الناس يصطفون لتلقي المساعدة الإنسانية التي تنظمها البلدية في كوستيانتينيفكا في 29 أغسطس 2022
الناس يصطفون لتلقي المساعدة الإنسانية التي تنظمها البلدية في كوستيانتينيفكا في 29 أغسطس 2022

نجحت الدعاية الروسية في إقناع سكان بعض المدن والقرى في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، أن القوات الأوكرانية هي من تقصفهم وليس الروس، وهو ما تعمل كييف على تغييره، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".

ومن بين هؤلاء ناتاشا، السيدة الأوكرانية التي تعيش في بلدة "كوستيانتينيفكا" الواقعة على خط المواجهة، عندما اتهمت القوات الأوكرانية بقصف منزلها.

ووقفت السيدة الأوكرانية خارج منزلها مشيرة إلى حفرة الصاروخ في ممر سيارتها، وسارعت إلى تحديد المسؤولية عن الهجوم، قائلة "إنهم يقتلوننا، رجالنا يقصفوننا".

وأضافت ناتاشا: "إنهم يفعلون ذلك عن قصد، قالوا إن الناس بحاجة إلى إجلائهم، إنهم بحاجة إلى الأرض".

ولم تلقِ المرأة باللوم في الهجوم الصاروخي على القوات الروسية التي تهاجم مدينة باخموت المجاورة والبلدات المحيطة بها على مدار الأشهر الثمانية الماضية، ولكن اتهمت قوات بلدها "الجيش الأوكراني"، حسب "نيويورك تايمز".

والثلاثاء، تحدثت الاستخبارات العسكرية البريطانية، عن "معارك عنيفة" متواصلة على طول خط الجبهة في دونباس بشرق أوكرانيا.

ويتركز الجزء الأكبر من المعارك حاليا في محيط باخموت (شرق) حيث تدور المعركة الأطول والأكثر دموية خلال النزاع، وفقا لـ"فرانس برس".

دعاية روسية

بعد مرور أكثر من عام على الحرب في أوكرانيا، وعلى الرغم من معاناة شهور من ضربات المدفعية والصواريخ على يد الجيش الروسي، لا يزال بعض سكان البلدات الواقعة على طول خط المواجهة في شرق أوكرانيا يربكون المسؤولين والشرطة بـ"دعمهم لروسيا".

وكانت منطقة دونباس الشرقية بالفعل المنطقة الأكثر تأييدًا لروسيا في أوكرانيا، وهي قريبة جغرافيًا من روسيا وتضم أسرا لها علاقات مع كلا البلدين، ويتم التحدث باللغة الروسية أكثر من اللغة الأوكرانية في مدن تلك المنطقة، حسب "نيويورك تايمز".

ويرجع قائد الشرطة المحلية، دميترو كيرديابكين، السبب وراء أراء بعض السكان مثل ناتاشا"، لـ"حملة الدعاية الروسية التي لا هوادة فيها والخبيثة التي فُرضت على السكان المحليين لأكثر من عقد من الزمان".

وأشار إلى أن تلك الحملة قلبت بعض السكان ضد حكومتهم، ودفعتهم إلى أحضان القوات الروسية بالوكالة التي استولت على أجزاء من شرق أوكرانيا في عام 2014.

وتحدث عن انتشار القنوات المؤيدة لروسيا فقط في بعض القرى، قائلا "لقد فقدنا حرب المعلومات في عام 2014".

اليد العليا لماكينة الدعاية الروسية

لطالما تم الإشادة بالرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، لمهاراته في الاتصال ونجاحه في توحيد البلاد وراء القضية الأوكرانية، لكن في أجزاء من شرق أوكرانيا، يعترف معظم المسؤولين بأن روسيا لا تزال لها اليد العليا في حرب الدعاية.

وفي أوكرانيا، لطالما تم حظر القنوات التلفزيونية الروسية التي تهيمن على موجات الأثير في الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي الروسية الشعبية، لكن في شرق أوكرانيا فالوضع "مختلف".

