جنود أوكرانيون في خط المواجهة على حدود منطقتي خاركيف ولوغانسك في 3 نوفمبر 2022
جنود أوكرانيون في خط المواجهة على حدود منطقتي خاركيف ولوغانسك في 3 نوفمبر 2022

على الرغم من علم أوكرانيا بنوايا روسيا لشن هجوم صيفي، إلا أنها لم تكن متأكدة من الموقع الذي ستنطلق منه القوات الروسية. ومع اجتياح هذه الأخيرة للمنطقة الحدودية شمال مدينة خاركيف في العاشر من مايو، فقد بدأت ملامح الخطة الروسية في الاتضاح، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". 

ومنذ نحو أسبوع، تمكنت روسيا من السيطرة على عدة قرى قرب الحدود وسط محاولاتها المستمرة للتقدم، بينما تسعى القوات الأوكرانية التي تعاني من نقص في التسليح، جاهدة لصد الهجوم.

إقامة منطقة عازلة أم توسيع السيطرة

وكشف محللون عسكريون لـ"بي بي سي"، أنه بعد سيطرة القوات الروسية على مدينة فوفتشانسك الواقعة على بعد 5 كيلومترات داخل الحدود الأوكرانية، وتوسيعها لنفوذها على حيز كبير من الأراضي المحيطة بمدينة خاركيف، قد تسعى إلى تأسيس منطقة عازلة تحمي حدودها من أي هجمات أوكرانية محتملة.

ورجح محللون أن تكون لموسكو خطط "أكثر طموحا بكثير"، بعد أن شاهدوا الحالة السيئة نسبيا لدفاعات أوكرانيا.

ومنذ فترة، يتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إنشاء "منطقة عازلة" التي ستحمي منطقة بيلغورود الجنوبية من هجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ وأيضا من التوغلات التي تنفذها اثنتين من القوات شبه العسكرية الروسية المعارضة للكرملين والتي تتمركز في أوكرانيا.

وصرّح سيرجي شويغو، الذي تولى مؤخرا منصب رئيس مجلس الأمن الروسي، بأن القوات الروسية تحرز تقدما على كافة الجبهات دون الخوض في التفاصيل.

وقد تنطوي تصريحات شويغو على احتمالية توغل روسي أعمق في الأراضي الأوكرانية، سواء بهدف دفع كييف إلى سحب قواتها من خط المواجهة الساخن في دونباس شرق البلاد، أو للاستيلاء على المزيد من المناطق الأوكرانية.

ويرجح معهد "دراسة الحرب" أن الهدف الأساسي للعملية العسكرية الروسية هو إنشاء منطقة عازلة على الحدود، وهو ما يتفق معه المحلل العسكري الروسي، أناتولي ماتفيتشوك.

وتتقدم القوات الروسية أيضا باتجاه قرية ليبتسي التي تقع على مسافة 20 كيلومترا من الضواحي الشمالية لمدينة خاركيف. ويقول ماتفيتشوك: "بإمكاننا رؤية ضواحي خاركيف عمليا باستخدام المناظير". 

وفقا لتقديرات كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، فإن روسيا تعتزم شن هجوم آخر عابر للحدود باتجاه مدينة سومي الواقعة في شمال غرب أوكرانيا. 

ويعتقد بودانوف أن "مجموعة صغيرة من القوات" الروسية تتركز في تلك المنطقة وجاهزة للتحرك والمضي قدماً في الهجوم المرتقب.

وبحسب الهيئة البريطانية، فإن المستجدات الأخيرة، تشير إلى أن الهدف الروسي المقبل قد يكون السيطرة على خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، وإخضاعها للسيطرة الروسية.

هل خاركيف معرضة للخطر؟

وقبل اندلاع الحرب، كان عدد سكان مدينة خاركيف يبلغ 1.4 مليون نسمة، مما يجعلها ثالث أهم مدينة في أوكرانيا من الناحية الاقتصادية بعد العاصمة كييف ومدينة دنيبرو.

ونظرا لقربها الشديد من الحدود، تفتقر خاركيف إلى دفاعات جوية كافية، وقد تعرضت مرارا لقصف روسي مدمر بصواريخ باليستية وصواريخ مضادة للطائرات معدلة وقنابل انزلاقية.

