التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية لا تعد ظاهرة جديدة (تعبيرية)
التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية لا تعد ظاهرة جديدة (تعبيرية)

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024، تزداد حدة المعركة ضد التضليل الروسي. وتحركت إدارة الرئيس، جو بايدن، بخطوات كبيرة لتعطيل هذه الحملات وحماية العملية الانتخابية. لكن جهود موسكو للتلاعب بالناخبين واستغلال الانقسامات السياسية لا تزال تمثل تهديدا قويا.

ويعكس استخدام وسائل الإعلام المدعومة من الدولة مثل شبكة (RT) أو "Russia Today" (روسيا اليوم)، إلى جانب الحملات المتطورة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي مثل دوبلغانغر، مدى استعداد الكرملين للتأثير على السياسة الأميركية.

والتدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية لا تعد ظاهرة جديدة. فمنذ الانتخابات الرئاسية، عام 2016، ظهرت أمثلة عديدة على حملات مدعومة من روسيا تهدف إلى نشر الأخبار الزائفة وإثارة الفتن، ومحاولة التأثير على نتيجة الانتخابات.

وكان لوسائل الإعلام الروسية المدعومة من الدولة مثل شبكة (RT) وغيرها من المنصات دور كبير في انتخابات 2016، حيث روجت لأخبار كاذبة واستخدمت الروبوتات الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي لتضخيم الرسائل المثيرة للانقسام.

تستخدم روسيا شبمات إعلامية لبث معلومات مضللة تستهدف الناخبين الأميركيين

واستهدفت هذه الأنشطة المرشحين والناخبين على حد سواء، بهدف إلحاق الضرر بحملة، هيلاري كلينتون، ودعم دونالد ترامب، كما خلصت تقارير استخباراتية أميركية متعددة.

وفي انتخابات 2024، تتصاعد المخاطر مرة أخرى، حيث تستمر روسيا في مواجهة إدانة دولية وعقوبات اقتصادية بسبب غزوها لأوكرانيا.

ويعتبر أن للحكومة الروسية، تحت قيادة فلاديمير بوتين، مصلحة كبيرة في تشكيل السياسات الأميركية بما يتماشى مع أهدافها الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بالدعم الأميركي لأوكرانيا.

وقد حذرت وكالات الاستخبارات الأميركية من أن روسيا ترى في الانتخابات المقبلة فرصة للتأثير على تغييرات محتملة في السياسة الخارجية الأميركية.

أدوات معقدة

تعد شبكة (RT)، التابعة للدولة الروسية، واحدة من أكثر الأدوات فعالية التي تستخدمها روسيا لنشر المعلومات المضللة على المستوى العالمي.

ففي عام 2024، أفاد مسؤولون أميركيون أن شبكة (RT)، إلى جانب جهات أخرى مدعومة من روسيا، تقف مرة أخرى في قلب حملة تأثير متطورة تستهدف الانتخابات الأميركية 2024.

ووفقا لما كشفته وزارة العدل الأميركية، فإن اثنين من موظفي (RT) خصصوا ما يقرب من  10 ملايين دولار لإنشاء شركة في ولاية تينيسي الأميركية تعمل كواجهة لإنتاج محتوى عبر الإنترنت يهدف إلى إثارة الانقسامات داخل الولايات المتحدة.

تستخدم روسيا الذكاء الاصطناعي لبث معلومات مضللة تستهدف الناخبين الأميركيين

وتضمنت هذه العملية إنشاء ما يقرب من 2000 فيديو نشرت على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وإكس، والتي حصدت مجتمعة أكثر من 16 مليون مشاهدة.

وصممت هذه الفيديوهات لتبدو وكأنها محتوى أميركي أصيل، وتتناول قضايا سياسية مثيرة للجدل بينما تروج للسرديات المؤيدة لروسيا.