ولا يزال بإمكان أي شخص لديه طبق القمر الصناعي مشاهدة القنوات الموالية لروسيا أو الاستماع إلى البرامج الإذاعية الموالية لروسيا في المدن حتى على بعد 50 ميلا من خط المواجهة.

ووجدت الشرطة أن روسيا تستخدم قنوات التواصل الاجتماعي للتلاعب بشكل مباشر بـ"المجتمع"، ورغم إغلاق وحظر بعضها يبقى العديد منها "دون رادع".

وفي الصيف الماضي، عندما كان قائد الشرطة المحلية مسؤولا عن بلدة دروزكيفكا المجاورة، اعتقلت قوته خمسة من السكان المحليين، وقال إن السلطات اكتشفت أنهم كانوا يقدمون معلومات للمخابرات الروسية، وخضعوا لإجراءات القضاء وتم إدانتهم.

وكان المال السبب وراء تعاون بعض عناصر المجموعة مع المخابرات الروسية، لكنه بعض تأثر بالدعاية الروسية، حسب ما ذكره لـ"نيويورك تايمز".

ومن عناصر تلك المجموعة سيدة تم تجنيدها في عام 2014 من قبل عميل استخبارات روسي، واتصل بها مرة أخرى العام الماضي بعد الغزو الشامل لأوكرانيا.

وقالت المرأة في تسجيل الفيديو لاعترافاتها إن "مديرها الروسي وعد بأن الضربات ستكون دقيقة وستتلف المعدات فقط"، مضيفة "اعتقدت أنه ربما يتغير شيء ما للأفضل في بلدي بهذه الطريقة، وسيحل السلام، لم أكن أريد أن يعيش أطفالي في حرب".

معركة لكسب العقول

قال مسؤولون أوكرانيون إن خوض الحرب الدعائية مكلف من حيث الوقت والمال وليس الأولوية العاجلة لأنهم يواجهون مواجهة واسعة النطاق في ساحة المعركة.

لكن هناك بعض المؤشرات على وجود معركة لكسب العقول في شوارع مدن المواجهة، حيث وضع الجيش الأوكراني لوحات إعلانية في الشوارع الرئيسية للعديد من المدن للاحتفال بالأبطال العسكريين كجزء من حملة لتشجيع التجنيد.

وانتشرت رسومات غرافيتي على جدران المباني السكنية، وتم كتابة عبارات مألوفة مثل "المجد لأوكرانيا".

لكن قطعة واحدة من الكتابة على الجدران تبرز في رسالتها إلى المجتمع الموالي لروسيا، وكتب عليها "الروس خونة!"

ويشير ذلك إلى الخيانة التي شعر بها السكان المؤيدون لروسيا لفشل موسكو في الوفاء بوعدها بحياة أفضل.

وحول القصف الروسي العشوائي للمراكز المدنية الأوكرانية، المؤيدين لموسكو في شرق البلاد إلى "معارضين للروس".

وقالت أولها البالغة من العمر 67 عاما، وهي واحدة من قلة من السكان الذين ما زالوا يعيشون في مبنى سكني مركزي: "لو كان الناس مع روسيا من قبل، فقد تغيروا، الآن هم من أجل أوكرانيا وبعض الهدوء".

بوتين وسط جنوده في موسكو بروسيا- صورة أرشيفية.
بوتين وسط جنوده في موسكو بروسيا- صورة أرشيفية.

أطلق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، "حملة تطهير واسعة في المناصب العليا للجيش، لمواجهة "حرب طويلة الأمد" في أوكرانيا، ولإحكام قبضته على السلطة السياسية مع بدء ولايته الخامسة رئيسا للبلاد، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".

ومنذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، لاحقت الاحتجاجات بشأن عدم الكفاءة والفساد قيادات بالجيش الروسي.

