تسبب انهيار سد نوفا كاخوفكا على نهر دنيبرو في جنوب أوكرانيا بكارثة بيئية وأضرار كبيرة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى تلويث المناطق المحيطة بالنهر نتيجة تسرب كميات ضخمة من زيوت المحركات في المحطة الكهرومائية التي كانت مبنية على السد.
وتطرح تساؤلات عن هذه الآثار البيئية ومدى انتشارها، في وقت وصف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الحادث بأنه "أكبر كارثة بيئية من صنع الإنسان في أوروبا منذ عقود".
وتسرب "150 طنا من زيت المحركات" إلى نهر دنيبرو، الثلاثاء، بعد انفجار سد نوفا كاخوفكا لتوليد الطاقة في جنوب أوكرانيا، على ما أفاد مسؤولون أوكرانيون، محذرين من أخطار بيئية.
وتعليقا على هذه الأخطار وانعكاساتها على البيئة والطبيعة، يرى الخبير البيئي، ضومط كامل، أن الزيوت ستلوث التربة والمياه وتسبب أضرارا بالغة.
مئات السنين
ويقول كامل في حديثه لموقع "الحرة" إن "كميات المياه الضخمة الملوثة بالزيت والتي تسربت إلى داخل المناطق المحيطة بالنهر، لوثت الأرض والتربة والمياه الجوفية لمسافات شاسعة".
وأضاف أن "الزيوت دخلت إلى المياه الجوفية ولوثتها، وأن هذه المياه حتى تعود إلى طبيعتها وتصبح صافية ونظيفة تحتاج مئات السنين".
وأكد أن مياه النهر الملوثة "قضت بشكل كامل على الثروة السمكية، وتسببت بنفوق أطنان من الأسماك".
وبسبب تلوث المياه الجوفية ومياه النهر، تصبح هناك ندرة في المياه الصالحة للشرب والري، وذلك ينعكس سلبا على قطاع الزراعة والصيد والأمن الغذائي.
ومن المتوقع حدوث ندرة في المياه إثر انهيار السد. ومع فقدان الخزان فذلك يعني أنه سيكون هناك القليل من مياه الشرب والري للمناطق المتضررة، وسيكون لذلك تأثير مباشر على إنتاج الغذاء، وعلى صادرات القمح والذرة وزيت عباد الشمس وفول الصويا إلى بقية العالم، وفقا لتحليل نشرته صحيفة "الغارديان".
وخزان كاخوفكا "كان قلب أحد أكبر أنظمة الري في أوروبا"، ومياهه "جعلت من الممكن زراعة ما يصل إلى 80٪ من جميع الخضروات في أوكرانيا ونسبة كبيرة من الفاكهة والعنب"، وفقا لمركز البحوث الزراعية "إيستفروت".
وكتبت داريا زاريفنا، المستشارة الصحفية لرئيس الإدارة الرئاسية الأوكرانية، أندريه يرماك، على تلغرام "هناك أيضا خطر حدوث تسربات زيت جديدة، ما يؤثر سلبا على البيئة".
وكانت الرئاسة الأوكرانية أشارت في وقت سابق، الثلاثاء، إلى أن هذا "التسرب الإضافي" قد يصل إلى "أكثر من 300 طن".
بدوره، قال أندريه يرماك مدير مكتب الرئيس الأوكراني، على تلغرام إنها "إبادة بيئية، جريمة ضد البيئة، ارتكبتها روسيا".
وتنفي موسكو قيامها بتدمير السد، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء إنه "عمل همجي" ارتكبته كييف.
ويثير انفجار سد نوفا كاخوفكا مخاوف من تداعيات وخيمة على الحياة البرية والنباتات في هذا الجزء الجنوبي من أوكرانيا، وفقا لفرانس برس.
من جهته، قال وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا، إن "الأضرار التي تلحق بالبيئة مقلقة".
وأضاف في بيان "أنظمة بيئية كاملة تواجه أضرارا طويلة الأجل ولا رجعة فيها بسبب الفيضانات".
وأعرب عن أسفه قائلا "نفقت الحيوانات في حديقة نوفا كاخوفكا نتيجة ارتفاع منسوب المياه. نحن نشهد إبادة بيئية".
ويقول كامل إن "التأثير البيئي لتلوث المياه والتربة كارثي (...) وأثره طويل الأمد، وقد يصل إلى مسافات بعيدة جدا".
وقال مارتن غريفيث، منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة لأعضاء مجلس الأمن الدولي في جلسة عقدت، الثلاثاء، استجابة لتدمير السد، إن "ما لحق بسد كاخوفكا قد يكون أكبر حادثة تدمير لبنية أساسية مدنية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022".
