اليوم التالي، قال فيها إنه "سيرتاح في المنزل بناء على نصيحة الأطباء".

وأوضح: "أمس واليوم كان هناك عمل كثير. بسبب ذلك أصبت بإنفلونزا المعدة. للحظة تساءلت إذا ألغيت اللقاء هل سيُفهم الأمر في شكل خاطئ. لكننا كنا قطعنا وعدا. أطلب السماح منكم ومن جمهوركم". 

ويخوض الزعيم التركي حملة انتخابية من دون كلل في مسعى قبل انتخابات رئاسية وتشريعية بدأت أولى محطاتها يوم الخميس، بالتصويت لمن هم خارج البلاد، على أن يتجه المواطنون للانتخاب في الداخل يوم 14 من شهر مايو المقبل.

وتمنى منافسه الرئيسي كمال كيليتشدار أوغلو (74 عاما) مرشح "تحالف الأمة" الذي يضم ستة أحزاب معارضة، على الفور لإردوغان "التعافي سريعا"، وكذلك، تمنى الكثير من قادة التحالف الآخرين الشفاء السريع، من بينهم زعيمة "حزب الجيد"، ميرال أكشنار ورفاق دربه السابقين أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان.

ودون ذكر أي مصادر، زعمت قناة CGTN التلفزيونية الصينية الحكومية، يوم الأربعاء، أن إردوغان أصيب بنوبة قلبية، وسرعان ما نفت الرئاسة التركية النبأ، فيما عادت القناة الصينية لتنشر خبرا توضيحيا تنفي ما قالته أولا.

وفي الوقت نفسه، زعمت حسابات Telegram الروسية أن الزعيم الروسي فلاديمير بوتين هرع إلى الكرملين عند سماعه أخبار صحة إردوغان، وهو أيضا ما نفته الرئاسة التركية، من خلال تغريدة نشرها رئيس دائرة الاتصالات، فخر الدين ألتون.

ولطالما كانت صحة الرئيس التركي مثار جدل داخل أوساط البلاد، وخاصة من جانب أحزاب المعارضة، التي أثارت القضية في وقت سابق، بينما ركزت عليها وسائل إعلام غربية.

وفي 29 أكتوبر 2021 انتشر مقطع فيديو لإردوغان وهو يمشي بصعوبة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن سرعان ما نشرت الرئاسة التركية تسجيلا مضادا أظهرته وهو يعلب بكرة السلة.

وفي 3 نوفمبر من ذلك العام، زعمت سلسلة من التدوينات على تويتر أن إردوغان توفي وأن الحكومة كانت تخفي الأخبار، الأمر الذي دفع السلطات التركية، حينها، للشروع في اتخاذ إجراءات قانونية ضد 30 شخصا، اتهموا بعملية النشر.

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.