إردوغان يثير النقاش مجددا
إردوغان يثير النقاش مجددا

رغم أن قضية "كتابة دستور جديد لتركيا" سبق وأن طرحها الرئيس، رجب طيب إردوغان، قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية معتبرا أن "ساعة الصياغة قد دقّت"، فقد عاد ليثيرها مجددا، قبل أيام داخل البرلمان، وأيد الفكرة ذاتها حليفه زعيم "حزب الحركة القومية"، دولت باهشتلي. 

لكن إصرار الحكومة والحزب الحاكم (العدالة والتنمية) وحليفه على ضرورة البدء "بالصياغة ووضع الدستور الجديد" يواجه موقفا مضادا على الضفة المقابلة، إذ ترفض أحزاب المعارضة المضي بالخطوة، وتنتقدها لعدة اعتبارات خاصة بها.

وكان إردوغان قد شدد في كلمته بالبرلمان، مطلع أكتوبر الحالي، على "ضرورة التخلص من إرث الانقلابات"، وقال: "سيجد كل مواطن تركي نفسه ضمن الدستور الجديد الذي نطمح إلى صياغته".

وبينما دعا كل القوى والشرائح السياسية للمشاركة في صياغة "الدستور"، اعتبر أن "أفضل بشارة يمكن تقديمها للشعب في الفترة الحالية هو دستور جديد يستوعب الجميع ويضمن الحريات، ويجعل جميع المواطنين يقولون هذا دستورنا".

وأكد على حديثه زعيم "حزب الحركة القومية" باهشتلي، معتبرا أن "الدستور الانقلابي لا يليق بتركيا. الآن هو الوقت"، في وقت وجه انتقادات لزعيم المعارضة، كمال كليتشدار أوغلو بالقول: "تصريحه بأنه لا يمكن وضع الدستور برجل واحد هو أمر متهور وأحمق ومخزٍ".

وفي أثناء طرح القضية قبل الانتخابات الرئاسية، وصولا إلى إثارتها مجددا، لم يتغير رأي أحزاب المعارضة بما يدعو ويصر عليه إردوغان، حيث رد زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كليتشدار أوغلو مخاطبا الرئيس التركي: "يجب عليك أولا الالتزام بالدستور الحالي".

وأضاف: "لن نقسم لك الولاء غير المشروط مثل الآخرين. نحن لسنا حزب الحركة القومية!"، وتابع زعيم "حزب المستقبل"، أحمد داوود أوغلو، في موقف منفصل: "سنبذل قصارى جهدنا لوضع دستور وطني مثالي حقا بدلا من إلغاء دستور 12 سبتمبر. لكن هل أنتم مستعدون لمناقشة النظام الرئاسي للحكومة؟".

وعلّق الناطق باسم "حزب الجيد"، كورشاد زورلو بالقول: "توقعاتنا ودعوتنا هي تأجيل هذه المناقشات بعد الانتخابات المحلية"، في إشارة إلى "مقترح صياغة وإعداد دستور جديد للبلاد".

"الخطوات الفعلية بدأت"

ومنذ وصول حزب "العدالة والتنمية" لسدة الحكم، ظل قادته يؤكدون على ضرورة تغيير الدستور العسكري (دستور 1982)، والعمل على تعديلات جذرية فيه.

وسبق وأن أجريت عدة تعديلات عليه في عدة فترات زمنية أبرزها في عامي 2007 و2010، وصولا إلى الاستفتاء الكبير على تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي في عام 2017.

لكن ومنذ 6 سنوات بقيت النقاشات المتعلقة بـ"وضع الدستور الجديد" تدور ضمن الأخذ والرد بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، حتى وصلت إلى أوجها قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، شهر مايو الماضي. 

وتأكيدا على حديث إردوغان، قال رئيس البرلمان، نعمان قورتولموش، يوم الثلاثاء، إن "صياغة دستور جديد دَين في رقبة تركيا، وستكون خطوة مهمة تليق بالقرن الثاني للجمهورية".

وعدّ قورتولموش دستور 1980 كـ"أحد أكثر آثار الانقلاب ونتائجه ديمومةً، حيث صيغ بهدف التحكم في المستقبل، وتم تصميمه وفق ما يريده الانقلابيون"، فيما أعلن بدئه لقاءات مع الكتل البرلمانية من أجل بحث قضية دستور تركيا الجديد.

وكانت أولى اللقاءات مع زعيم "حزب الحركة القومية"، دولت باهشتلي، الثلاثاء، ومن المقرر أن يلتقي قوتولموش أيضا في الأيام المقبلة مع بقية الكتل الممثلة في البرلمان، ضمن "الخطوات التي بدأت فعليا"، حسب وسائل إعلام تركية.