وأكد أن معاناة الشعب الأوكراني ستتفاقم بسبب هذه الحادثة، وأن الفيضانات ستعطل أنشطة الفلاحة وتدمر الماشية ومصايد الأسماك وتخلف عواقب طويلة الأمد.
ووصف غريفيث الحادثة بأنها ضربة هائلة لقطاع إنتاج الغذاء المتضرر بالفعل.
تأثير واسع
ويشير كامل إلى أن "المياه الملوثة قد تنتشر لمئات الكيلومترات، والتأثير قد يطال دولا مجاورة".
وانتكبت الكثير من المناطق المبنية على ضفاف النهر، واجتاحتها المياه المتدفقة من خزان السد، وقد يستغرق التعافي من هذه الكارثة عقودا من الزمن، وفقا لتحليل "الغارديان".
ويواجه الأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحاذية للسد على طول نهر دنيبرو الأوكراني عواقب مباشرة لانهياره، وقد فروا بحثا عن الأمان بكل ما يمكنهم إنقاذه، ولكن التأثير الأوسع لذلك قد يمتد لأجيال.
وفي اتجاه مجرى النهر، سيخف الفيضان إلى حد ما مع وصول المياه إلى البحر الأسود، لكن العديد من القرى والبلدات على طول نهر دنيبرو قد لا تكون صالحة للسكن مرة أخرى، حيث جرفت الآلاف من المنازل، بالإضافة إلى عدد كبير من الحيوانات الأليفة والبرية.
وغيرت الكارثة البيئية الناجمة عن الفيضان المشهد الطبيعي في لحظة بسبب المياه والطمي، مما أدى إلى القضاء على الجزر والأراضي الرطبة. وقد يستغرق الأمر سنوات إن لم يكن عقودا حتى تعود الحيوانات والنباتات إلى طبيعتها.
وبخزان يبلغ 18 مليار متر مكعب، كان نوفا كاخوفكا أحد أكبر السدود من حيث السعة في العالم، وفقا لمحمد حيدر زاده، المحاضر الأول في قسم الهندسة المعمارية والهندسة المدنية في جامعة باث في المملكة المتحدة. وكان أكبر بـ 90 مرة من أكبر خزان سد في بريطانيا، وهو سد كيلدر في نورثمبرلاند.
وقال حيدر زاده "من الواضح أن انهيار هذا السد سيكون له بالتأكيد عواقب بيئية سلبية واسعة النطاق وطويلة الأمد ليس فقط لأوكرانيا ولكن على البلدان والمناطق المجاورة".
ولفت كامل إلى أن "الطيور التي تحط للشرب من المياه الملوثة ستتعرض لأمراض وسموم ما يتسبب بنفوقها".
وأكد أن "الزيوت تطوف على سطح الماء، لأن الزيت أثقل من المياه، وهذا يتسبب بقطع الأوكسجين بين الهواء والمياه، وبالتالي الكارثة الكبرى ستكون في حال وصلت إلى البحر الأسود، لأن مياه نهر دنيبرو تصب فيه، مما يتسبب بالقضاء على المخلوقات والنباتات البحرية".
الحلول والمعالجة
وفي إطار الحلول لمعالجة آثار هذه الكارثة البيئية، يؤكد الخبير البيئي، ضومط كامل، أن الأمر بحاجة إلى دراسة متأنية لفهم حجم وطبيعة الأضرار ومدى تأثيرها، لوضع حلول وخطط معالجة.
من جهته أكد غريفيث أن حجم الكارثة سيتضح بشكل كامل في الأيام المقبلة، وإن كان من الواضح أنها ستخلف عواقب جسيمة وواسعة على الناس في جنوب أوكرانيا على جانبي الخطوط الأمامية بما في ذلك عبر فقدان المنازل والغذاء والمياه الآمنة وسبل كسب الرزق.
وأشار إلى أن معاناة الشعب الأوكراني ستتفاقم بسبب هذه الحادثة، وأضاف: "من المتوقع أن تزداد الاحتياجات الإنسانية الفورية مع تقدم اجتياح مياه الفيضان خلال الأيام المقبلة ومع مواصلة تقييم الوضع. إن السد مصدر رئيسي للري الزراعي في جنوب خيرسون وشبه جزيرة القرم. الفيضانات (...) ستعطل أنشطة الفلاحة وتدمر الماشية ومصايد الأسماك وتخلف عواقب طويلة الأمد".
ويقول كامل إن "كل كارثة كبرى لها حلول خاصة بها، وإدارة كل كارثة تختلف عن الأخرى، يجب بداية معرفة وتحديد كمية الزيوت التي تسربت بدقة، وكم الكمية التي تسربت عبر مياه النهر وعبر التربة، بالإضافة إلى معرفة نوعية الزيوت، وكعلماء بيئة نبحث عن أدق التفاصيل لوضع خطط علمية للمعالجة".