شكل الموقف الصادر عن وزارة الخارجية اللبنانية، والذي ندد بالاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانية، موضع انقسام حاد بين الأحزاب السياسية في الدولة، على اعتبار أنه "لا يعبر عن رأي جميع اللبنانيين" و "لا يراعي مصلحتهم"، ويخالف مبدأ "النأي بالنفس" الذي يسعى لبنان لانتهاجه في مقاربة الصراعات الدولية والإقليمية، وفق ما عبر عنه المعترضون على البيان.
وسرعان ما تحول لبنان، الذي يتداعى تحت وطأة أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المستعصية، إلى واحدة من ساحات الصراع الدائر بعيداً عنه في شرق أوروبا، حيث وجدت الانقسامات السياسية بين اللبنانيين، طريقها للتموضع والاصطفاف في الحدث العالمي الجديد، تحرِّكُها الولاءات الإقليمية والمصالح السياسية وحتى الشخصية منها.
وكان لافتاً أن تداعيات البيان لم تقتصر على الجانب الداخلي اللبناني فقط، وإنما أثار أصداءً وردود فعل دولية، بعضها مرحب ومشجع كموقف سفراء فرنسا وألمانيا وأوكرانيا في لبنان، فيما أثار في المقابل انتقادات وإدانات كالتي صدرت عن مسؤولين روس والسفارة الروسية في لبنان.
وكانت خارجية البلاد قد أعلنت أن لبنان "يدين اجتياح الأراضي الأوكرانية، ويدعو روسيا إلى وقف العمليات العسكرية فوراً وسحب قواتها منها، والعودة إلى منطق الحوار والتفاوض كوسيلة أمثل لحلّ النزاع القائم، بما يحفظ سيادة وأمن وهواجس الطرفين، ويسهم في تجنيب شعبي البلدين والقارّة الأوروبية والعالم مآسي الحروب ولوعتها".
وعزت موقف لبنان "لما شهده تاريخه الحديث من اجتياحات عسكرية لأراضيه ألحقت به وبشعبه أفدح الخسائر التي امتد أثرها البالغ لسنوات طويلة على استقراره وازدهاره".
وأكدت الخارجية أن هذا الموقف يأتي "انطلاقا من تمسّك لبنان بالمبادئ الراسخة والناظمة للشرعية الدولية التي ترعى الأمن والسلم الدوليين، وفي طليعتها مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وأمن حدودها، وإيمانًا منه بوجوب حلّ النزاعات كافة التي قد تنشأ بين الدول بالوسائل السلمية، أي عبر التفاوض، ومن خلال آليات الوساطة التي يلحظها القانون الدولي الذي ينبغي أن يبقى الملاذ الأوحد للدول تحت مظلّة الأمم المتّحدة".
١)بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين
— Mofa Lebanon (@Mofalebanon) February 24, 2022
إنطلاقًا من تمسّك لبنان بالمبادئ الراسخة والناظمة للشرعية الدولية التي ترعى الأمن والسلم الدوليين وفي طليعتها مبدأ إحترام سيادة الدول ووحدة اراضيها وأمن حدودها
وإيمانًا منه بوجوب حلّ كافة النزاعات التي قد تنشأ بين الدول بالوسائل السلمية
رد السفارة الروسية
البيان لم يمر مرور الكرام لدى روسيا، التي خصصت اهتماماً إعلامياً واضحاً سلطت فيه الأضواء على البيان اللبناني والردود المستنكرة له داخلياً، كما خاضت معركة تأثير على الرأي العام اللبناني، تمثلت في تخصيص مؤتمر صحفي للسفير الروسي لدى لبنان، ألكسندر روداكوف، شرح فيه وجهة نظر روسيا للحرب على أوكرانيا.
كما ردت السفارة الروسية في بيروت بالقول إن "البيان أثار الدهشة لدينا لمخالفته سياسة النأي بالنفس واتخاذه طرفاً ضدّ طرف آخر في هذه الأحداث، علماً أنّ روسيا لم توفر جهداً في المساهمة بنهوض واستقرار الجمهورية اللبنانية".
كما قامت السفارة الروسية لدى لبنان باستخدام أخبار مغلوطة عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التأثير على الرأي العام اللبناني، كنشرها صور للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حذفت لاحقا، قالت إنها أتت رداً على بيان الخارجية اللبنانية، وتابعت في استثمار الواقعة في سياق التحريض على شخص وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب.
بينما أظهر نشطاء حقيقة تلك الصورة التي جرى تعليقها في وقت سابق لصدور البيان عن الخارجية اللبنانية.
