"هناك مزحة بين الروس الآن: عندما تهبط الطائرة يصفق الناس.. في روسيا، عندما تصعد إلى الطائرة، يصفق الجميع بأيديهم"... بهذه الكلمات عبر رجل أعمال روسي، فر من بلاده بعد يومين من غزو أوكرانيا، عن حال العديد من الروس الآن.
ديمتري نياكف الذي، ورد اسمه في تقرير لصحيفة التليغراف البريطانية، واحد من مئات الآلاف من الروس الذين تركوا وطنهم الأم بحثا عن حياة أفضل، بينما تواجه البلاد "هاوية ديموغرافية".
اشترى ديمتري تذكرة ذهاب فقط إلى تل أبيب بعد يومين من الغزو، تاركا زوجته وأطفاله وراءه، قبل أن يتمكن من جلبهم بعد ذلك، كما تمكن خمسة موظفين في شركته السابقة التي كان يمتلكها في موسكو من الهجرة عبر الحدود الجورجية، بعد إعلان التعبئة.
ورغم أنه بالكاد يغطي نفقات حياته اليومية عبر العمل على شاحنة في حيفا في تل أبيب، إلا أنه يشعر بالتفاؤل لأنه "تمكن من الخروج" من روسيا.
ويقول تقرير الصحيفة إن مئات الآلاف من الروس في سن العمل غادروا البلاد أو ماتوا في ساحة المعركة منذ إعلان بوتين الحرب على أوكرانيا، بينما تعاني روسيا من "قنبلة ديموغرافية موقوتة" ستجعل من الصعب الاستمرار في الحرب، وإنقاذ اقتصادها المتعثر على المدى الطويل.
ومع إرسال الشباب إلى ساحة المعركة، بالإضافة إلى الهجرة، ستتسارع عملية انخفاض معدلات المواليد، التي هي تنخفض بالفعل حتى من قبل الحرب.
وكان عدد السكان، وصل إلى 145.1 مليون في أغسطس الماضي، ويشمل ذلك انخفاضا بمقدار 475500 نسمة منذ بداية العام الجاري، وهو أقل من 148.3 مليون في عام 1991، أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وفق تقرير سابق لموقع الحرة.
ويعتقد خبراء أن روسيا قد تشهد أقل من 1.2 مليون ولادة، هذا العام، إذا استمرت العمليات العسكرية في الأشهر المقبلة، وسيكون هذا أقل معدل في التاريخ الحديث، وفقا لإيغور إفريموف، الباحث في موسكو.
ويشير تقدير منفصل لميخائيل دينيسينكو، مدير معهد الديموغرافيا في موسكو، إلى أن سنة من الخدمة العسكرية لـ300 ألف رجل تم حشدهم في الجيش في سبتمبر وأكتوبر الماضيين ستؤدي إلى انخفاض عدد المواليد بمقدار 25 ألفا.
ويشير التقرير إلى فرار أصحاب المواهب بأعداد كبيرة وآلاف النساء إلى الخارج للولادة. وقد شهدت الأرجنتين ارتفاعا في دخول الروسيات الحوامل، حيث يحصل الأبناء على الجنسية الأرجنتينية تلقائيا، وهي جنسية تتيح دخول 171 دولة دون تأشيرة، مقارنة بـ 87 دولة للروس.
وقال أليكسي راكشا، وهو خبير ديموغرافي روسي مستقل، إن أعداد القتلى في ساحة المعركة الروسية قد لا يبدو كبيرا بالنسبة لبلد يبلغ عدد سكانه 145 مليون نسمة، لكن الحرب ستترك ندوبا عميقة على اقتصاد هش بالفعل.
ورغم أن روسيا، وفق راكشا، استقبلت حوالي مليون أوكراني. إلا أن البنية العمرية والتعليمية لأولئك الذين هاجروا مختلفة تماما.
وتوقع أن تشهد روسيا انخفاضا بنسبة 10 في المئة بالمواليد في عام 2023. وسيكون لذلك تأثير كبير على الاقتصاد بعد 20 عام، عندما يبلغ هؤلاء الأشخاص سن الرشد".
وإذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية في روسيا، سينخفض عدد السكان 30 مليونا بحلول نهاية القرن، وفق التليغراف.
هذا الواقع الديموغرافي كان دفع بوتين إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لزيادة معدلات المواليد، تشمل مدفوعات للأمهات الجدد وإعفاءات من الرهن العقاري للعائلات، وكان قد أقر في عام 2021 بالمشكلة قائلا: "من وجهة النظر الاقتصادية، تعد المشكلة الديموغرافية واحدة من أهم المشاكل".
وفي خطابه الأخير، حث بوتين مواطنيه على العودة إلى "الوطن الأم" بدلا من معاملتهم كمواطنين من "الدرجة الثانية" في دول أخرى.
لكن الحرب غيرت التوقعات بالنسبة للعديد من الروس. ويقول راكشا: "لا أحد يعرف ما سيفعله بوتين... قد يضغط فقط على الزر الأحمر (استخدام السلاح النووي) ونموت جميعا".
ويقول راكشا إنه حتى لو لم تنته الحرب بحرب نووية، فإن آفاق روسيا تظل قاتمة: "روسيا الآن في منتصف تراجع تنازلي حيث سينخفض عدد النساء في سن الإنتاج الأولي بنسبة 40 في المئة بين عامي 2010 و2030. وحتى من دون الحرب، كان عدد المواليد ينخفض. وستؤدي الحرب فقط إلى تسريع هذه العملية".
يعتقد راكشا أنه في أسوأ السيناريوهات، يمكن أن يبدأ عدد السكان في الانخفاض بمقدار مليون شخص سنويا.
وأضاف: "سيستمر الفرار والموت. لذلك ستصبح روسيا مستنفدة من الشباب خلال سنوات، وستكون متقدمة في العمر جدا. أعتقد أن النمو الاقتصادي حتى في أفضل السيناريوهات سيتوقف بسبب ذلك".
ويقول ألكسندر جابوف، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "ستصبح روسيا مثل إيران" لكن من دون سكانها الشباب.
ويقول رجل الأعمال ديمتري الذي غادر إلى إسرائيل إنه تحدث إلى مئات الروس الذين فروا من البلاد، ولا أحد منهم أبدى رغبة في العودة و"هؤلاء هم موظفو تكنولوجيا المعلومات، ومهندسون، ومبرمجون، ومديرو مشاريع".
وأضاف: "هذا ما خسره بلدي واكتسبته دول أخرى. هناك الكثير من الأشخاص الذين اضطروا إلى ترك وظائفهم والحصول على وظائف جديدة والعديد منهم متعلمون جيدا ولديهم خبرة كافية لدرجة أنهم حصلوا عليها بسرعة كبيرة".
ويأمل الرجل في إعادة تأسيس شركته في البرتغال مع روسي آخر التقى به أثناء الفرار، ولحسن حظه، فإن موظفيه السابقين في شركته استطاعوا الفرار أيضا، يأمل أيضا في عودة الموردين والعملاء بسرعة.