وطبقا للتقرير، فإن "تعثر القوات الروسية حول العاصمة الأوكرانية كييف" أدى إلى مطالبات بالتغيير، لكن عندما هزمت قوات موسكو خارج مدينة خاركيف، تزايدت التقوعات بحدوث تغيير جذري.

وبعد أن سار زعيم مرتزقة "فاغنر" الراحل، يفغيني بريغوجين، برجاله نحو موسكو، فيما اعتبر تمردا استثنائيا، بدا أن بوتين مضطر للرد.

لكن في كل مرة، كان الرئيس الروسي يتجنب أي تحركات علنية كبيرة كان من الممكن أن يُنظر إليها على أنها تؤكد "صحة الانتقادات".

وبعد أن أصبحت أزمات ساحة المعركة ومقتل بريغوجين خلفه، على ما يبدو، قرر بوتين التحرك وتغيير وزير الدفاع لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمن، والسماح بعدد من الاعتقالات في قضايا الفساد بين كبار المسؤولين بالوزارة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أوقفت روسيا 4 جنرالات وقادة عسكريين على الأقل بتهمة الفساد، بينما تسعى للإصلاح بهدف تحقيق النصر في أوكرانيا، وفق وكالة "فرانس برس".

وتتزامن عملية التطهير مع استبدال وزير الدفاع السابق، سيرغي شويغو، بالاقتصادي أندريه بيلوسوف، الذي خلفه في 12 مايو، علما بأن الأخير لا يتمتع بخبرة عسكرية.

وكانت هذه التحركات إيذانا بأكبر إصلاح شامل في وزارة الدفاع الروسية منذ بدء الغزو، وأكدت تفضيل بوتين لتجنب التغييرات الكبيرة في خضم الأزمة، والتصرف بدلا من ذلك في وقت آخر، من اختياره، بحسب "نيويورك تايمز".

لماذا الآن؟

وقال عباس جالياموف، كاتب خطابات بوتين السابق الذي يعيش الآن خارج روسيا: "علينا أن نفهم أن بوتين شخص عنيد وغير مرن للغاية.. إنه يعتقد أن الرد بسرعة كبيرة جدا على الوضع المتغير علامة ضعف".

ويقول الخبراء إن توقيت تحركات بوتين الأخيرة على الأرجح علامة على أن لديه ثقة أكبر بشأن آفاقه في ساحة المعركة في أوكرانيا، وبشأن قبضته على السلطة السياسية مع بدء ولايته الخامسة.

وتحقق القوات الروسية مكاسب مؤخرا في أوكرانيا، حيث تسيطر على مناطق حول خاركيف وفي منطقة دونباس، في حين تعاني كييف من تأخير المساعدات الغربية وضغط احتياطيات الذخيرة والأفراد. 

وقال الخبير في شؤون الجيش الروسي، الزميل بارز في مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي، مايكل كوفمان: "من المرجح أنهم يحكمون على الوضع بأنه مستقر بما يكفي لمعاقبة البعض في القيادة العسكرية على إخفاقاتها السابقة".

وبلغ الغضب ذروته مع التمرد الذي قاده العام الماضي بريغوجين، الذي لقي مصرعه في حادث تحطم طائرة لاحقا، والذي قال المسؤولون الأميركيون إنها "على الأرجح عملية اغتيال بموافقة الدولة".

وقاد بريغوجين في يونيو 2023، تمردا فاشلا على القيادة العسكرية في موسكو بعدما اتهم قادة الجيش بعدم الكفاءة في حرب أوكرانيا.

وأظهر تمرد بريغوجين أن المشكلات المتفاقمة بوزارة الدفاع في عهد شويغو، "تفاقمت وأن الشعب يتوق إلى التجديد"، وفق ما نقلته "نيويورك تايمز" عن مصدر مقرب من الوزارة، لم تكشف عن هويته.