وأشار إلى أن "الشيء الرئيسي هو تقديم موقف حسن النية بشأن هذه القضية. دون تحيز.. القضايا التي تحتاجها تركيا واضحة، ولا بد من التخلص من دستور 12 سبتمبر الانقلابي".

"هدفان"

وتأتي إثارة قضية "الدستور الجديد" قبل خمسة أشهر من موعد تنظيم الانتخابات المحلية في تركيا، والمقرر تنظيمها في مارس 2024.

وبينما يربط مراقبون أتراك ما يحصل بـ"أغراض انتخابية"، يرى آخرون أن القصة وإصرار الحزب الحاكم يقود إلى ما هو أبعد من ذلك.

ويقول الباحث السياسي التركي، هشام جوناي لموقع "الحرة": "كلما تقترب الانتخابات يعاد طرح قضية الدستور من جديد"، مضيفا: "يفصلنا 5 أشهر عن انتخابات البلديات، ولذلك عاد الحديث مرة أخرى".

ويعتقد الباحث التركي أن "موضوع الحجاب وحرية ارتدائه ستثار مرة أخرى في المواد الدستورية الجديد"، وهو ما "قد يثير اعتراض الأحزاب العلمانية اليسارية وخاصة حزب الشعب الجمهوري".

وقد تعيد إثارة "قضية الحجاب" الفكرة المتعلقة بأن "حزب الشعب الجمهوري يعادي الدين، وليس له صلة بالمقدسات الدينية، وما إلى ذلك".

ويتابع جوناي: "أعتقد أن الموضوع له علاقة بهذه النقطة تحديدا"، وأنه "لا يوجد هناك إرادة تجمع أحزاب المعارضة مع الحكومة، حتى لو كان على دستور مشترك".

لكن الباحث السياسي، مهند حافظ أوغلو، يرى القصة مغايرة لذلك، ويوضح لموقع "الحرة" أن "الدستور الحالي كتب في عهد الانقلابيين، وبالتالي لا يتناسب مع ما تطمح إليه تركيا لا في حاضرها ولا في مستقبلها".

ويقول حافظ أوغلو: "لابد من صياغة دستور حقيقي مدني يتلافى من خلاله الكثير من الأخطاء وألا يكون مجرد حبرا على ورق"، وهو ما تؤكد عليه الحزب الحاكم والرئيس التركي.

ويضيف: "هناك توجه لكتابة الدستور بالكامل وإعادة صيغته بالكامل وهناك من يريد أن يكون عبارة عن تعديل فقط في بعض المواد الدستورية".

ومع ذلك يتابع الباحث: "سواء كان دستورا جديدا بالمطلق أو إعادة بعض البنود وتصحيحها وإلغاء بعضها فإن الهدف لدى الدولة التركية هو صياغة وكتابة دستور يليق بتركيا وبأهدافها".

"معضلة تمرير"

ويحتاج تعديل الدستور إلى موافقة 400 عضو من أصل 600، وهو عدد نواب البرلمان. وفي حالة مختلفة يحتاج إلى 360 صوتا للذهاب إلى "الاستفتاء الشعبي".

ويمتلك تحالف "الجمهور" الحاكم في الوقت الحالي 323 مقعدا فقط، وهو ما يعني ضرورة كسب موافقة بقية الأحزاب التي تباينت مواقفها حتى الآن. 

وعلى الرغم من الموقف المنتقد والمعارض، لا تبدو أحزاب المعارضة كاملة وكأنها "كتلة متماسكة"، كون خسارتها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة أحدثت شرخا، ترجمته تصريحات مسؤوليه، على رأسهم زعيمة "حزب الجيد"، ميرال أكشنار. 

ولذلك، ووفق مراقبين، قد يسعى الحزب الحاكم إلى تحقيق نسبة التعديل بناء على النقاشات والمفاوضات التي سيجريها رئيس البرلمان قوتولموش مع الكتل البرلمانية الممثلة لأحزاب "المستقبل"، "الديمقراطية والتقدم"، "السعادة"، بعد مرور الأسبوع الأول من أكتوبر الحالي. 

لكن الباحث، جوناي، يستبعد نجاح الحزب الحاكم في تمرير "الدستور الجديد"، ويقول: "هناك لهجة يتبناها الرئيس إردوغان من خلال اتهام أحزاب المعارضة بالتعاون مع التنظيمات الإرهابية وشيطنة المعارضة".

