قوات أوكرانية في باخموت بأوكرانيا في 5 أبريل 2023
قوات أوكرانية في باخموت بأوكرانيا في 5 أبريل 2023

خلال المعركة المستعرة بين القوات الأوكرانية ونظيرتها الروسية منذ أشهر للسيطرة على على باخموت، المدينة الواقعة في شرق أوكرانيا، يتم استخدام تكتيكات يائسة، بهدف تحقيق "النصر الحاسم"، وفقا لتقرير لصحيفة "التايمز" البريطانية.

وقود للمدافع

وفي الأكاديميات العسكرية الأوكرانية، ما زالوا يعلمون مذاهب جورجي جوكوف، الجنرال السوفيتي الشهير، الذي أدى انتصاره في ستالينغراد إلى قلب نتائج الحرب العالمية الثانية.

لكن يتم تعليم ذلك التكتيك كمثال "على ما لا يجب فعله" خلال الحروب.

ويتحدث رومان وهو ملازم ثان، يبلغ من العمر 23 عاما، وتم تكليفه حديثا باللواء 80 في الجيش الأوكراني، عن مقتل الكثير من الجنود الروس خلال المواجهة المستمرة في باخموت.

وتشير "التايمز" إلى تكتيكات الموجة البشرية التي ابتكرها جوكوف، والتي كانت تتمثل في إرسال رجال لاقتحام المباني الألمانية بطريقة انتحارية، مع فرقة ثانية من الرجال خلفهم لإطلاق النار على أي شخص يحاول الهروب.

وتستخدم روسيا ذلك التكتيك اليوم، وخاصة مرتزقة فاغنر الذين قادوا الهجوم على باخموت، حسب الصحيفة البريطانية.

 قال رومان: "هؤلاء الرجال هم وقود للمدافع، مثل جوكوف، إنهم يفعلون الشيء نفسه الآن كما فعل في ذلك الوقت".

وأقر يفغيني بريغوجين، رئيس مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية الروسية، بأن مقاتليه يتكبدون خسائر متزايدة في الحرب في أوكرانيا، وذلك خلال زيارته، الخميس، مقبرة قال إنها "لا تنفك تكبر"، وفقا لـ"فرانس برس".

وفي مقطع فيديو نشرته فاغنر على تطبيق "تلغرام" ظهر بريغوجين واقفاً أمام عشرات المدافن التي تعلو كلاً منها صلبان ووُضعت عليها أكاليل من الزهر.

وقال بريغوجين في الفيديو "نواصل دفن مقاتلي فاغنر هنا ولا مشكلة في ذلك حتى اليوم. سنعمل على تحسين هذه المقبرة وجعلها نصبا تذكاريا للأجيال المقبلة".

وأضاف "نعم، (المقبرة) تكبر، أولئك الذين يقاتلون يُقتلون أحيانا، هكذا تسير الحياة".

لا تتحدث روسيا كثيرا عن الخسائر التي تكبدتها في أوكرانيا منذ بدء هجومها على هذا البلد في فبراير 2022.

وآخر حصيلة رسمية للخسائر صادرة عن وزارة الدفاع الروسية تعود إلى سبتمبر 2022 وقد بلغ فيها عدد القتلى 5937 عسكريا، ولا تشمل هذه الحصيلة مقاتلي فاغنر الذين لا ينتمون رسميا إلى الجيش الروسي

ووفقا للتقديرات الغربية، فإن خسائر القوات الروسية مجتمعة (الجيش الروسي ووحدات فاغنر والقوات الأوكرانية الانفصالية الموالية لروسيا) منذ بدأت غزو أوكرانيا يمكن أن تصل إلى أكثر من 150 ألفا ما بين قتيل وجريح، حسب "فرانس برس".

ستالينغراد الأوكرانية

توصف معركة باخموت بأنها ستالينغراد الأوكرانية، حيث اتخذ المشاة الأوكرانيون مواقع في صفوف المباني السكنية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية في المدينة، ولم يتراجعوا إلا عندما دمرتها المدفعية الروسية.

وتبدو النتيجة إلى حد كبير مثل ستالينغراد، وإن كان ذلك على نطاق أصغر، حسب "التايمز".

واستمرت معركة ستالينغراد 200 يوم، بينما استمرت معركة باخموت، لفترة أطول.

منذ الصيف الماضي تحاول القوات الروسية السيطرة على باخموت، المدينة التي كانت تضم قبل الحرب 70 ألف نسمة ولم يعد يسكنها اليوم سوى المئات، حسب "فرانس برس".

وأثبتت المعركة المستمرة منذ شهور للسيطرة على باخموت، وهي واحدة من آخر المراكز الحضرية في منطقة دونيتسك الشرقية التي لم تسقط بعد في قبضة موسكو، أنها واحدة من أكثر المعارك دموية في الغزو الروسي، وفقا لـ"رويترز".

تكيتك أوكراني

قلل محللون غربيون من الأهمية الاستراتيجية لباخموت، لكن أوكرانيا تجعل دفاعها المستميت، عما أصبح الآن مدينة مدمرة بالكامل، وسيلة لإرهاق القوات الروسية، وعانى كلا الجانبين من خسائر جسيمة هناك.

قال بافلو ناروجني، المحلل العسكري الأوكراني، لراديو (إن.في) الأوكراني "باخموت تؤدي المهمة الرئيسية المتمثلة في إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بروسيا، والأهم من ذلك، التجهيز لهجوم مضاد في أواخر أبريل ومايو".

وبالنسبة للجنود الذين بقوا في الجبهة لفترة طويلة فإن الخسائر العقلية للتكتيكات التي ينشرها الجانبان واضحة. 