هذه المعلومة غير صحيحة
— محمود غزيّل (@ghazayel) March 1, 2022
تم رفع صورة الرئيس #بوتين قبل نشر موقف وزارة الخارجية اللبنانية من الغزو الروسي لدولة #أوكرانيا
موقع ليبانون ٢٤ ينشر الصورة صباحاًhttps://t.co/ipkzk2c2z3
بيان الخارجية يصدر عصراًhttps://t.co/FgHXM5v46K#FactCheck https://t.co/UDMqlqxLns
إلا أن السفير الروسي في لبنان وخلال مؤتمره الصحفي، قال إنه لا يظن أن بيان الخارجية اللبنانية سوف يؤثر كثيراً على علاقات موسكو ببيروت. وأضاف "في الأيام الصعبة نرى من معنا ومن ضدنا".
المؤتمر الصحفي لسعادة سفير روسيا الاتحادية في الجمهورية اللبنانية السيد ألكسندر روداكوف عن التطورات في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين وأوكرانيا. @Russia_AR https://t.co/Bqta7GpDE6
— Russian Embassy in Lebanon (@rusembleb) February 27, 2022
من جهته ثمّن السفير الأوكراني لدى بيروت، إيهور أوستاش، البيان الصادر عن الخارجية اللبنانية الذي يدين الحرب الروسية في أوكرانيا، وشكر الشعب اللبناني الذي يقف إلى جانب أوكرانيا ويدعمها منذ بدء الحرب.
وقال: "إن قرار الحكومة اللبنانية ليس اعتباطيا، بل جاء نتيجة معاناة لبنان من اجتياحات أدت إلى وقوع ضحايا كثر. كانت بيروت يوما ما كييف، لذا يتفهم اللبنانيون المعاناة الأوكرانية وبيان الخارجية اللبنانية مكتوب بدماء اللبنانيين".
البيان يقسّم لبنان
بيان الخارجية اللبنانية، أعاد طرح ملف إشكالي على الساحة السياسية اللبنانية، ويتمثل في تبني لبنان لسياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية والدولية، تجنباً لانعكاساتها المضرة بمصلحة لبنان السياسية والاقتصادية، لاسيما وأنه يعاني من أسوأ انهيار مالي عرفه في تاريخه، رافقته تداعيات سياسية واجتماعية تهدد سلمه الأهلي ووحدته.
وجاء طرح مبدأ النأي اللبناني، بعد التأثيرات الكبيرة التي طالته نتيجة أحداث إقليمية أحاطت به، كالحرب السورية التي أثارت انقساما داخلياً كبيراً أودى بالبلاد إلى حافة الحرب الأهلية أكثر من مرة، ولاسيما مع انخراط "حزب الله" في تلك الحروب والصراعات الإقليمية التي هددت الأمن اللبناني، من ثم تمدد تدخلاته إلى دول عربية أخرى كالبحرين واليمن تنفيذاً لأجندات إيرانية، عادت على لبنان بتوتر دبلوماسي مع دول الخليج، وأدت به إلى خسائر اقتصادية وعزلة زادت من حدة أزماته.
وانطلاقا من الاصطفافات الإقليمية والحسابات الدولية، أزعج بيان الخارجية اللبنانية "حزب الله"، الذي استثمر في بيان الخارجية اللبنانية ليتحول من مدعو إلى داعٍ للحياد والنأي بالنفس، وقد عبر عن ذلك بوضوح، نائب كتلة "حزب الله" في مجلس النواب اللبناني، إبراهيم الموسوي، عبر موقع تويتر تعقيباً على البيان قال فيها: "ينأون بأنفسهم ويدَّعون الحياد حيث يشاؤون، ويتدخلون ويدينون أيضاً حيث يشاؤون، أمر عجيب غريب"، وسأل "أي سياسة خارجية يتبعها لبنان، وأين مصلحة لبنان في ذلك؟ تفضّل وزير خارجيتنا عبد الله بوحبيب، وأوضِح لنا الأمر".
وكان لافتاً أن الموقف المعترض على بيان الخارجية اللبنانية، جاء عابراً الاصطفافات السياسية التقليدية في لبنان، وإلى جانب حزب الله وحلفائه، كان الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي يتزعمه وليد جنبلاط، معارضاً للبيان أيضاً، وقد عبر عن ذلك وزير التربية، عباس الحلبي، المحسوب على حصة الحزب التقدمي في الحكومة اللبنانية، والذي سأل عبر "تويتر": ألم يكن من مصلحة لبنان أكثر الحياد من أن يأخذ موقفاً منحازاً والدعوة إلى حل الصراع بالطرق السلمية وعن طريق الحوار؟".
