النقاش بشأن دستور جديد للبلاد يتجدد في تركيا
النقاش بشأن دستور جديد للبلاد يتجدد في تركيا

ما إن يخفت الحديث عنها حتى تعود قضية "الدستور الجديد" لتركيا إلى الواجهة في البلاد، ورغم أن جميع التجارب التي اختبرها الحزب الحاكم في الفترات الأخيرة لم تسفر عن نتائج على صعيد الكتابة، ينظر خبراء ومراقبون لمساعيه الآن من زاوية جديدة تشوبها "أهداف كامنة".

وفي أولى خطواته المتعلقة بمحادثات "الدستور الجديد" التقى رئيس البرلمان التركي، نعمان قورتولموش، بزعيم حزب "الشعب الجمهوري" المعارضة، أوزغور أوزيل، الثلاثاء، وقال إنه سيتبع ذات الخطوة مع بقية الأحزاب، في الأيام المقبلة.

قورتولموش، أضاف حسبما نقلت وسائل إعلام، أنه يأمل أن "يتلقى آراء الأحزاب السياسية بشأن كتابة الدستور الجديد في نهاية مايو 2024"، مردفا: "وربما في الصيف تنضج جميع المقترحات، وتبدأ بيئة التفاوض عندما يفتتح البرلمان أعماله".

وبدوره، أوضح أوزيل الذي خرج حزبه منتصرا في انتخابات البلديات الأخيرة أنه "يجب أن نزن موقع الدستور الجديد في مطالب المجتمع". وشدد على فكره بقوله: "وإذا أردنا الالتزام بالدستور فلنغيره".

ومن المقرر أن يلتقي زعيم أكبر أحزاب المعارضة (أوزيل)، الأربعاء، مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وذكرت وسائل إعلام بينها موقع "خبر تورك" أن قضية كتابة الدستور الجديد ستهيمن على محاور النقاش.

وسيكون ذلك اللقاء الأول الذي يجمع قطبي المعارضة والحكومة في تركيا على طاولة واحدة.

ويأتي بعد شهر من إسدال الستار عن انتخابات البلديات، بفوز ساحق حققته المعارضة في البلاد، في مقابل هزيمة تلقاها الحزب الحاكم (العدالة والتنمية)، في مدن وولايات لم تكن متوقعة.

أسباب إعادة تصدير "الدستور الجديد"

ومنذ وصول حزب "العدالة والتنمية" لسدة الحكم، ظل قادته يؤكدون ضرورة تغيير الدستور العسكري (1982)، والعمل على تعديلات جذرية فيه.

والتزم الرئيس إردوغان بهذا المسار أكثر من مرة، قبل فترة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023، وحتى خلال التحضيرات الخاصة بالانتخابات المحلية الأخيرة، التي تم تنظيمها في 31 مارس.

ودائما ما كان إردوغان يؤكد على "ضرورة التخلص من إرث الانقلابات"، على حد تعبيره.

وأضاف في إحدى التصريحات: "سيجد كل مواطن تركي نفسه ضمن الدستور الجديد الذي نطمح إلى صياغته"، وأيده بذات الفكرة حليفه زعيم حزب "الحركة القومية"، دولت باهتشلي، معتبرا في موقف سابق أن "الدستور الانقلابي لا يليق بتركيا، والآن هو وقت (التغيير)".

لكن ورغم الدفع المعلن حكوميا للشروع بأولى خطوات هذه القضية لطالما بقيت رهينة الوقت والموقف المضاد، المتعلق ببقية الأحزاب في البلاد، وخاصة المعارضة منها.

وبينما تقول الصحفية التركية، ديلارا أصلان، وهي مديرة مكتب "ديلي صباح" في أنقرة إنه "لا يوجد اختلاف جوهري في موقف الأحزاب من قضية الدستور الجديد" ترى أن سبب طرحها على جدول الأعمال مرة أخرى يرتبط بمحاولة من جانب الحزب الحاكم.

ويسعى "العدالة والتنمية"، كما تضيف أصلان لموقع "الحرة"، إلى "زيادة شعبيته من خلال النجاح في مثل هذه الخطوة التاريخية، بعد أن تعرض لخسارة فادحة في الانتخابات البلدية التي جرت الشهر الماضي".

وعلاوة على ذلك، فإن "النجاح في إحراز تقدم في وضع دستور للقرن الثاني لتركيا سيكون بمثابة إرث سيتركه الرئيس إردوغان وحزبه للبلاد"، وفق الصحفية التركية.

