زلازل يضرب تركيا
الكارثة أودت بحياة أكثر من 50 ألف شخص (أرشيف)

في مثل هذا اليوم (السادس من فبراير) قبل عام، شهدت تركيا واحدة من أكبر آلام القرن.. زلزالان بقوة 7 درجات ونصف وبفارق 8 ساعات بين الأول (فجرا) والثاني (ظهرا)، حيث كانا كفيلين بتسوية 11 مدينة بالأرض، وإيقاف نبض السكان فيها وتحويل جميع معالمها إلى أطلال.

وتسبب الزلزالان وما تبعهما من هزات ارتدادية كانت في معظمها بدرجات قوية، بمقتل 53 ألفا و537 شخصا، حسب الإحصائيات الرسمية، بينما أصيب أكثر من 100 ألف تحت آلاف المباني التي انهارت كالورق، في حين لا يزال هناك عشرات المفقودين. 

ولم تقف حدود الكارثة عند الأرواح فحسب، بل كان لها وجه مأساوي آخر داخل الخيام والبيوت مسبقة الصنع، وذلك رغم الوعود والإعلانات والتصريحات المتعلقة بإعادة إعمار المباني وتسليم مفاتيحها للمتضريين. 

زلزال فبراير أحدث دمارا هائلا في تركيا - صورة أرشيفية
بعد عام على زلزل تركيا المدمر.. عائلات حزينة بانتظار معرفة مصير أبنائها
رغم مرور عام على فاجعة الزلزال المدمر الذي ضرب أجزاء شاسعة من تركيا، فما زالت الكثير من العائلات بانتظار العثور على جثث الأحباء الذين قضوا تحت الأنقاض، وذلك ليتنسى لهم دفنهم في قبور يمكن زيارتها وسكب عبرات الحزن عليها.

وتعتبر عملية إعادة إعمار مناطق الزلزال من أكثر القضايا أهمية وإثارة عندما تتجه أنظار المواطنين وغيرهم إلى جنوبي البلاد، حيث كان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ومسؤولين في المعارضة، قد أطلقوا الكثير من الوعود بعد أيام من حلول الكارثة. 

ويتخذون الآن بعد عام كامل ذات الخطوة، حيث من المقرر أن يجري إردوغان جولة في كهرمان مرعش، مركز الكارثة، الثلاثاء، ويكشف عما أنجزته وزارة البيئة والتحضر العمراني، على صعيد المباني المشيدة حديثا، وما قد يتم إنجازه في المرحلة المقبلة و"في غضون عام"، كما كان الوعد سابقا. 

"العملية بالأرقام"

وتوضح الأرقام الحكومية الرسمية أن آثار زلازل 6 فبراير، شملت 124 قضاء و6 آلاف و929 قرية ضمن 11 ولاية تركية في الجنوب، بينما بلغ عدد المتضررين منه 14 مليون شخص في تركيا وحدها.

وتشير الأرقام الصادرة عن "رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ" (آفاد) إلى أن الزلازل ضربت مساحة قدرها 120 ألف متر مربع، وأنه خلال الأشهر الـ12 الماضية تم انتشال 91 بالمئة من أنقاض المباني المهدمة. 

وبالنسبة للمنكوبين، نصبت الحكومة، وفق أرقامها، 645 ألف خيمة لهم، وبنت 215 ألفا و224 منزلا مسبق الصنع. وفي ذات الوقت، يستمر بناء 307 آلاف وحدة سكنية في مراكز المدن والقرى المتضررة.

وبالعودة إلى الوراء قبل عام، وعند مقارنة الوعود الرسمية آنذاك وما تم تنفيذه على الأرض في الوقت الحالي، فيبدو أن جهود إعادة الإعمار تسير ببطء شديد وأقل مما كان متوقعا ومعلنا. 

وفي خطاب ألقاه الرئيس التركي في 31 مارس 2023، قال: "سنبني ما مجموعه 650 ألف منزل جديد، ومنها 319 ألف منها في غضون عام واحد".

