تسعى السلطات في أوكرانيا إلى إحصاء وتعداد حالات "الإبادة البيئية" الناجمة عن غزو الروسي لبلادهم منذحوالي عام، وذلك بغية محاسبة المعتدي والمطالبة بتعويضات وصلت حتى الآن إلى أكثر من 50 مليار دولار، وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية.
وقد أنشأت وزارة البيئة الأوكرانية خطاً ساخناً للمواطنين للإبلاغ عن حالات "الإبادة البيئية" الروسية، والتي تسببت في إحداث تلوث في الأرض والمياه والهواء، وبلغ عددها حتى الآن 2303 وفقا لإحصاء صدر في نهاية العام الماضي.
ويشارك في عملية المراقبة والرصد والتقصي فرق بحث عملية ونشطاء حقوقيين، إذ تدرك الحكومة الأوكرانية، بحسب خبراء، أن بإمكانها كسب القلوب والعقول من خلال تذكير العالم الخارجي بأنها ديمقراطية واعية بيئيًا وذات تفكير تقدمي، مع التأكيد أن التلوث هو ناجم عن سلوك دكتاتورية تعتمد على الوقود الأحفوري ولا تحترم الطبيعة بقدر عدم احترامها لسيادة جيرانها.
وإذا كان عادةً لا يتم تصنيف المشاركين في عملية مراقبة عمليات الانتهاكات البيئية ورصد على أنهم "مقاتلون"، بيد أن الكثير من عملهم يتطلب شجاعة كبيرة.
ومن الذين يشاركون في تلك الجهود، كاترينا بوليانسكا، وهي عالمة بيئة شابة تسافر عبر أرجاء البلاد، لكي تأخذ وتجمع عينات من الحفر الناجمة عن القنابل والقذائف ورصد الأضرار البيئة في المنتزهات والمحميات الوطنية.
وتؤكد بوليانسكا أن حياتها معرضة للخطر لأنها تضطر إلى العمل في مناطق الجبهات الأمامية التي تتعرض للقصف وتحتد فيها العمليات القتالية.
وتابعت: "في العام الماضي، بدأت في إجراء هذا التحقيق عن طريق الكمبيوتر باستخدام صور الأقمار الصناعية فقط، لكنني قررت أنني بحاجة إلى رؤية الأمور بأم عيني".
ولفتت إلى أنها ترسل العينات التي تحصل عليها إلى المختبر بحثا عن آثار مواد سامة مثل الفسفور الأبيض، مشيرة إلى أن هذه الأبحاث ضرورية لوضع السبل الأفضل لإعادة تأهيل الأراضي، ولتقديم المشورة للسكان المحليين بشأن تجنب الري أو الشرب من الجداول التي يحتمل أن تكون ملوثة.
وكان من بين أكثر الدمار البيئي إثارة للصدمة قصف منحدرات الطباشير القديمة، وهو نظام بيئي فريد في حديقة الجبل المقدس الوطنية.
وتوضح بوليانسكا "عندما ترى الحفر هناك، تعلم أنها لن تتعافى أبدًا. تشكلت منحدرات الطباشير على مدى 100 مليون سنة ثم دمرت في عام واحد من الحرب".
وشددت على أن "أسوأ الأضرار لا يكون مرئيًا دائمًا، فبقايا وقود الصواريخ والشظايا والقطع المعدينة الصغيرة لها تأثير كبير من ناحية حدوث تلوث بيئي بشكل لا يمكن تخيله".
وتعمل بوليانسكا في منظمة "قانون البيئة" تضم علماء ومحامين، والتي تسعى بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والهيئات الحكومية الأخرى في أوكرانيا إلى رفع دعاوى قضائية ضد روسيا في المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة الثامنة من قانون روما الأساسي، الذي يغطي الجرائم البيئية.
وبالإضافة إلى ذلك، تحظر اتفاقية جنيف "أساليب أو وسائل الحرب التي يُقصد بها أو يُتوقع أن تسبب ضررًا واسع النطاق ودائمًا وشديدًا للبيئة الطبيعية".
ويأمل بعض الباحثين القانونيين وعلماء البيئة أن تتمكن أوكرانيا من دفع القانون الدولي خطوة إلى الأمام من خلال ضمان الاعتراف بـ "الإبادة البيئية" للجرائم المرتكبة ضد العالم الطبيعي الحي.
ومصطلح "الإبادة البيئية" الذي أشاعه المحامي البيئي البريطاني، بولي هيغينز، لم يتم تعريفه حتى في القانون الدولي، لكن أوكرانيا هي واحدة من عدة دول في الكتلة السوفيتية السابقة أقرت تشريعات لمكافحة الإبادة البيئية.
ويعالج مكتب المدعي العام 11 دعوى جنائية بموجب المادة 441 بشأن الإبادة البيئية من القانون الجنائي لأوكرانيا.
وفي نوفمبر، قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمام قمة مجموعة العشرين إن الاعتراف بالإبادة البيئية وحماية البيئة من بين 10 مقترحات رئيسية في الصيغة الأوكرانية للسلام.
وبشكل مستقل عن الحكومة، حشدت مجموعات الحفاظ على البيئة وإعادة توجيه نفسها لجمع الأدلة التي تدين روسيا.
وفي هذا الصدد، قامت منظمة Ecoaction، وهي أكبر منظمة غير حكومية بيئية في أوكرانيا، بجمع تقارير عن أكثر من 840 حادثة، وتعاونت مع منظمة "السلام الأخضر" لرسمها على "خريطة الأضرار البيئية" التفاعلية باستخدام صور الأقمار الصناعية.
من جانبها، أطلقت يوليا أوفتشينيكوفا، وهي عضو في اللجنة البيئية في البرلمان الأوكراني، نداءً من أجل الإدانة الدولية لجرائم روسيا البيئية، مما أدى إلى اعتماد مجلس أوروبا لوثائق بشأن الإبادة البيئية.
وأوضحت أوفتشينيكوفا أ، أكثر من مليوني هكتار من الغابات تم تدميرها، مما أدى إلى تدمير النظم البيئية للكثير من النبات والأشجار النادرة إلى التدمير.
وفي نفس السياق، أكد دينيس تسوتساييف، من منظمة "السلام الأخضر"، أن أوكرانيا بحاجة إلى آليات متطورة وموارد كبيرة حتى تستعيد الطبيعة رونقها من جديد.