ويشير الباحث السياسي التركي، هشام جوناي، إلى وجود تباين في الآراء فيما يتعلق بمواقف الأحزاب السياسية من صياغة دستور جديد للبلاد.

وبدا ذلك الثلاثاء خلال حديث زعيم "الشعب الجمهوري" المعارض، أوزغور، بعد لقائه رئيس البرلمان قورتولموش. 

ويريد "العدالة والتنمية"، حسب ما يوضح جوناي لموقع "الحرة": "إدماج بعض المواد التي يعترض عليها الشعب الجمهوري، الخاصة بالقيود المفروضة على المثليين وحرية اختيار الميول الجنسية".

إضافة إلى بنود أخرى تتعلق بـ"حقوق المرأة والإنسان"، التي من المفترض أن تقرّها تركيا بموجب الانضمام للاتحاد الأوروبي.

ويرى جوناي أن هذه الخلافات "أساسية ورئيسية"، ويضاف إليها أمور متعلقة بالعلمانية والمواد الأربعة الثابتة في الدستور الحالي.

"القضية مسيسة"

وعلى مدى الأعوام الماضية دائما ما كانت المعارضة مترددة، وفي بعض الأحيان، معادية بشكل صريح لمحاولات وضع دستور جديد. وكانت الأسباب في معظمها سياسية.

وبينما كانوا يؤكدون على رفض "فرض" الدستور عليهم من قبل الحكومة، أشار إردوغان في أكثر من مناسبة إلى أنهم يريدون التشاور مع الأحزاب الأخرى، قبل البدء في العمل.

وسبق أن أجريت تعديلات عدة على الدستور الحالي في فترات زمنية، أبرزها في عامي 2007 و2010، وصولا إلى الاستفتاء الكبير على تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي عام 2017.

وتوضح الصحفية أصلان أن جميع الأطراف في تركيا تتفق على الحاجة إلى دستور جديد.

ويأتي ذلك من منطلق أن الدستور الحالي تمت صياغته بعد الانقلاب، وبالتالي فهو "صارم للغاية في العديد من المصطلحات وبعيدا عن أن يكون تحرريا".

لكن "قضية الدستور الجديد تبدو مسيسة إلى حد كبير في تركيا"، وفق حديثها.

وتشرح أن الحزب الحاكم يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية، في حين أن المعارضة الرئيسية لا ترغب في دعم مشروع "العدالة والتنمية" بشكل علني، وهو ما يقودنا إلى طريق مسدود.

ويدعو الرئيس إردوغان إلى أن تكون المبادئ الأساسية للدستور الجديد "مدنية" و"تحررية" و"شاملة" و"تمكينية" للسياسات الاجتماعية.

ومع ذلك، تشكك الأحزاب المعارضة في نية الحزب الحاكم، بسبب الإجراءات الحالية، مثل عدم تطبيق قرارات "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، والضغط على حزب "الحركة الديمقراطية" الكردي، فضلا عن قضية "الوصي"، وفق أصلان.

ويستبعد الباحث جوناي أن تصل الحوارات الحالية الخاصة بـ"الدستور الجديد" إلى نتائج ملموسة.

ويعتقد أن "العدالة والتنمية" وحليفه القومي كان بإمكانهما تغيير الدستور في الماضي، لكنهما لم يفعلا ذلك لأنه "كان يعطيهما حقوقا واسعة ليسا بصدد الاستغناء عنها".

وبعد انتخابات البلدية اتضح أن هناك تصاعدا لأصوات حزب "الشعب الجمهوري".

وعلى أساس ذلك يعتبر الباحث أن "إعادة تصدير الحديث عن الدستور الجديد يرتبط بمساعي العدالة والتنمية لدغدغة المشاعر القومية والدينية لدى الشعب".

ويرجح أيضا أن يكون فتح النقاش من جديد "محاولة لقطع الطريق أمام الصعود الملحوظ لحزب الشعب الجمهوري" المعارض.

"على طاولة إردوغان وأوزيل"

وبحسب ما نقلت وسائل إعلام تركية الثلاثاء فإن إردوغان سيثير في اجتماعه مع أوزيل، الأربعاء، قضية "الدستور الجديد"، ومن المتوقع أن يركز الأخير على المشاكل الاقتصادية والسياسة الخارجية و"الأزمة القضائية".

وقال كبير مستشاري الرئيس التركي، نائب رئيس مجلس السياسات القضائية الرئاسية، محمد أوكوم، الأحد، إن "الحفاظ على نظام الرئاسة التنفيذية واستمرار قاعدة 50 بالمئة + 1 ضرورة لمكاسب النضال الديمقراطي الشعبي".