واتجه وزير البيئة والتحضر، محمد أوز حسكي، إلى ما هو أبعد من ذلك، بعد 6 أشهر، حيث وعد في سبتمبر 2023 بـ"إجمالي 850 ألف وحدة سكنية".

لكن مع حلول فبراير الحالي، لم يعلن الرئيس التركي سوى عن تسليم 46 ألف وحدة سكنية في منطقة الزلزال، وهو رقم يخالف وعد 319 ألف في غضون عام واحد. 

وفي حين قال إن الحكومة ستقوم تدريجيا بتسليم 40 ألف منزل قيد الإنشاء حاليا في المنطقة إلى أصحاب الحقوق، أضاف: "بمشيئة الله سننتهي من تسليم 75 ألف منزل في جميع أنحاء منطقة الزلزال في غضون شهرين".

"مساران للإعمار" 

وقبل زلزال فبراير، كانت الولايات التركية الـ11 والتي يقيم فيها حوالي 14 مليون نسمة، تشكّل 9.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات معهد الإحصاء التركي (TUIK).

ووفقا لتقرير تقييم ما بعد الزلزال الذي أعدته "مديرية الاستراتيجية والميزانية" التابعة لرئاسة الجمهورية (SBB)، تصل الأضرار المالية الناجمة عن الكارثة إلى 2 تريليون ليرة تركية. 

وتشكل الأضرار التي لحقت بالمساكن وحدها 54.9 في المئة من إجمالي التكاليف الناجمة عن الكارثة.

وتمثل هذه التكلفة 5 بالمئة من الدخل القومي لتركيا في عام 2023، ومن أجل التعويض يجب توفير تمويل بقيمة 40 مليار دولار  أميركي بحلول العام 2026، وفق ذات الجهة الرسمية.

ورغم أن كهرمان مرعش كانت مركز الزلزال، فقد تم تسجيل أكبر الأضرار التي خلفتها الكارثة على مستوى الأرواح والمباني المدمرة في مدينة أنطاكيا بولاية هاتاي.

وقبل عام وبعد حلول الكارثة، كان من الصعب التنقل بين أحيائها وشوارعها نظرا لنسبة الدمار الكبير الذي جعل أبنية بكاملها مطبقة على بعضها البعض.

والآن بعد إزالة الأنقاض وفي الذكرى الأولى للكارثة، تبدو المدينة وكأنها أرض سهلية وعليها أبنية متفرقة هنا وهناك، وفق صحفيين تحدثوا لموقع "الحرة". 

وقال هشام جوناي، المقيم في أنطاكيا، إن عملية إعادة الإعمار في المدينة "تتم بمسارين، الأول عن طريق الحكومة ببناء وحدات سكنية، والثاني عبر أصحابها الأصليين بأنفسهم". 

ومع ذلك تحدث لموقع "الحرة" عن "إشكالية كبيرة تتعلق بالشروط التي فرضتها الحكومة على من يريد أن يبني منزلا بنفسه".

وتخصص الحكومة قرضا للأشخاص الذين يرغبون بإعادة البناء، لكن الأموال لا تذهب إليهم مباشرة بل للمتعهد والمقاول، حسبما يوضح جوناي. 

"الصدمة كبيرة" 

وما زال الكثير من السكان الذين بقوا على قيد الحياة، يعيشون في المناطق التي ضربها الزلزال، وهناك قسم آخر منهم يذهب إلى المدن الكبرى، كما يقول مصطفى أوزبك، عضو مجلس إدارة "هيئة الإغاثة الإنسانية" التركية (ıhh). 

وأوضح أوزبك أن "هناك عملا جادا على الإسكان في مناطق الزلازل"، مضيفا: "حتى هذا الأسبوع تم تسليم حوالي 45 ألف منزل ومن المتوقع أن يرتفع العددإلى 75 ألفا خلال أشهر قليلة".