من جهته، عبّر رئيس مجلس النواب، وزعيم حركة أمل، نبيه بري، عبر "مصادره" لوسائل إعلام محلية عن عدم علمه بالبيان، متبرّئاً من مضمونه، وهو ما أكد عليه النائب في كتلة التنمية والتحرير، قاسم هاشم، الذي رأى في حديث لموقع "الحرة" أن "مجرد عدم علم الرئاسة الثانية بالبيان يعني أنها غير معنية به وبمضمونه، ولا يعبر عن رأي الحكومة مجتمعة لا سيما بالطريقة التي أخرج بها، والتي تطرح تساؤلات حول ضغوط مورست وتدخلات وإشارات صدرت".
وعلق هاشم على المقاربة في بيان الخارجية اللبنانية حول تشبيه الغزو الروسي بالاجتياحات التي سبق أن تعرض لها لبنان، معتبراً أنه "لا أوجه شبه بتاتاً في الظروف والمعطيات وطبيعة العلاقة القائمة بين روسيا وأوكرانيا وبين ما شهده لبنان"، مشيراً إلى أن "لبنان بغنى عن إقحام نفسه فيما لا يخدم مصلحته الوطنية".
وألمح إلى وجود "مصالح شخصية وخاصة تقف خلف البيان، من أجل استرضاء الولايات المتحدة الأميركية، والرهان على إصلاح بعض العلاقات".
وكانت تقارير صحفية قد تحدثت عن دور لرئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل. في دفع الوزير بوحبيب (المحسوب من حصته الوزارية) لإصدار هذا البيان، وذلك "في سبيل تصحيح العلاقة مع الولايات المتحدة" التي سبق أن أصدرت بحقه عقوبات ووضعته على اللائحة السوداء بسبب "أنشطته الفاسدة".
إلا أن باسيل سرعان ما سارع إلى نفي تلك الاتهامات عبر تغريدة حول قضية العقوبات، وأجرى اتصالاً هاتفياً بالسفير الروسي في لبنان أبلغه فيه أن البيان الصادر عن الخارجية اللبنانية "لا يعبر عن رأينا"، مؤكداً تمسك التيار الوطني الحر بسياسة النأي بالنفس.
وفي هذا الإطار يؤكد النائب في كتلة التيار الوطني الحر، إدي معلوف، أن باسيل "لم يطلع على بيان الخارجية اللبنانية بأي شكل من الأشكال ولم يكن على علم مسبق به مطلقاً"، نافيا علمه بتفاصيل موقف رئاسة الجمهورية بالبيان وطريقة الموافقة عليه.
وفي حديثه مع موقع "الحرة" أشار معلوف إلى أن "موقف التيار الوطني الحر، عبّر عنه الوزير باسيل للسفير الروسي، ولو أراد التيار أن يصدر بياناً بشأن الموقف من الحرب في أوكرانيا سيصدره باسمه بعد اجتماعه".
بين الرئاستين
واستقر تصويب المعترضين على بيان التنديد بالغزو الروسي، على رئاستي الجمهورية والحكومة بالإضافة إلى وزارة الخارجية، لكون القانون اللبناني ينص على أن السياسة الخارجية للبلاد توضع بالاتفاق بين الجهات الثلاث، إلا أن أي موقف رسمي أو توضيحي لم يصدر عن الرئاستين في هذا السياق.
ويرى النائب علي درويش، عضو كتلة الوسط المستقل، المحسوبة على رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، أن "الموقف في النهاية صادر عن وزارة الخارجية، وهي جزء من الحكومة، وهذا الموقف جاء في سياق مبدئي يرفض فيه لبنان اعتداء أي دولة على دولة أخرى، وضد الحروب والصراعات، وكان للبنان تاريخياً عدة مواقف مشابهة في أحداث مماثلة، إنما الموضوع اليوم جرى تحميله أكثر مما يحتمل، ووضعه في سياقات مختلفة عن طابعه المبدئي الذي لم يكن الهدف منه توتير العلاقات مع روسيا".
ويضيف درويش أنه "مما لا شك فيه أن لبنان على علاقة جيدة مع روسيا ويريد المحافظة عليها، إنما اتخذ موقفاً ينسجم مع مبادئه، وقد تفهم الجانب الروسي الأمر رغم امتعاضه، وأكد أن العلاقات بين بيروت وموسكو لن تتأثر بما حصل، وبالتالي يبدو أن الجميع يريد تخطي الأمر".