وتعني قاعدة 50 بالمئة + 1 أن المرشح الرئاسي يجب أن يحصل على أكثر من 50 بالمئة من الأصوات الصحيحة للفوز في الانتخابات، وهو ما تم تطبيقه بعد التحول إلى النظام الرئاسي، وقاد السياسة إلى تشكيل تحالفات.

ومع ذلك، قبل الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي، طرح الرئيس التركي فكرة إجراء تعديل دستوري لتغيير هذا المطلب.

وأما بالنسبة لما يستلزمه الإصلاح الدستوري، فقال أوكوم إن المواد الثلاثة الأولى من الدستور الحالي "لا غنى عنها" بالنسبة لحزب "العدالة والتنمية".

وتنص المواد الثلاثة الأولى من الدستور على أن تركيا جمهورية؛ دولة ديمقراطية وعلمانية واجتماعية تحكمها سيادة القانون وتحترم حقوق الإنسان وتكون مخلصة لقومية المؤسس مصطفى كمال أتاتورك؛ وكيانا لا يتجزأ ولغته تركية.

وفيما يتعلق بالمبادئ الرئيسية للدستور الجديد، قدم أوكوم اقتراحات لدستور يكون "مدنيا" و"تحرريا" و"شاملا" في تعريف المواطنة و"حاميا" للموارد الطبيعية".

"الاتفاق ليس سهلا"

وترى الصحفية أصلان أن السؤال المطروح الآن هو : هل يريد حزب "العدالة والتنمية" إدارة عملية تنقذ تركيا من الدستور الانقلابي الحالي؟ أم أنه يريد استعادة السلطة المفقودة بعد الانتخابات المحلية من خلال مناقشات دستورية جديدة؟ 

ومن الممكن أن تستمر المناقشات بينه وبين "الشعب الجمهوري".

وقد تعقد الاجتماعات وبعدها ستحدد الأطراف موقفها الرئيسي وحساسياتها، ومن ثم يمكن تشكيل لجنة مشتركة لاتخاذ الخطوة التالية.

ومع ذلك توضح الصحفية أنه "وعندما ننظر إلى الحسابات في البرلمان، يمكننا أن نرى أن العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية ليسا كافيين وحدهما لإجراء مثل هذا التغيير".

وبالتالي، سيسعى الحزب للحصول على الدعم من أحزاب مثل حزب "الجيد"، و"هدى بار"، و"الشعب الجمهوري"، وحتى من نواب "دواء" وحزب "المستقبل".

وبينما تقول كل من الحكومة والمعارضة إنه يجب تغيير الدستور، فإن طرح هذه القضية باستمرار على جدول الأعمال دون تقدم، يظهر أن "الاتفاق ليس سهلا"، حسب أصلان.

وتربط السبب باحتمالين: "إما لأن الأحزاب ليست صادقة للغاية أو لأن الجميع يعمل لتحقيق أقصى قدر من مصالحه الخاصة".

تركيا
خروج تركيا من "القائمة الرمادية" من شأنه أن يشير إلى تحسن الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الجريمة

قبل عامين ونصف وضعت مجموعة العمل المالية (غافي) تركيا على "اللائحة الرمادية" بسبب "قصور في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب"، ويتوقع مسؤولون أتراك الآن أن تتخذ ذات الجهة إجراء معاكسا نهاية شهر يونيو، بعد سلسلة إجراءات اتخذت من جانبهم خلال الفترة الأخيرة.

فما الذي يعنيه خروج تركيا من "اللائحة الرمادية" إن اتخذ القرار بالفعل؟ وما الآثار التي خلفتها "ندوب" التصنيف الأول "غير العادل" حسب رواية أنقرة؟ وماذا تغيّر بين الشوطين؟

ومن المقرر حسبما ذكرت وسائل إعلام تركية الأربعاء أن يتوجه وزير المالية، محمد شيمشك إلى سنغافورة نهاية الشهر الحالي لحضور اجتماع "غافي"، ونقلت صحيفة "دنيا" قبل أيام قوله إنهم أكملوا الدراسات الفنية مع مجموعة العمل المالية لإزالة بلادهم من التصنيف.

وقبل شيمشك اعتبر وزير الداخلية، علي يرلي كايا، مارس 2024، أن "الخروج من اللائحة له أهمية كبيرة لاقتصاد بلادنا"، وفي حين أشار إلى أنهم قطعوا "شوطا طويلا" مع وزارة المالية بشأن العمل على هذه القضية أكد أنهم يتوقعون "إزالة التصنيف في يونيو 2024".

