قضية الفساد الجديدة جاءت وسط تعثر الهجوم الأوكراني المضاد
قضية الفساد الجديدة جاءت وسط تعثر الهجوم الأوكراني المضاد

في ظل تعثر الهجوم المضاد لاستعادة أراضيها المحتلة من روسيا، كشفت أوكرانيا، ليل السبت الأحد، عن قضية فساد جديدة طالت مؤسستها العسكرية.

ومنذ اجتياح القوات الروسية في فبراير 2022، عانت كييف من قضايا فساد في مؤسساتها الرسمية لدرجة أن الرئيس، فولوديمير زيلينسكي، أقال وزير دفاعه، أوليكسي ريزنيكوف.

وذكرت شبكة "سي إن إن" في أكتوبر الماضي أن زيلينسكي يواجه ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة لبذل المزيد من الجهود لمكافحة الفساد الحكومي في أوكرانيا.

وطبقا لتقرير الشبكة الأميركية في ذلك الوقت، فإن المسؤولين في إدارة الرئيس، جو بايدن، أوضحوا أن الأشكال الأخرى من المساعدات الأميركية قد تكون معرضة للخطر إذا لم تبذل أوكرانيا المزيد من الجهود لمعالجة الفساد.

وآنذاك، قال مسؤول أميركي مطلع على الجهود لشبكة "سي إن إن" الإخبارية دون الكشف عن هويته: "كانت الرسالة الموجهة إلى الأوكرانيين دائما هي أنه إذا تم اختلاس أي من هذه الأموال، فإن ذلك يعرض جميع المساعدات الأمريكية للبلاد للخطر".

ومع ذلك، استبعد محللون أن تؤثر قضايا الفساد في كييف على المساعدات المالية والعسكرية التي تقدمها الدول الغربية لأوكرانيا.

"تفتيش" مباشر

وقال مدير مركز "فيجن" للدراسات الاستراتيجية في كييف، سعيد سلام، إن "الحلفاء يعرفون أن أوكرانيا بحاجة إلى هذه الأموال من أجل دعم الاقتصاد" في زمن الحرب.

وأضاف سلام في حديثه لموقع "الحرة" أن هذه القضايا "قد تثير جدلا حول الدعم المالي المباشر للحكومة الأوكرانية، لكنها لن تؤثر على تقديم المساعدات العسكرية للجيش".

وفي هذا الإطار، قال الأكاديمي والمحلل السياسي الخبير في الشؤون الأوكرانية، خليل عزيمة، إن "الكشف عن حالات الفساد لن يؤثر على الدعم الغربي".

وفي الوقت نفسه، يقوم الاتحاد الأوروبي بالتفتيش في صفقات الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا والتدقيق فيها للتأكد من شفافية الموردين، حسبما ذكر عزيمة في تصريحاته لموقع "الحرة".

ويعتبر دور الأسلحة والمساعدات المالية التي تقدمها الولايات المتحدة وبقية الحلفاء، حاسم في مساعدة الدولة الموالية للغرب في معركتها ضد الغزو الروسي.

وكانت وكالة الاستخبارات والأمن الأوكرانية كشفت أن مسؤولين عسكريين ورجال أعمال أوكرانيين اختلسوا 40 مليون دولار من الأموال المخصصة لشراء أسلحة في بداية الحرب التي شنتها موسكو.

وحدث الاختلاس في أغسطس 2022، أي بعد 6 أشهر على بدء الغزو الروسي للبلاد، وذلك في إطار شراء 100 ألف قذيفة هاون من الخارج لم يتم تسليمها أبدا، وفقاً لبيان صادر عن جهاز الأمن الأوكراني.

وظهرت عدة قضايا فساد في أوكرانيا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، خصوصا داخل وزارة الدفاع.

وفي أغسطس 2023، طرد الرئيس زيلينسكي كل المسؤولين الإقليميين المعنيين بالتجنيد العسكري، بسبب الإعفاءات الممنوحة في مقابل رشاوى.

وقال سلام إن "قضايا الفساد في أوكرانيا ليست وليدة الحرب الروسية"، مردفا: "يجب أن نعلم أن قضايا الفساد في جميع دول الاتحاد السوفياتي السابقة مستشرية بشدة منذ 30 عاما".