اكتسب بريغوجين لقب "طباخ بوتين" بسبب توفير مجموعته خدمات الطعام لمقر الرئاسة الروسيةا
تمرد قصير و"تداعيات كبرى".. هكذا فخخ "طباخ بوتين" مستقبل رئيسه
شكل التمرد المسلح لقائد مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية الخاصة، يفغيني بريغوجين، أخطر وأكبر تحد واجه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الداخل على مدار 23 عاما قاد خلالها روسيا، بينما يكشف خبراء لموقع "الحرة" عن "تداعيات كبيرة" لاضطرابات استمرت لنحو 24 ساعة فقط.

ويبدو الآن أن بوتين "يتحرك ضد نفس المسؤولين الذين كان بريغوجين يهاجمهم".

وظهرت أولى علامات التغيير الشهر الماضي مع اعتقال، تيمور إيفانوف، أحد تلاميذ شويغو، نائب وزير الدفاع المسؤول عن مشروعات البناء العسكرية، الذي اتهمته السلطات الروسية بتلقي رشوة كبيرة، لكنه نفى "ارتكاب أي مخالفات".

وبعد أيام من بدء بوتين فترة ولايته الرئاسية الجديدة، أعلن الكرملين أنه استبدل شويغو واختار بدلا منه أحد مستشاريه الاقتصاديين منذ فترة طويلة، بيلوسوف، وزيرا جديدا للدفاع.

وليست لدى بيلوسوف البالغ 65 عاما، أي خلفية عسكرية، وكان النائب الأول لرئيس الحكومة الأخيرة منذ عام 2020 وأحد المستشارين الاقتصاديين الرئيسيين لبوتين في السنوات الأخيرة، وشغل لفترة وجيزة منصب وزير التنمية الاقتصادية، بين مايو 2012 ويونيو 2013.

ورغم عدم امتلاك بيلوسوف "خبرة عسكرية"، لكنه يتباهى بصورته النظيفة نسبيا ومسيرة حكومية طويلة لم تلوثها فضائح الفساد الكبرى.

ما وراء "حملة التطهير"؟

والخميس، نفى الكرملين تنفيذ "حملة تطهير تستهدف كبار المسؤولين العسكريين الروس في أعقاب موجة التوقيفات داخل وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة".

وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحفيين إن "الحرب ضد الفساد جهد متواصل. إنها ليست حملة. إنها جزء لا يتجزأ من أنشطة وكالات إنفاذ القانون".

وقالت نائبة رئيس دراسات روسيا وأوراسيا بوكالة أبحاث الدفاع السويدية، ماريا إنغفيست، "إذا كنت تريد الفوز في حرب، فإن الفساد على نطاق أوسع، الذي يؤثر على النتائج في ساحة المعركة، من الناحية النظرية على الأقل، ليس شيئا تريده".

ووصفت الفساد رفيع المستوى في روسيا بأنه "سمة، وليس خطأ".

وقالت: "الفساد أداة لكسب النفوذ، ولكن يمكن استخدامه أيضا ضدك في أي وقت، اعتمادا على ما إذا كنت تقول الشيء الخطأ في الوقت الخطأ، أو تتخذ القرار الخطأ في الوقت الخطأ.. لذلك يمكن إقالتك بتفسير معقول يمكن أن يقبله الجمهور".

وأشارت إلى أن التغييرات تثير تساؤلات بشأن المدة التي سيبقى فيها الجنرال، فاليري غيراسيموف، في منصبه رئيسا للأركان العامة، وأعلى قائد ميداني في أوكرانيا.

ومن جانبها، قالت الزميلة البارزة بمؤسسة "كارنيغي"، دارا ماسيكوت، إنه من غير المرجح أن تؤدي الاعتقالات على هذا المستوى إلى "استئصال الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية الروسية. لكنها قد تجعل كبار المسؤولين يفكرون مرتين قبل السرقة على نطاق واسع، على الأقل لفترة من الوقت".