يخشى المراقبون الغربيون أن أوكرانيا فقدت بعضا من أفضل ضباطها في الدفاع عن باخموت، بينما ضحت روسيا بما يتراوح بين 20 و30 ألف رجل، كان العديد إن لم يكن معظمهم من المدانين المفرج عنهم في فاغنر، حسب "التايمز".

وأصر الملازم أول، فياتشيسلاف، على أن إسقاط العدو ومنعهم من الانتقال إلى القرى الواقعة غربي باخموت هو تكتيك جيد وقرار علاقات عامة.

وقال: "إذا انسحبنا من باخموت فسيكون من الصعب للغاية استعادتها، وفي غضون ذلك، تكتيكاتنا ترهق الروس".

المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها تصف الكلوروبكرين بأنها مادة مدمرة للرئة
المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها تصف الكلوروبكرين بأنها مادة مدمرة للرئة

يقول مسؤولون أميركيون وأوكرانيون، بالإضافة لمسعفين وجنود وباحثين دوليين، إن استخدام روسيا للغازات السامة في المعارك يتزايد بالتزامن مع تكثيف هجماتها الرامية للاستيلاء على مساحات أكبر من الأراضي الأوكرانية، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

ومن بين الغازات السامة التي ثبت بالفعل استخدامها في المعارك ضد القوات الأوكرانية تلك التي تحتوي على مادة "الكلوروبكرين" واستخدمت مادة بشكل واسع خلال الحرب العالمية الأولى كغاز خانق.

كذلك تستخدم القوات الروسية مواد كيميائية مخصصة أساسا لمكافحة الشغب مثل "قنابل الغاز المسيل للدموع".

وبحسب شهادات جنود وضباط أوكرانيين يسبب هذا النوع من الغازات بالوخز في الجلد وامتلاء العيون والرئتين بالدخان وفي النهاية السعال الشديد.

وتشير الصحيفة إلى أن استخدام الغازات السامة يمكن أن يضعف قدرة القوات الأوكرانية على الدفاع عن المواقع المحصنة، بل وقد تجبرها على الانسحاب.

وأعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر فرض عقوبات على شركات روسية وهيئات حكومية مشاركة في تصنيع وتوريد الأسلحة الكيميائية المستخدمة في جبهات القتال، وخصت بالذكر الكلوروبكرين.

ويحظر استخدام هذه المادة، التي تدخل أحيانا في صناعة المبيدات الحشرية، في المعارك بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي وقعت عليها روسيا.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن استخدام هذه المواد "ليس حادثة معزولة، وربما كان الدافع وراءها رغبة القوات الروسية في طرد القوات الأوكرانية من أماكن تحصينهم، وتحقيق مكاسب تكتيكية في ساعة المعركة".

ونفت موسكو هذه الاتهامات وأكدت أنها ما زالت تمتثل لالتزاماتها بموجب المعاهدة التي تحظر الأسلحة الكيميائية.

يقول دان كاسزيتا، خبير الأسلحة الكيميائية والزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث مقره لندن، إن الكلوروبكرين سام للإنسان والحيوان، ولكنه يعمل أيضا كمهيج.

ويضيف أنه واعتمادا على مستوى التعرض، يمكن للغاز أن يحرق الجلد ويهيج القنوات الدمعية ويجعل التنفس صعبا، ناهيك عن تأثيره على الجنود خلال محاولاتهم صد الهجمات المضادة.

ويتتبع الأوكرانيون استخدام الأسلحة الكيميائية على الجبهة منذ فبراير 2023، حيث تزايد عدد الحوادث المؤكدة بشكل مطرد. 

فحتى الثالث من مايو الجاري أكدت القوات الأوكرانية وقوع 1891 هجوما من هذا القبيل منذ أن بدأت في تتبع البيانات، 444 منها حصلت في شهر أبريل فقط.

وتقول الصحيفة إن هذه الأرقام هلا تعطي الصورة الكاملة عن الأمر، لأنه في كثير من الأحيان لا يمكن الوصول إلى الموقع الذي تم استخدام الغاز فيه لجمع عينة أو أخذ إفادات الجنود، بسبب شدة القتال.

ووفقا للنقيب دميترو سيرهينكو، مساعد قائد المركز التحليلي لقوات دعم الجيش الأوكراني، الذي يحلل استخدام الأسلحة الكيميائية على الجبهة فإن استخدام المواد الكيميائية السامة من قبل الروس بات حدثا يوميا.

بدوره يؤكد الطبيب العسكري الأوكراني فيتالي كاتريش أنه اضطر في الكثير من الأحيان لمعالجة أعداد كبيرة من جنود الذين تعرضوا للغازات السامة.

ويضيف أنه بمجرد أن يتلقى الروس الشحنة، فإنهم يستخدمونها طوال الوقت حتى نفادها.

وتصف المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها الكلوروبكرين بأنها "مادة مدمرة للرئة" يمكن أن تسبب تحسسا شديدا للجلد والعينين والجهاز التنفسي.

ولدى روسيا تاريخ طويل في استخدام المواد السامة كسلاح وخاصة ضد المعارضين وأبرزهم أليكسي نافالني، المعارض السابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي توفي في 16 فبراير الماضي بعد أن كان قد تعرّض لعملية تسمم خطرة اتهم الكرملين بالوقوف خلفها.

أما العميل الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا سكريبال فقد تعرضا للتسميم في إنكلترا في 2018.

وتسيطر روسيا الآن على ما يقل قليلا عن خمس أراضي أوكرانيا واستولت على الجزء الأكبر من تلك الأراضي خلال الأشهر الأولى من الحرب التي شنتها في فبراير 2022.