وحول الحديث عن وجود إملاءات وضغوطات خارجية على رئاسة الحكومة لاتخاذ هذا الموقف من روسيا، يقول درويش: "هذا الكلام تحليلي غير مثبت وغير موفق وغير أكيد، هذا الأمر يمكن استخدامه في السياسة وخاصة في ظل الانقسامات السياسية الداخلية التي يعاني منها لبنان، من هذا المنطلق دخل الأمر في إطار البازار السياسي اللبناني، لكنه في الحقيقة ناتج عن تكهنات وليس أي شيء آخر".
أما لناحية رئاسة الجمهورية اللبنانية، فقد أثير حول موقفها من البيان علامات استفهام كبيرة، تتعلق من جهة باختلافها غير المعهود مع رؤية التيار الوطني الحر وتوجهات رئيسه جبران باسيل.
ويضاف لذلك ما عبر عنه مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الروسية، أمل أبو زيد، والذي غرد عبر تويتر بالقول: "لم تكن وزارة الخارجية اللبنانية مضطرة لإصدار مثل هذا البيان حول روسيا، وكان الأفضل الالتزام بالنأي بالنفس، وحصل تواصل معي من وزارة الخارجية الروسية، وسجلوا عتباً على بيان الخارجية اللبنانية، وستكون لي زيارة إلى موسكو قريباً لعقد اجتماع في الخارجية الروسية وسألتقي السفير الروسي في لبنان خلال أيام".
كما أكد أبو زيد في تصريحات صحفية أن "الجانب الروسي متفهم للضغوط التي تمارس على لبنان، إلا أن مضمون البيان كان يمكن أن يكون مدروساً أكثر، لا سيما لجهة العبارات التي تضمنها، خصوصاً كلمة اجتياح والدعوة إلى الانسحاب".
لا تنصل من البيان
موقع "الحرة" تواصل مع مدير المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية، رفيق شلالا، للاطلاع منه على تفاصيل صدور البيان وموقف رئاسة الجمهورية بعد الحديث عن تنصلها من البيان، إلا أنه فضل عدم التعليق على الأمر، وأحالنا على مقابلة صحفية لوزير الخارجية اللبناني بوحبيب، مع صحيفة "الجمهورية" اللبنانية، والتي اعتبر أنها تتضمن كافة التفاصيل الكافية والوافية لحقيقة ما جرى.
وكان بوحبيب قد سل في حديثه للصحيفة: "هل يمكن أن أتخذ موقفا من هذا النوع على عاتقي الشخصي؟ إن ما صدر عن وزارة الخارجية يعبّر عن موقف الدولة اللبنانية، وتحديدا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إضافة إلى الوزير المختص، وليس صحيحا أن الرئيس ميشال عون تَنصّل منه بل هو اتصل بي وهنّأني وأبدى دعمه لي، وكذلك الرئيس نجيب ميقاتي لم يتنصّل من البيان، ودوري كوزير للخارجية هو أن أعبّر عن الموقف الرسمي الذي تقرر اعتماده في نهاية المطاف".
وشرح بوحبيب أن البيان صدر "دون استشارة أحد من القوى السياسية، ولم يُعرض الأمر على طاولة مجلس الوزراء، لأن تحديد التوجه الرسمي حيال حدث دولي هو بالدرجة الأولى شأنُ رئيسَي الجمهورية والحكومة بالتنسيق مع وزير الخارجية".
وأشار إلى أن "الانقسام الداخلي حول البيان كان متوقعا، بل هو أمر طبيعي في بلد ديمقراطي كلبنان، وبالتالي من حق حزب الله أو رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وغيرهما الاعتراض، ومن واجبنا، في المقابل، أن نقرر تبنّي الموقف الذي نجده متناسباً مع مبادئنا الثابتة والمصالح العليا".
ورأى بوحبيب أن "قاعدة النأي بالنفس متّبعة حصراً على مستوى النزاعات العربية والمحاور الإقليمية، أما على الصعيد الدولي فليس هناك ما يمنع من أن تكون لدينا مواقفنا الواضحة النابعة من ثوابتنا الوطنية والقوانين الدولية، خصوصا فيما يتعلق برفض اجتياح دولة لدولة أخرى، تماماً كما فعلت حكومة الرئيس سليم الحص عام 1990 عندما نددت بالغزو العراقي للكويت"،
وأوضح أنّ المسألة "لا تتعلق بضغط مباشر وإنما القوى الدولية تلجأ في مثل هذه الأوضاع إلى محاولة استقطاب تأييد أكبر عدد ممكن من البلدان، وضمن هذا الإطار تكلّم معنا الأميركيون والفرنسيون والألمان وغيرهم، ونحن في النهاية نقرر ما يناسب مصالحنا".