وجاء في تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، في 30 مايو الماضي، أن الزيارة الأخيرة التي أجرتها مجموعة العمل المالية إلى تركيا "تشير إلى تقدم كبير لخروج البلاد من اللائحة الرمادية". 

وبينما أوضحت أنه "سيتم اتخاذ القرار النهائي في الجلسة العامة في 28 من يونيو الحالي" تشير المعلومات المتاحة على الموقع الرسمي لـ"غافي" إلى أن القرار يجب أن تدعمه الأغلبية المؤهلة من الأعضاء.

وتضم المجموعة ما يقل قليلا عن 40 عضوا، بعضهم يتمتع بنفوذ أكبر من البعض الآخر، وبخلاف الحصول على الأغلبية قد تستغرق عملية إزالة التصنيف وقتا أطول، وفق الموقع الرسمي للمجموعة المالية.

لماذا وضعت تركيا على اللائحة؟

تعمل مجموعة العمل المالي على مراقبة ومعالجة أوجه القصور في أنظمة الدول لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح.

ووفقا للتعريف الموجود على موقعها الرسمي فإن إجراء وضع دولة ما على "القائمة الرمادية" الخاصة بها يعتمد على وجود قصور من جانبها في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وكان الإجراء المتخذ بحق تركيا قد أعلن عنه في أكتوبر 2021، على أساس أن لديها قصورا في منع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ونتيجة للتقييمات التي أجريت العام الماضي تقرر الاستمرار في التصنيف.

وفي الاجتماع الذي أُعلن فيه عن إدراج تركيا، صرح رئيس مجموعة العمل المالي ماركوس بليير بأنه يتعين على تركيا وضع لوائح تنظيمية في القطاعات عالية المخاطر، مثل البنوك والذهب والأحجار الكريمة وقطاع العقارات.

وقال في كلمته: "يجب على تركيا مراقبة حالات غسيل الأموال والتحويلات المالية المرتبطة بالجماعات المعترف بها كإرهابية من قبل الأمم المتحدة، مثل القاعدة وداعش".

وتابع حديثه في 2021: "ويجب على تركيا أن تظهر أنها تتخذ خطوات لمنع غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب ومكافحة الشبكات الإجرامية. لقد قطعت الحكومة التركية تعهدات سياسية رفيعة المستوى لاتخاذ الخطوات اللازمة، وأنا أدعوها إلى تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة".

"نقطة تحوّل"

بعد فوز الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان بالانتخابات الرئاسية في مايو 2023 غيّر معظم الوجوه في حكومته السابقة، وكان لافتا منذ تلك الفترة سلسلة الإجراءات التي اتخذت مسارين بالتوازي. 

وقاد الاتجاه الأول وزير الداخلية علي يرلي كايا والثاني وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك الذي تسلم فريقا اقتصاديا انقلب على كل السياسات الاقتصادية التي خيّمت تداعياتها السلببة على مشهد البلاد، لأكثر من عامين.

على عكس سلفه سليمان صويلو فرض يرلي كايا ووزارته واقعا أمنيا جديدا في داخل البلاد، وتمثل بالبدء بحملة واسعة النطاق استهدفت شبكات "المافيا" والفساد. وما تزال مستمرة حتى الآن.

بين يوم وآخر ومنذ تسلمه منصب وزير الداخلية كان يرلي كايا ينشر عبر حسابه في موقع التواصل "إكس" نتائج الحملات التي تنفذها السلطات ضد تلك الشبكات. ووصل مؤخرا إلى حد الإعلان عن إحباط شبكات واعتقال شخصيات ضالعة في عمليات تمويل منظمات إرهابية، بينها تنظيم داعش. 

في المقابل اتبع شيمشك والفريق الاقتصادي الذي يتألف من نائب إردوغان جودت يلماز ومحافظ المصرف المركزي سياسة خالفت تلك التي اتبعها الرئيس التركي، واعتبر خبراء اقتصاد أنها خلفت آثارا سلبية على صعيد عملة البلاد واقتصادها.

وبالتدريج بدأ برفع أسعار الفائدة واتخاذ قرارات تصب في مجملها في نطاق تشجيع الاستثمار في البلاد وتحسين صورة البلاد الاقتصادية، أملا بإعادتها على سلم الأولويات للكثير من أصحاب المشاريع والتنمية، وبهدف خفض معدلات التضخم الكبيرة إلى "فئة الآحاد".