ويُعد استخدام المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينشرون هذه الرسائل من دون علمهم جزءا مهما من حملة التضليل الروسية التي تستهدف الانتخابات الأميركية 2024.

حملة "دوبلغانغر"

برزت حملة التضليل الروسية المعروفة باسم "دوبلغانغر" كإحدى أكبر الأنشطة التي تدعمها موسكو للتأثير على انتخابات 2024.

وتشمل هذه الحملة إنشاء مواقع إخبارية زائفة تحاكي وسائل إعلام أميركية معروفة مثل "واشنطن بوست" و"فوكس نيوز".

وهذه المواقع تنشر محتوى يتماشى مع المصالح الروسية، لا سيما في محاولاتها لتشويه سمعة أوكرانيا وتقويض الدعم الأميركي لكييف ضد العدوان الروسي.

ووفقا لمسؤولي الاستخبارات الأميركية، يدير حملة دوبلغانغر، سيرغي كيرينكو، أحد الشخصيات الرئيسية في إدارة بوتين.

وتستخدم الحملة الذكاء الاصطناعي والروبوتات لإنشاء شخصيات زائفة تدعي أنها مواطنين أميركيين، وتقوم بنشر معلومات مضللة عبر قنوات التواصل الاجتماعي. 

وهذه الأنشطة الأخيرة تشبه إلى حد كبير الحملات الروسية السابقة مثل تلك التي جرت في انتخابات 2016 و2020، ولكنها تطورت باستخدام أدوات تكنولوجية جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، مما يجعل من الصعب اكتشافها والتصدي لها.

الرد الأميركي

ومع تزايد خطر التدخل الروسي في الانتخابات، وخاصة يوم التصويت في الخامس من نوفمبر المقبل، أطلقت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، سلسلة من الإجراءات لمكافحة التضليل الروسي. وخاصة حملة "دوبلغانغر"؟

وكشف المدعي العام الأميركي، ميريك غارلاند، توجيه اتهامات ضد اثنين من موظفي شبكة (RT) متورطين في حملات تضليل سرية، منها تأسيس الشركة في تينيسي. بالإضافة إلى مصادرة 32 نطاقا على الإنترنت تستخدم ضمن حملة "دوبلغانغر".

واستخدمت هذه النطاقات لنشر سرديات كاذبة حول الحرب في أوكرانيا، بهدف التأثير على الناخبين الأميركيين.

المدعي العام غارلاند قال إن "الشعب الأميركي يستحق معرفة متى تحاول قوة أجنبية التأثير على أفكاره وتوجيه النقاشات العامة لصالحها".

عقوبات تطال 6 مسؤولين في آر تي. أرشيفية
"ذكاء اصطناعي" و"استغلال" المؤثرين.. تفاصيل العقوبات الأميركية على أفراد روس
عقوبات وملاحقات قضائية فرضتها إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن بحق مسؤولين روس يتهمون في محاولة "التأثير على الانتخابات الأميركية" التي ستجرى في 2024، والتي يختار فيها الأميركيون الرئيس المقبل للبلاد.

وأضاف أن مثل هذه الحملات "لن تمر دون محاسبة". وأن هذه ليست المرة الأولى التي تكشف فيها الولايات المتحدة عن محاولات روسية للتدخل في الانتخابات الأميركية.

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركات وأفراد روسيين متورطين في هذه الحملات، بما في ذلك رئيسة تحرير شبكة (RT)، مارغريتا سيمونيان، ومساعديها.

وتستهدف العقوبات الأصول والموارد التي تمول عمليات التضليل، بهدف تقويض قدرتهم على نشر المعلومات الكاذبة.

كما وضعت الإدارة الأميركية نظام مكافآت، يصل إلى 10 ملايين دولار، لمن يقدم معلومات تؤدي إلى تعطيل التدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية.