ويتابع بناء على ذلك: "كيف سيتوصلون إلى نتيجة، وخاصة أن أكبر مقام في الدولة وهو الرئاسة يتهم هذه الأحزاب بالتعامل مع الإرهاب".

ويشير جوناي إلى أن "الموضوع وراءه أجندة مختلفة لها علاقة بالانتخابات". لكن وجهة النظر هذه يراها الباحث حافظ أوغلو "غير واقعية".

ويوضح أن "الهدف الأساسي من الدستور الجديد ليس الغرض منه أهداف انتخابية تتعلق بالبلديات"، بل لتبديد "العوائق الكثير التي تعرقل الحركات السياسية".

وجاءت إثارة القضية مجددا ودعوة الأحزاب المشاركة في البرلمان لصياغته، بعد العطلة التي استمرت ثلاثة أشهر. 
 
ومع اسئتناف البرلمان جلساته وافتتاح العام الجديد "يجب أن يقوم الرئيس بمطالبات لكافه الأحزاب المشاركة في البرلمان بصياغة الدستور"، وفق حافظ أوغلو.

وما تزال "المشكلة قائمة في عملية التمرير"، ويشير الباحث إلى "الكثير من الأحزاب السياسية المعارضة لديها أهداف ضيقة وحزبية، والبعض منها لديهم أهداف شخصية".

وعلاوة على ذلك "لن يوافق حزب الشعوب الديمقراطي بطبيعة الحال على أي تعديلات في الدستور"، لأنها "ستنتج لاحقا عن إخراجه من البرلمان وإنهاء تمثيله السياسي".

ويضيف حافظ أوغلو: "المشكلة الآن في المعارضة. ولذلك كان خطاب إردوغان في البرلمان لينا وإن كان هناك اختلافات في الرؤى".
"خطوط حمراء" 

وذكرت صحيفة "حرييت" المقربة من الحكومة، الأربعاء أن "الجمهورية والبنية الوحدوية والدولة الديمقراطية والعلمانية والاجتماعية ودولة القانون القائمة على العدالة وحقوق الإنسان هي أساس الدستور الجديد".

ولن تكون "اللغة الرسمية للدولة وهي التركية، وعلمها هو الهلال والنجمة الحمراء، ونشيدها الوطني هو مسيرة الاستقلال، وعاصمتها أنقرة، مواضيع مفتوحة للنقاش"، إذ تمثل حسب تعبير "حرييت" خطوطا حمراء.

وتضيف الصحيفة: "بما أن السيادة الوطنية ضرورية في تركيا، فإن شكل الدولة هو الجمهورية. نهج أتاتورك بأن أساس الجمهورية التركية هو الثقافة سيكون من منظور الدستور الجديد أيضا".

واعتبر الكاتب جيم دوران أوزون في صحيفة "صباح" أن "تجربة تركيا السابقة أظهرت أنه من الأهمية بمكان بالنسبة لشرعية الدستور أن تكون عملية الصياغة مفتوحة للمشاركة العامة وأن يتم التفاوض عليها بحرية".

وأضاف الكاتب أن "وضع دستور يتمتع بأعلى مستوى من المشاركة الاجتماعية، ومفتوح للمناقشة والتفاوض، وأساليب قائمة على توافق الآراء سيضمن دخول جمهورية تركيا القرن الجديد بدستور أكثر ديمومة يليق بها".

لكن نائب رئيس "حزب الشعب الجمهوري" والناطق باسمه، فائق أوزتراك أشار في تصريحات، يوم الثلاثاء، إلى "خطة انتخابية تقف وراء الكلمات الدستورية".

وأضاف كاتب العمود في صحيفة "سوزكو" المعارضة، دينيز زريك أنه "الساسة يحبون جلب القضايا المثيرة للجدل مثل الدستور إلى جدول الأعمال، في وقت تؤثر الأزمات الاقتصادية على حياة الناس".

وتابع: "بالتالي يجعلون الناس ينسون قضايا مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والصعوبات المالية، والأجور المنخفضة".

من جهته أوضح الباحث السياسي، حافظ أوغلو، أن "بقاء تركيا على دستورها الحالي يكبل أي حراك تريده الدولة، ويكبل أيضا مسيرتها في أن تنطلق إلى دولة عظمى على مستوى العالم".

ويقول: "هي دولة إقليمية كبيرة وتصنيفها دوله فوق المتوسطة القوى، ولكن هناك مشاريع وطموحات يجب أن تترجم من خلال كتابة دستور جديد"، رغم أنه يعتبر أن "القضية ستبقى محل نقاش لمدة طويلة".

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.