وبحسب دراسات تقييم الأضرار التي أجريت في 11 ولاية تعرض إجمالي 850 ألف قسم مستقل، بما في ذلك 680 ألف مسكن و170 ألف مكان عمل لأضرار بالغة وأصبحت غير صالحة للاستخدام، وفق أوزبك. 

وأضاف عضو هيئة الإغاثة الإنسانية ومسؤولها الإعلامي لموقع "الحرة"، أنه تم تحديد متوسط تكلفة "كارثة القرن" بـ104 مليار دولار.. وليس من السهل التغلب على مثل هذه الصدمة الكبيرة".

ونبه إلى أن "الأمر سيستغرق بعض الوقت للتغلب على هذه الصدمة"، وأنه "مع بناء المنازل وتأسيس حياة جديدة، ستصل العملية إلى نقطة أفضل". 

وأوضح الصحفي جوناي الموجود في أنطاكيا، أنه وبعد عام من الكارثة "لا يزال مئات الآلاف من السكان المنكوبين بحاجة الحصول على مأوى".

ورغم وجود حاويات مسبقة الصنع، فإنها تتركز وتم تخصيصها فقط لسكان المدن.

في المقابل، لفت الصحفي التركي إلى أن "سكان القرى - وبينهم أقاربي - يعيشون تحت الخيام ولم يستلموا أية حاويات سكنية". 

"الكثير من الأشياء الناقصة" 

وكانت وزارة الداخلية التركية قد أعلنت بعد شهرين من حلول الكارثة، في أبريل 2023، عن إنشاء مدن الخيام في 345 نقطة ومدن الحاويات في 305 نقاط.

وذكرت في بيان، حينها، أن عدد الأشخاص الذين لجأوا إلى هذه الخيام بلغ "2626212" شخصا، بينما أشارت إلى أن عدد الأشخاص الذين تم إيواؤهم في الحاويات بلغ "87718 "شخصا. 

وقال إردوغان مطلع فبراير الجاري، إنه "تم إرسال مليون خيمة إلى منطقة الزلزال، وإنشاء أكثر من 215 ألف حاوية، وتقديم المساعدة في الإيجار إلى 349 ألف أسرة، وتم دفع مدفوعات النقل والدعم".

وقال عضو هيئة الإغاثة التركية أوزبك، إنه رغم الوعود بتسليم 200 ألف منزل للمتضررين في نهاية العام، "لا يزال الناس يعيشون في مخيمات الحاويات". 

وأردف: "من الصعب بعض الشيء وضع خطط كاملة وبشكل منظم على الميدان، لأن المساحة المتضررة كبيرة جدا".

ومع ذلك، أضاف أن "الدولة مستمرة في بناء المنازل بكل قوتها، حيث سيتم تسليم 45 ألف منزل هذا الأسبوع، وبعد شهرين سيتم تسليم 75 ألف منزل". 

ونوه أوزبك إلى أنه وضمن نطاق أعمال التطوير والبناء التي تنفذها حاليا في المنطقة وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي، يعمل 110 آلاف و450 موظفا في 930 موقع بناء في 11 مدينة. 

لكن من جانبه، تحدث الصحفي جوناي عن "الكثير من الأشياء الناقصة"، في أنطاكيا بالتحديد، المتضررة على نحو كبير. 

وفي هذا الصدد، قال إن الحاويات مسبقة الصنع والمنتشرة على ضفاف نهر العاصي وطريق أنطاكيا، "تخترقها المياه عند كل ظرف جوي سيء يحل على المنطقة". 

وأضاف أن المدارس لا تزال مدمرة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالبنى التحتية والمستشفيات التي لا تزال تعاني من الضغط الكبير الذي خلفته الكارثة قبل عام.

وتوقع جوناي أن "تستمر المعاناة في السنوات المقبلة"، معتبرا أن ثمة "توظيف للوضع الإنساني" بدا واضحا في ملف انتخابات البلديات المقبلة.