ويرى المحلل العسكري ماتفيتشوك، أن سيطرة روسيا على خاركيف ستشكل "نقطة تحول" في مسار الحرب، وستوجه ضربة قوية للقدرات الصناعية الأوكرانية.

لكن هذا السيناريو يبدو مستبعدا إلى حد كبير، إذ أن المراقبين الأوكرانيين والغربيين على قناعة بأن روسيا تفتقر إلى الموارد اللازمة لتحقيق ذلك. 

وخلال زيارة له إلى خاركيف، أكد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي أن الوضع في المنطقة "تحت السيطرة بشكل عام"، رغم أن الأوضاع لا تزال بالغة الصعوبة.

من جانبه، يقول أولكساندر موسيينكو، رئيس مركز الدراسات العسكرية والسياسية في كييف، إن "الاستراتيجية الروسية تهدف إلى محاصرة خاركيف باعتبارها مركزا إقليميا".

وبهذه الطريقة، لن يقتصر الأمر على إنشاء منطقة عازلة بعمق 10-15 كم فحسب، بل سيتيح ذلك لروسيا خيار مهاجمة خاركيف في وقت لاحق.

ويشير المدون العسكري الأوكراني، يوري بوتوسوف، إلى ارتكاب العديد من الأخطاء في الدفاع عن الحدود. والآن، بعد أن رأت القوات الروسية ضعف خطوط الدفاع الأوكرانية، قد تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة ورأس جسر للتوغل بشكل أعمق في الأراضي الأوكرانية، مؤكداً: "هذا هو هدفهم بكل تأكيد".

روسيا تركز على الشرق

وعلى مدى عدة أشهر، استمرت الحرب بوتيرة بطيئة، حيث حققت القوات الروسية مكاسب طفيفة بتكلفة بشرية باهظة، لا سيما في منطقة دونيتسك الشرقية.

ويرى جاك واتلينغ من "المعهد الملكي للخدمات المتحدة"، أن الهدف الأساسي من الهجوم الصيفي هو "توسيع نطاق التقدم الروسي في دونباس"، بغية قطع خطوط الإمداد ومنح القوات الروسية طريقا للتقدم شمالا وجنوبا.

وبعد ثلاثة أشهر من السيطرة على أفدييفكا، وضعت القوات الروسية نصب أعينها أهدافا أخرى في منطقة دونيتسك إلى الشمال الغربي، بما في ذلك بلدة تشاسيف يار الاستراتيجية الواقعة على قمة تل.

وبحسب روب لي من معهد "أبحاث السياسة الخارجية"، فإن القوات الأوكرانية التي كانت متمركزة في تشاسيف يار نُقلت على الأرجح إلى خاركيف، مما أدى إلى تقليص عدد الوحدات المتاحة هناك.

وأضاف أن "خسارة تشاسيف يار ستجعل المدن الأوكرانية في دونباس أكثر عرضة للهجوم الروسي".

ومن خلال إجبار أوكرانيا على تخصيص قوات ودفاعات جوية ومدفعية للدفاع عن ثاني أكبر مدنها، سيتم الضغط أيضا على خط الجبهة الجنوبي بالقرب من نهر دنيبرو، مما يشكل تهديدا لمدينة زابوريجيا الكبيرة جنوب شرق البلاد.

واستولت القوات الروسية بالفعل على قرية جنوبية واحدة كانت أوكرانيا قد استعادتها الصيف الماضي. وحتى لو كانت أوكرانيا لا تزال تسيطر على قرية روبوتين، فمن الواضح أن الهجوم الروسي في الشمال يضع ضغطا هائلا على القوات الأوكرانية التي تعاني من نقص العدد في مناطق أخرى.

فولوديمير زيلينسكي
فولوديمير زيلينسكي (أرشيف)

قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن قادة عسكريين من دول غربية سوف يبحثون، يوم الجمعة ، إمكانية نشر قوات في أوكرانيا للمساعدة في مراقبة وقف إطلاق نار محتمل، والمساهمة في بناء هيكل أمني جديد للبلاد.