ولأكثر من مرة كان وزير المالية التركي يشير إلى أن توقعاتهم بشأن شطب تركيا من "اللائحة الرمادية" تتوافق مع المسار القائم بالتوازي من جانب وزارة الداخلية التركية.

وكان لافتا أن الحملة التي فرضها يرلي كايا لم يسبق وأن شهدتها البلاد بذات الحدة، سواء على صعيد رؤوس المافيا الكبار أو ضد مصادر التمويل التي كانت تغذي بصورة غير مباشرة منظمات تعتبرها الكثير من الدول "إرهابية".

"إصلاحات اقتصادية كبيرة"

"الخروج المتوقع من القائمة الرمادية" يرتبط بجهد تعاوني بين وزارة المالية التركية ووزارة الداخلية، كما يرى الباحث الاقتصادي في مركز "سيتا" التركي، دينيز استقبال.
وبينما ركزت وزارة المالية على تعزيز الأنظمة المالية وزيادة الشفافية وتحسين الالتزام بالمعايير المالية الدولية عملت وزارة الداخلية على تعزيز تدابير إنفاذ القانون، وفق استقبال.

كما عملت حسب قوله لموقع "الحرة" على تحسين عمليات التحقيق وضمان التنفيذ الفعال لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو "نهج ساعد في تلبية المتطلبات التي حددتها الهيئات الدولية، مثل (غافي)".

ويعتقد الباحث التركي أن خروج تركيا من "القائمة الرمادية" من شأنه أن يشير إلى تحسن الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الجريمة، ومن المرجح أن يعزز سمعتها الاقتصادية ويجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي.

وقد يتطلب الوصول إلى هذه المرحلة إجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة وجهود مشتركة بين وزارتي الداخلية والمالية لتعزيز الأطر التنظيمية.

إضافة إلى تحسين الرقابة المالية وإنفاذ تدابير مكافحة غسل الأموال، بحسب الباحث استقبال.

ما آثار التصنيف والشطب؟

ويقلل وجود تركيا في "القائمة الرمادية" من اهتمام الاستثمار الأجنبي بالاقتصاد التركي، الذي يحتاج بشدة إلى التمويل الخارجي، ويعتبر من العوامل التي تؤثر سلبا على التجارة الخارجية وحصص السوق، وفق الخبراء الذين تحدثوا لـ"الحرة".

كما يؤدي تصنيف أي دولة ضمن القائمة المذكورة إلى انخفاض التصنيف السيادي الائتماني لها، أي تصنيف سندات الدولة، حسبما يوضح الباحث الاقتصادي، الدكتور مخلص الناظر.

وعلى إثر انخفاض التصنيف السيادي يرتفع مؤشر التخلف عن السداد.

ويعني ذلك وفق حديث الناظر لموقع "الحرة" أن "الدولة وعندما تقترض من الخارج تضطر لدفع فوائد أعلى. وهنا ترتفع فائدة الدين الحكومي ويرتفع معها عجز الموازنة". 

من ناحية أخرى، وفي حال كانت دولة ما مصنفة على القائمة الرمادية فإنها تقوم فعليا بعمليات غسيل أموال، وبالتالي يمكن أن تتعرض لعقوبات غربية، وتصبح الشركات العاملة فيها تحت نظر "الخزانة الأميركية".

الباحث الناظر يشير إلى أن العقوبات تسيء إلى بيئة الاستثمار، وتبعد الاستثمار الأجنبي وتمنعه من الدخول إلى الدولة.

ويوضح أن شطب التصنيف وإخراج تركيا من "القائمة الرمادية" سيؤدي إلى الاستثمار المباشر. 

ومع ذلك، يؤكد أنه وبما أن نسبة الفائدة مرتفعة في تركيا وعند حدود 50 بالمئة ستظل إمكانية الاستثمار المباشر صعبة إلى حد ما.

ويجب أن تنخفض الفائدة لكي يدخل الاستثمار المباشر وتتفتح الناس مشاريع من تلقاء نفسها، وفق حديث الباحث.

ويتابع من جانب آخر أن "التحسن وفي حال رفع تركيا من القائمة الرمادية سيكون على صعيد الأموال التي ستدخل إلى السندات التركية وودائع البنوك"، وبمعنى آخر "مزيد من تدفق الأموال الساخنة إلى البلاد، على أن يدخل الاستثمار المباشر في مرحلة لاحقة وعندما تنخفض الفائدة".