وجاءت قضية الاختلاس الجديدة بعد شهر على اعتقال مسؤول كبير بوزارة الدفاع الأوكرانية بسبب مزاعم عن اختلاس 1.5 مليار هريفنيا (40 مليون دولار) في قضية منفصلة تتعلق بعقد قذائف مدفعية.

وقال عزيمة إن الكشف عن قضايا الفساد في أوكرانيا ينال "استحسان غربي"، مضيفا أن "محاربة الفساد من أولويات الحكومة الأوكرانية".

وتابع: "عمليات الكشف عن الفساد في وزارة الدفاع سيعطي وضعا إيجابيا للحكومة الأوكرانية أمام الغرب".

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قالت بريطانيا، وهي من أقوى مؤيدي كييف، إنها ستزيد دعمها لأوكرانيا في السنة المالية المقبلة إلى 2.5 مليار جنيه إسترليني (3.19 مليار دولار).

من جهته، قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في وقت سابق من يناير، إنه سيزور أوكرانيا في فبراير المقبل لوضع اللمسات النهائية على اتفاق ضمانات أمنية ثنائي ستسلم بموجبه باريس أسلحة أكثر تطورا لكييف، بما في ذلك صواريخ كروز طويلة المدى.

لكن المشرعين الجمهوريين في الكونغرس الأميركي قادوا حملة لوقف جهود الإدارة بتقديم مساعدات إضافية إلى أوكرانيا، رافضين إقرار حزم جديدة في الميزانية ما لم يوافق الديمقراطيون أولا على اتخاذ إجراءات شاملة وصارمة ضد الهجرة غير الشرعية على الحدود مع المكسيك.

"استثمار في الأمن الأوروبي"

وقدمت واشنطن دعما عسكريا لحليفتها كييف بأكثر من 43 مليار دولار منذ اجتياح القوات الروسية لجارتها الواقعة في أوروبا الشرقية.

ويعتقد سلام أن استمرار أوكرانيا في الكشف عن عمليات الفساد في الجيش والمؤسسات الحكومية الأخرى "يحمل رسالة مهمة جدا للحلفاء الغربيين وأخرى للجمهور الداخلي".

وقال إن الرسالة للدول الغربية مفادها "أن السلطات تعمل بقوة على مكافحة الفساد، وهي يعزز من مصداقيتها"، موضحا أن الرسالة الداخلية تشدد على أن مثل تلك العمليات "لن تمر كما كانت تمر سابقا".

أغلب الإقالات في وزارة الدفاع الأوكرانية ترتبط بملفات الفساد ـ صورة أرشيفية.
"الخيانة" و"الفساد" وأسباب أخرى.. قائمة طويلة لمسؤولين أوكران أقيلوا قبل ريزنيكوف
في أكبر تغيير بالمؤسسة الدفاعية الأوكرانية منذ بداية الغزو الروسي، أعلن الرئيس الأوكراني، الأحد، عن إقالة وزير الدفاع، أولكسي ريزنيكوف، في قرار هو الأحدث ضمن سلسلة استقالات وإعفاءات بحق عدد من مسؤولي الجيش والدفاع الأوكراني.

وبعد أن احتلت المرتبة 122 من بين 180 دولة في مؤشر إدراك الفساد لعام 2021 التابع لمنظمة الشفافية الدولية، تقدمت أوكرانيا للمرتبة 116 في العام 2022. ولم تصدر المنظمة تصنيف العام 2023 حتى الآن.

ورأى محللون أن تصميم كييف على مكافحة الفساد يأتي أيضا لتحقيق متطلبات عضوية الاتحاد الأوروبي.

وقال عزيمة: "اعتقد أن استمرار الحكومة الأوكرانية بمحاربة الفساد أمر خاضع لدعم غربي، وخاصة أنها من متطلبات الإصلاحات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".

ويتفق سلام مع عزيمة في الرأي قائلا إن البلاد "تعمل بشكل كبير وقوي على تنفيذ المتطلبات الاتحاد الأوروبي في مكافحة الفساد الاقتصادي والسياسي".