الناشطة هويدا عراف من على متن إحدى سفن "أسطول الحرية"
الناشطة هويدا عراف من على متن إحدى سفن "أسطول الحرية"

تستعد ثلاث سفن على الأقل للإبحار من تركيا إلى غزة في الأيام المقبلة، "في مهمة تهدف إلى اختراق الحصار البحري الإسرائيلي وتسليط الضوء على نقص المساعدات التي تصل إلى الفلسطينيين في القطاع المحاصر"، وفق صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وسوف تتألف القافلة وهي ضمن أسطول دولي من ثلاث سفن، ستحمل اثنتان منها مساعدات إنسانية بينما ستحمل الثالثة آلاف الركاب بما في ذلك عمال الإغاثة والصحفيين، وفقا لرويترز.

ويحظى هذا التحالف الدولي تحت مسمى "أسطول الحرية" الذي شكلته منظمات مجتمع مدني من 12 دولة باهتمام عالمي منذ عام 2010، بعد أن تعرض ناشطون وصحفيون كانوا على متن السفينة "مافي مرمرة (أسطول الحرية1)" التي شقت طريقها من تركيا عبر البحر المتوسط لإيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة المحاصر للاشتباك مع قوات خاصة إسرائيلية، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 10 آخرين، وتسبب في أزمة دبلوماسية بين تركيا وإسرائيل.

وتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أن مهمة الأسطول الذي يشمل سفينة شحن تحمل أكثر من خمسة آلاف طن من المساعدات، "تأتي مع تراجع الاهتمام العالمي بالأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، وتحوله إلى الصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران". 

وكان من المقرر أن تنطلق القافلة، الأحد، لكن الحساسيات التركية دفعت المنظمين إلى التحوط بشأن الموعد.

ونقلت الصحيفة عن واحدة من قائدة المنظمين للحملة، آن رايت" وهي ضابطة أميركية متقاعدة ودبلوماسية سابقة استقالت من منصبها في وزارة الخارجية احتجاجا على تدخل الولايات المتحدة في العراق 2003، أن "سفينة أسطول الحرية تحت رحمة سلطات الموانئ في تركيا"، مضيفة أن المهمة جاهزة للانطلاق. 

وقال رايت إن "أسطول الحرية" سيشمل سفينة شحن تحمل مساعدات غذائية ومياه وسيارات إسعاف وإمدادات طبية بما في ذلك مواد التخدير، مضيفة "ما نفعله ليس كافيا لكننا نحاول وقف المجاعة". 

وفي مؤتمر صحفي الجمعة على متن إحدى السفن، قالت محامية حقوق الإنسان الفلسطينية الأميركية هويدا عراف إن "حكوماتنا لم تفعل شيئا حتى الآن ولكننا ندعوها إلى البدء الآن لتفعيل التزاماتها الخاصة بموجب القانون الدولي، ومطالبة إسرائيل بالسماح بمرور أسطول السفن بشكل آمن إلى غزة". 

وقالت صحيفة واشنطن بوست إن الجيش الإسرائيلي لم يرد على طلب للتعليق بشأن "أسطول الحرية".

وقالت القناة الـ12 الإسرائيلية، السبت، إن هناك "استعدادات أمنية تجري في إسرائيل للتدريب على كيفية الاستيلاء على القافلة".

وأشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن من ضمن المشاركين في التحالف المسؤول عن القافلة منظمة خيرية إسلامية تركية تدعى "آي أتش أتش" تم تصنيفها في إسرائيل منظمة "إرهابية". ونفت المنظمة أي علاقة لها بالإرهاب. 

وتأتي هذه المبادرة بينما يعاني قطاع غزة من أزمة إنسانية قال مسؤلون دوليون إنها قد تسبب مجاعة.

والأسبوع الماضي، قال منسق الشؤون الانسانية للامم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، أندريا دي دومينيكو، في مؤتمر صحفي إن الأزمة الإنسانية في قطاع غزة "من صنع الإنسان بالكامل ويمكن منعها".