في تقرير ميداني، رصدت صحيفة "نيويورك تايمز"، أجواء خطوط القتال الأمامية بين القوات الروسية ونظيرتها الأوكرانية في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا، حيث تحول القتال هناك إلى ما يشبه "حرب خنادق" تسببت في خسائر كبيرة في صفوف الجانبين.
وعلى إحدى تلك الخطوط الأمامية الواقعة بالقرب من بلدة مارينكا المدمرة في دونيتسك، يتنشر لواء 79 الأوكراني، ومن بين عناصره الجندي بوغدان، الذي تمكن من رؤية الروس وهم يحفرون الخنادق بسبب قربهم من الخطوط الأوكرانية، حسب "نيويورك تايمز".
ويريد بوغدان أن يقتل هؤلاء الروس، لذلك حمل قاذفة قنابل صاروخية محمولة على الكتف، ونظر إلى أكياس الرمل المثبتة على حافة خندقه، وأطلق القذيفة.
وبعد لحظات توقف حفر الخنادق على الجانب الروسي، قبل أن يطلق جنود موسكو وابلا من النيران على اللواء الأوكراني.
وتقول صحيفة "نيويورك تايمز" إن تلك هي الأجواء اليومية على الخطوط الأمامية للمواجهة، أو ما يسميها الجيش الأوكراني "مواقع خطوط الصفر"، والتي يقع أقربها على بعد 300 ياردة فقط من القوات الروسية
وخلال عام من الحرب، سيطرت القوات الروسية على حوالي خمس الأراضي الأوكرانية والتي تتضمن مساحات شاسعة من منطقتي خيرسون وزابوريجيا في الجنوب بما يشمل المفاعل النووي هناك كما تسيطر تقريبا على كل لوغانسك وعلى نحو نصف دونيتسك، وفقا لـ"رويترز".
وفي العام الماضي، أعلنت روسيا من جانب واحد ضم المناطق الأربعة في خطوة نددت بها أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بوصفها غير قانونية، ولا تسيطر موسكو بشكل كامل على أي من المناطق الأوكرانية التي أعلنت ضمها.
وتشكل منطقتا لوغانسك ودونيتسك معا إقليم دونباس، المركز الصناعي لأوكرانيا الذي تحتله روسيا الآن "جزئيا" وتسعى للسيطرة عليه "كاملا".
على خط المواجهة
وعلى خط المواجهة، يقصف الروس المواقع الأوكرانية بالمدفعية الثقيلة من على بعد أميال ويرسلون مجموعات صغيرة من الجنود لمحاولة التسلل إلى الخنادق الأوكرانية في ظلام الليل.
وهناك أيضا، تحلق طائرات روسية دون طيار فوق الخطوط الأوكرانية، وتقوم تلك المسيرات بمهام "المراقبة"، بينما تقوم طائرات رباعية أصغر بإلقاء متفجرات على الخنادق.
ويمكن أن تشمل الهجمات الروسية المركبات المدرعة والدبابات، أو يمكن أن تأتي على شكل موجات من جنود المشاة الذين يحاولون اقتحام الخنادق الأوكرانية.
ويرد الأوكرانيون بقوة على تلك الهجمات، وفي هذا الجيب من الجبهة، أحبطوا إلى حد كبير كل محاولة روسية لأخذ أراض جديدة لمدة عام.
ماذا يحدث على الخطوط الأمامية؟
في دونيتسك، تتحصن القوات الأوكرانية في خنادق موحلة بعد أن أدى الطقس الدافئ إلى ذوبان الجليد على الأرض، حسب "رويترز".
وعلى الرغم من القتال العنيف طوال فصل الشتاء، استولت القوات الروسية على حوالي 400 ميل مربع فقط عبر الجبهة الشرقية بأكملها منذ سبتمبر، وفقًا لتقرير صدر في فبراير عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، وهو منظمة بحثية في واشنطن.
وعلى الجبهة ينتشر اللواء رقم 79 وهو وحدة من وحدات قوات النخبة في أوكرانيا، وتم تكلفه جنود ذلك اللواء بالاحتفاظ بموقع على بعد حوالي 15 ميلا من مدينة دونيتسك التي تعد معقلا لروسيا والقوات التي تعمل بالوكالة عنها منذ عام 2014، حسب "نيويورك تايمز".
وتشير "نيويورك تايمز" إلى اشتعال الصراع بين القوات الروسية ونظيرتها الأوكرانية على طول خط المواجهة ببلدة مارينكا.
ويقول الجنود الأوكرانيون إنهم "مستعدون للموت" دفاعا عن البلدة، واصفين الصراع هناك بأنه "حرب بقاء، ليس فقط من أجلهم ولكن من أجل أمتهم".
ومارينكا بلدة صغيرة مدمرة وشبه خالية كانت تمثل إحدى الجبهات منذ بدء الحرب، حسب "رويترز".
وكان عدد سكان مارينكا عشرة آلاف نسمة قبل بدء الغزو الروسي في 24 فبراير، حسب "فرانس برس".
ومنذ فترة طويلة، انضمت مارينكا إلى قائمة الأماكن التي دمرتها القوات الروسية، وسويت بالأرض، وهجرها ما يقرب من 9000 من سكان ما قبل الحرب.
تكتيك روسي جديد
يمتد الخط الأمامي لأكثر من 600 ميل، وهناك قام الجيشان بحفر آلاف الأميال من الخنادق المصطفة بحيث إذا سقط أحدها، يمكن للجنود التراجع إلى مواقع أكثر أمانا.
وبعد أن فشل روسيا في اختراق الخطوط الأوكرانية هناك لمدة عام تقريبا، راجع الروس مؤخرا تكتيكاتهم، وتحولوا إلى مجموعات هجومية صغيرة تحاول شق الثغرات في الدفاعات الأوكرانية التي يمكنهم محاولة استغلالها، وفقا لـ" دليل روسي استولى عليه الأوكرانيون".
ويوضح الدليل بالتفصيل كيف يمكن تقسيم الفصائل الهجومية المكونة من 12 إلى 15 فردا إلى مجموعات تكتيكية لا تقل عن ثلاثة أفراد مدعومة بقوة نيران إضافية للتسلل إلى خندق أوكراني.
واعتاد الجنود الأوكرانيون على تسمية هذه الجماعات بـ "اللحوم"، بسبب ارتفاع معدل قتلهم، حسب "نيويورك تايمز".
ويقول المقاتلون الأوكرانيون الذين شاهدوا الهجمات عن قرب إن الروس غالبا ما يرسلون موجة أولى من المشاة لاقتحام خندق، مع العلم أنهم من المحتمل أن يُقتلوا.
وترصد القوات الروسية، مواقع إطلاق النار الأوكرانية وتطلق وابلا من قذائف الهاون والمدفعية على تلك المواقع، ثم يتم الدفع بموجة ثانية من المشاة الروس في محاولة التسلل إلى الخندق.
ويعد هذا التكتيك الوحشي "جيدا لاختراق الخنادق، لكنه يأتي بتكلفة كبيرة"، وتم استخدامه سابقا منذ أكثر من قرن خلال الحرب العالمية الأولى.
وداخل الخنادق، يقول الجنود الأوكرانيون إنهم يعلمون إن "الروس سيستمرون في الهجوم"، لكنهم ينتظرون اليوم الذي ستبادر فيه القوات الأوكرانية بـ"الهجوم".
