رحلة مرعبة قضاها المصري شريف عبدالمحسن، وأسرته، وسط جثث ملقاة على أطراف الطريق، وأجزاء آدمية متناثرة في كل مكان، أثناء هروبه من أهوال القصف الروسي في إقليم الدونباس، شرقي أوكرانيا، إلى مدينة دنبرو، بعد نحو شهرين من الحياة مع رائحة الموت كل ساعة، والجنود الروس على باب منزله.
قال شريف لموقع "الحرة" إن "كل شيء في مدينة ليمان بإقليم الدونباس، التي كان فيها هو وزوجته الأوكرانية، ووالدتها كان يشير إلى الموت، فالجنود الروس وآلاتهم العسكرية على باب البناية التي يسكنون فيها، وهم أسرى في المنزل لا يمكنهم الحركة منه إلا إلى المخبأ الذي يوجد تحتها، بينما القصف يتجدد كل ساعة بشكل عنيف ويسمعون أصوات انهيارات المنازل حولهم طوال الوقت فيدب الرعب في قلوب الجميع خوفا من مصير محتوم ينتظرهم على بعد أمتار قليلة إذا ما أخطأ أحدهم ونظر حتى خارج المنزل".
وفي بداية الحرب ومع الأيام الأولى للقصف، طلبت والدة زوجة شريف أن يتركها ويرحل هو وزوجته لأنها لن تترك المدينة التي عاشت فيها سنوات عمرها ولن تتركها أبدا الآن وعمرها 72 عاما.
رفض شريف طلب الطبيبة العجوز وأصر أن يبقوا معا، خاصة حينما قال لهم ضابط في الجيش الأوكراني إن مخاطر الخروج ومحاولة الهرب قد تكون أكبر من مخاطر البقاء لأن الجيش الروسي يقصف كل شيء حول المدينة وقراها.
أشار شريف إلى أنهم كانوا 10 أسر في البناية، ويبلغ عددهم نحو 40 شخصا بينهم كثير من الأطفال والنساء ظلوا جميعا حبيسي المنزل والمخبأ أسفله منذ 24 فبراير الماضي، بسبب القصف الروسي الذي لم يتخيلوا أن يكون على بعد أمتار منهم لكن بين ليلة وضحاها توقفت الحياة تماما.
انقطعت الكهرباء مع أول يوم للحرب وتبعها توقف كافة المرافق وتمكن "هاكرز" من الاستيلاء على شبكات الاتصالات الخاصة بالبنوك والمتاجر، ولم يعد بإمكانهم بيع أو شراء أي شيء أو حتى تدبير طعام يكفيهم.
كان السكان يتسللون من المخبأ إلى الشقق ليبحثوا عن أي طعام ليأكلوه، وقد لقي أحدهم حتفه وأسرته في الأسبوع الأول حينما خرج ليشتري طعاما بعد توقف القصف ظنا منه أن الطريق آمن طالما لا يوجد أصوات قصف، لكن قذيفة روسية أصابت سيارته فقتل هو وأسرته في الحال وهنا فكر باقي السكان في كيفية البقاء على قيد الحياة بالطعام القليل الذي يمتلكونه.
الحياة بقطع الشيكولاته
يحكي شريف ما حدث بعد وفاة جارهم قائلا: "جلس السكان معا في المخبأ واتفقنا أن نساعد بعضنا بشأن الطعام، وكل من لديه شيء يقدمه ونقسم ما يتوفر إلى قطع صغيرة حتى نستطيع البقاء أحياء أطول فترة ممكنة، ونظرا لأن الأوكرانيين يعشقون الشيكولاته فكان أغلب الطعام المخزن لديهم منها ولذلك اعتمدوا عليها مع قطع الجبن الصغيرة التي قسموها إلى قطع أصغر يكون نصيب كل منهم عدة ملليغرامات وقطعة خبز وكوب من الشاي أو القهوة مرتين يوميا".
وأبلغ السكان في الدونباس أن الجيش الروسي يضرب الأهداف في المنازل بناء على الضوء أو الحرارة بمعدات حساسة للضوء والحرارة، ولذلك وضعوا قطعا من القماش والبلاستيك الأسود المعتم على الأبواب والنوافذ حتى لا يتسرب أي ضوء يستهدفه الروس وكان كل منهم يتسلل ليلا حين يهدأ القصف لشقته ليحضر بعض الماء للشرب.
السيدة جالينا والدة زوجة شريف كانت تعمل طبيبة قبل أن تتقاعد قبل عدة سنوات، لذلك كانت مهمتها في المخبأ أن تعالج الأطفال الذين يمرضون طوال 50 يوما قضوها في المخبأ، وكما فعلوا بشأن الطعام، تصرفوا بشأن الأدوية فكانت كل أسرة تحضر كل ما لديها وتضعها تحت تصرف جالينا لترى ما يصلح منها لعلاج المرضى.
كومة من الأنقاض
وصف شريف حال المنطقة بأنها "تحولت لتلال من الأنقاض بعد أن قصف الجنود الروس كل البنايات، وتمركزوا في الشوارع في كل مكان خاصة بعد الأسابيع الثلاثة الأولى التي واجهتهم خلالها مقاومة عنيفة من الجيش الأوكراني في المدينة شأنها شأن كثير من مدن الشرق الأوكراني، ولذلك كانت محاولة الهرب من المدينة في ظل هذا الوضع مخاطرة تنتهي غالبا بالموت خاصة مع تمركز المدرعات الروسية أمام باب المخبأ مباشرة وخلف البناية التي يسكنون فيها.
ولكن، وقبل أيام تحركت المدرعات الروسية ليلا من أمام المخبأ فلجأ بعض السكان للهرب حتى مع المخاطرة التي يمكن أن يلقوها في الطريق لكن أسرة شريف كانت ترغب في البقاء لأن "فلاد" ابن شقيقة زوجته إيرينا انضم لصفوف الجيش الأوكراني ولا يعرفون مكانه فحاولوا الوصول له كثيرا ليبلغوه أنهم لن يرحلوا وعندما تمكنوا من الحديث إليه أخبرهم برغبته في خروجهم من المدينة قبل أن ينتهي كل شيء، وأنه حتى لو قتل يريد أن يكون مطمئنا عليهم.
بحث شريف عن سيارة تنقله خارج المدينة وعن طريق أحد الجيران توصل إلى سائق أعطاه 1000 دولار كانت كل ما يمكله وأسرته ليتحرك بهم عبر أحد الطرق إلى دنبرو، لكن الرحلة كان فصلا جديدا من الجحيم بسبب الجثث والأجزاء الآدمية التي شاهدوها طوال الطريق حتى خرجوا من مناطق الجحيم في الدونباس.
ورغم تمكن الجيش الروسي من السيطرة على ليمان، إلا أن شريف يرى أن "الجيش الأوكراني استطاع مقاومة الروس بشراسة دفعتهم لضرب مناطق إرسال التلفزيون الذي كان يبث مشاهد من الاشتباكات ولمعدات عسكرية روسية محترقة في مناطق كثيرة، كما أن أغلب الأوكرانيين متمسكين بمدنهم خاصة كبار السن الذين عاشوا مع الحروب ويلات كثيرة في أوكرانيا ويريدون أن ينهوا حياتهم في المدن التي عاشوا فيها منذ زمن بعيد".