ولذلك، فإن المساعدات الغربية "لن تتأثر" على اعتبار أن هذا الدعم "هو استثمار في الأمن الأوروبي"، بحسب سلام.

ومضى في قوله: "في حال انهيار أوكرانيا واحتلالها من قبل روسيا، فإن الأخيرة ستتوسع لاحقا في حربها ضد دول أخرى في الاتحاد الأوروبي مما ينقل الصراع إلى حرب عالمية شاملة بدخول الناتو للدفاع عن الدول المنضوية تحته". 

مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا توقفت تماما في يونيو 2022
مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا توقفت تماما في يونيو 2022

قالت صحيفة "وول ستريت جورنال"، الجمعة، إنها اطلعت على وثيقة صادرة بعد غزو روسيا لأوكرانيا بعدة أسابيع تظهر شروط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوقيع معاهدة سلام مع أوكرانيا، ومن بينها تحويلها لدولة محايدة معرضة بشكل دائم للعدوان العسكري الروسي.

وذكرت الصحيفة أن بوتين ألمح علنا في الأسابيع الأخيرة إلى أنه سيكون منفتحا على إجراء مناقشات لإنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط موسكو.

ووفقا للصحيفة فإنه يمكن رؤية الخطوط العريضة للاتفاق الذي يريده الرئيس الروسي على الأرجح في مسودة معاهدة السلام التي صاغها المفاوضون الروس والأوكرانيون في أبريل 2022، بعد حوالي ستة أسابيع من بدء الحرب. 

ويقول المسؤولون والمحللون الغربيون إن هذه الأهداف لم تتغير إلى حد كبير بعد عامين من القتال وتتضمن "تحويل أوكرانيا إلى دولة محايدة معرضة بشكل دائم للعدوان العسكري الروسي".

الصحيفة بينت أن الوثيقة المكونة من 17 صفحة، واطلعت عليها وول ستريت جورنال وأشخاص آخرون مطلعون على المفاوضات، لم تنشر بعد بشكل رسمي.

وتوضح الوثيقة، المؤرخة في 15 نيسان 2022، كيف سعى المفاوضون من الجانبين إلى إنهاء القتال من خلال الاتفاق على تحويل أوكرانيا إلى "دولة محايدة بشكل دائم لا تشارك في كتل عسكرية"، بحسب الصحيفة.

كذلك تضمنت الوثيقة بندا يمنع كييف من إعادة بناء جيشها بدعم غربي، فضلا عن ترك شبه جزيرة القرم تحت السيطرة الروسية الفعلية.

في نهاية المطاف، تقول الصحيفة إن الجانبين لم يتوصلا لاتفاق حول البنود الواردة في الوثيقة، واستمرت الحرب لغاية اليوم، فيما تؤكد أوكرانيا حاليا أنها لن تبدأ أي محادثات سلام حتى تسحب روسيا قواتها من البلاد.

وتشير الصحيفة إلى أن الرأي العام الأوكراني بات مناهضا لأي اتفاق سلام مع روسيا بعد عامين من اندلاع الحرب، فيما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرارا من أن أي وقف للأعمال العدائية من شأنه ببساطة أن يسمح لروسيا بإعادة التسلح ومهاجمة أوكرانيا بشكل أفضل في المستقبل. 

تظهر الوثيقة كذلك حجم التنازلات الكبيرة التي كان المفاوضون من الجانب الأوكراني يدرسونها بينما كانت كييف تكافح في الأسابيع الأولى من الحرب. 

وتلفت الصحيفة إلى أن الوثيقة تعد بمثابة تذكير بالتسويات التي قد تحاول روسيا إجبار أوكرانيا على قبولها إذا نضب الدعم العسكري الغربي وحققت روسيا مكاسب إقليمية كبيرة.

تنص مسودة المعاهدة كذلك على السماح لأوكرانيا بالسعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، لكن لن يُسمح لها بالانضمام إلى تحالفات عسكرية مثل منظمة حلف شمال الأطلسي، وأيضا لن يُسمح بوجود أي أسلحة أجنبية على الأراضي الأوكرانية.