و أوضح زيلينسكي أن بلاده باتت تتوقع "ردودًا أكثر تحديدًا" من شركائها بشأن استعدادهم للمشاركة في هذا المسار، مشيرًا إلى أن الاجتماع المنتظر سيضم ممثلين عسكريين من الدول الحليفة، وأن أساس هذا الهيكل الأمني هو "جيش أوكراني قوي بما يكفي لحماية البلاد".

وأكد الرئيس الأوكراني أنه ناقش هذا الملف في كييف خلال لقائه بوزيرة الخارجية الألمانية المنتهية ولايتها، أنالينا بيربوك، لافتًا إلى وجود "دائرة ضيقة من الدول" أبدت استعدادها لإرسال قوات في هذا الإطار، من بينها فرنسا والمملكة المتحدة.

وتعارض روسيا بشدة أي نشر لقوات أجنبية في الأراضي الأوكرانية، معتبرة ذلك انتهاكًا للسيادة وتصعيدًا في النزاع.

كما أشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا قد أبلغت واشنطن بجميع تفاصيل "الانتهاكات الروسية للبنية التحتية للطاقة"، بعد تعرض منشآت حيوية في مدينة خيرسون لقصف استهدفها "بشكل متعمد"، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن أجزاء من المدينة.

وأكد زيلينسكي أن بلاده تطالب بتوثيق كل تلك الانتهاكات والرد عليها، لأن "هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يؤدي في النهاية إلى تأخير روسيا لمسار التسوية الدبلوماسية".

وكان البيت الأبيض قد أعلن، في 25 مارس الماضي، التوصل إلى اتفاق بين كييف وموسكو لوقف استهداف منشآت الطاقة، بالتزامن مع هدنة تسمح باستئناف الملاحة في البحر الأسود. 

وأعلنت كييف أن الاتفاق سيدخل حيّز التنفيذ فورًا، فيما اشترطت موسكو رفعًا جزئيًا للعقوبات المفروضة على شركاتها وبنوكها المرتبطة بالتجارة الغذائية.

وأثناء زيارتها إلى مولدوفا بعد مغادرتها أوكرانيا، أكدت بيربوك أن "السلام لا يُفرض فوق رؤوس الأوروبيين أو الأوكرانيين"، مشددة على رفض أي حلول لا تحترم الإرادة الشعبية.

الحرب في أوكرانيا مستمرة منذ 3 سنوات
روسيا ترهن الاتفاق مع أوكرانيا بـ"شروط".. وزيلنسكي يندد بعد "هجوم واسع"
قال الكرملين، الأربعاء، إنه سيكون من الممكن تفعيل الاتفاقية الأمنية الخاصة بالبحر الأسود بعد استيفاء "عدد من الشروط"، فيما انتقد الرئيس الأوكراني، فوولديمير زيلينسكي، ما وصفها بـ"هجمات روسية واسعة النطاق"، بعد ساعات من إعلان الاتفاق.

وجددت الوزيرة الألمانية التأكيد على موقف حكومتها القائل إن العقوبات المفروضة على روسيا "لن تُرفع من دون تحقيق السلام"، حسب  موقع"راديو أوروبا الحرة".

وخلال المؤتمر الصحفي في كيشيناو، أشارت بيربوك إلى أن الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية مستمرة، رغم إعلان موسكو نيتها وقف استهداف منشآت الطاقة، ووصفت الوضع بأنه "تناقض صارخ" مع التصريحات الروسية.

وفي سياق متصل، أعلنت ألمانيا عن تخصيص 130 مليون يورو إضافية كمساعدات إنسانية وتمويل لمشاريع الاستقرار في أوكرانيا، ليرتفع إجمالي الدعم الألماني منذ بدء الغزو الروسي في فبراير 2022 إلى 7 مليارات يورو.

وثمّن زيلينسكي الدعم الألماني ووصفه بـ"المنتظم والمتماسك"، مشيرًا إلى أن الثبات في تقديم الدعم هو عنصر أساسي في مقاومة العدوان الروسي، حيث قال إن "بوتين يراهن على توقف الإمدادات، والخلافات بين الحلفاء، وكل مظهر من مظاهر الاضطراب".