كذلك تطلب الوثيقة تقليص حجم الجيش الأوكراني إلى أبعد حد، حيث سعت روسيا لتقليص عدد القوات العسكرية والدبابات وكذلك مدى الصواريخ الذي يجب على أوكرانيا امتلاكها.

أيضا تضمنت الوثيقة بندا يطلب بقاء شبه جزيرة القرم، التي تحتلها روسيا بالفعل، تحت نفوذ موسكو ولن تعتبر أرضا محايدة. 

ودفعت موسكو كذلك من أجل أن تعمل اللغة الروسية على قدم المساواة مع اللغة الأوكرانية في الحكومة والمحاكم، وهو بند لم توقع عليه كييف، وفقا لمسودة الوثيقة.

ولم يتم تضمين مستقبل منطقة شرق أوكرانيا التي غزتها روسيا واحتلتها سرا في عام 2014، في المسودة، مما ترك الأمر لبوتين وزيلينسكي لاستكماله في محادثات مباشرة، فيما لو تمت.

وكان من المقرر أن تتضمن المعاهدة توصيف للقوى الأجنبية المدرجة في الوثيقة وتشمل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وفرنسا وروسيا، حيث يتم تكليف هذه الدول بمسؤولية الدفاع عن حياد أوكرانيا في حالة انتهاك المعاهدة. 

وبينما تظل المعاهدة سارية، سيُطلب من الضامنين "إنهاء المعاهدات والاتفاقيات الدولية، التي تتعارض مع الحياد الدائم لأوكرانيا"، بما في ذلك أي وعود بتقديم مساعدات عسكرية ثنائية. 

ولن تنطبق الضمانات الأمنية الدولية على شبه جزيرة القرم ومنطقة سيفاستوبول الساحلية، بحسب ما جاء في الوثيقة.

وتقول الصحيفة إن الجولة الأولى من محادثات السلام المؤقتة بين كييف وموسكو بدأت بعد أيام فقط من الغزو الروسي الذي انطلق في فبراير 2022. 

في تلك الفترة، التقى المفاوضون الروس والأوكرانيون في البداية في بيلاروسيا قبل الانتقال إلى تركيا ومواصلة المحادثات بشكل متقطع حتى أبريل. 

وتقول الصحيفة إن الوثيقة تستند بشكل فضفاض إلى معاهدة عام 1990 التي أنشأت ألمانيا الموحدة، حيث انسحبت قوات الاتحاد السوفيتي من ألمانيا الشرقية بشرط تخلي البلاد عن الأسلحة النووية وتحديد حجم جيشها.

تضمنت مسودة المعاهدة مع أوكرانيا حظر وجود جميع الأسلحة الأجنبية "بما في ذلك الصواريخ من أي نوع والقوات والتشكيلات المسلحة". 

وأرادت موسكو أن يكون عدد القوات المسلحة الأوكرانية 85 ألف جندي و342 دبابة و519 قطعة مدفعية. 

بالمقابل طلب المفاوضون الأوكرانيون أن تمتلك كييف 250 ألف جندي و800 دبابة و1900 قطعة مدفعية، بحسب الوثيقة، فيما أرادت روسيا أن يكون مدى الصواريخ الأوكرانية محددا بـ 40 كيلومترا.

وظلت قضايا أخرى معلقة، وأبرزها ما يمكن أن يحدث إذا تعرضت أوكرانيا للهجوم، حيث أرادت روسيا أن تتفق جميع الدول الضامنة على الرد، مما يعني أن الرد الموحد غير مرجح إذا كانت روسيا نفسها هي المعتدية. 

وفي حالة وقوع هجوم على أوكرانيا، أراد المفاوضون الأوكرانيون إغلاق مجالها الجوي، الأمر الذي يتطلب من الدول الضامنة فرض منطقة حظر طيران، وتوفير الأسلحة من قبل الدول الضامنة، وهو بند لم توافق عليه روسيا.

كذلك أرادت روسيا إضافة بيلاروسيا كضامن، فيما طلبت أوكرانيا إضافة تركيا. 
وتبين الصحيفة أن المفاوضات استمرت، وكانت أحيانا تجري عبر تطبيق زووم، لكنها توقفت تماما في يونيو 2022.