وهذا الجهد، الذي يأتي جنبا إلى جنب مع التحقيقات المستمرة التي تقودها قوة المهام التابعة لوزارة العدل الأميركية والمعنية بالتهديدات الانتخابية، يمثل تحركا كبيرا ضد التأثير الروسي الذي يستهدف الانتخابات الرئاسية 2024.

ضمان أمن الانتخابات

وعلى الرغم من هذه الحملات التضليلية الأجنبية، أكد المسؤولون الأميركيون أن البنية التحتية للانتخابات آمنة.

وعملت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) على ضمان أن 97 بالمئة من الناخبين في انتخابات 2024 سيقومون بالإدلاء بأصواتهم في دوائر انتخابية توفر سجلات ورقية قابلة للتحقق، مما يزيد من الشفافية ويقلل من مخاطر التلاعب بنتائج الأصوات.

وأشارت جين إيسترلي، مديرة وكالة (CISA)، إلى أنه رغم أن روسيا ودولا أخرى قد تحاول التلاعب بتصورات الناخبين ونشر المعلومات المضللة، فإن عملية التصويت الفعلية تبقى قوية ومحمية بشكل جيد.

وشدد المسؤولون الأميركيون على أنه، حتى الآن، لا يوجد دليل على أن أي حملة تضليل، سواء كانت أجنبية أو محلية، قد نجحت في تغيير عدد الأصوات في الانتخابات السابقة.

شبكات إعلامية مرتبطة بالكرملين

وفق تقرير خاص أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، في عام 2022، فإن شبكتي"RT" و"سبوتنيك" عملتا كأدوات فعالة لنشر المعلومات المضللة بما يخدم أهداف الكرملين.

ويكشف التقرير أن هاتين الشبكتين جزء أساسي من النظام البيئي للدعاية الروسية، وتحت إشراف مباشر من الحكومة الروسية.

وتركز هذه القنوات على تقديم وجهات نظر تخدم السياسات الخارجية للكرملين، مستخدمة تقنيات إعلامية حديثة تغطي نطاقا واسعا من اللغات والجماهير، بما في ذلك الناطقة بالإنكليزية والعربية والإسبانية وغيرها.

ويقول التقرير إن روسيا تستخدم أساليب معقدة لتضخيم رواياتها باستخدام مجموعة من الأدوات، من ضمنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة وتضخيمها عبر قنوات متعددة.

ويظهر التقرير أن "RT" و"سبوتنيك" تعملان بالتنسيق مع ركائز أخرى للنظام البيئي للدعاية الروسية، مثل مواقع الويب الوكيلة والمنصات غير المنسوبة، التي تتواصل بدورها مع وسائل الإعلام الرسمية الروسية لتضخيم الروايات بشكل منظم.

وأحد أبرز الأمثلة على هذه الاستراتيجية هي حملة التضليل الروسية المتعلقة بانتخابات الولايات المتحدة لعام 2016، حيث كشفت وكالات الاستخبارات الأميركية عن دور روسي رئيسي في نشر وتسريب معلومات حصلت عليها عبر هجمات إلكترونية ضد مسؤولين في الحزب الديمقراطي.

وكانت "RT" و"سبوتنيك" جزءا من هذه العملية، حيث قامتا بتغطية المعلومات المسربة والترويج لها في إطار يخدم أجندة الكرملين.

وفقا للتقرير، لا تعتمد روسيا فقط على منصاتها الإعلامية لتشكيل الرأي العام، بل تستخدم أيضا وسائل التواصل الاجتماعي كأداة تضخيم للمعلومات.

فبالإضافة إلى نشر الأخبار عبر "RT" و"سبوتنيك"، تقوم حسابات زائفة وروبوتات إلكترونية بنشر نفس الروايات على منصات مثل منصتي إكس وفيسبوك، مستهدفة بذلك جمهورا عالميا لتضليلهم بشأن قضايا حساسة، مثل دعم الولايات المتحدة لحلفائها.

الفاعلون الأجانب الآخرون

وروسيا ليست القوة الأجنبية الوحيدة التي تحاول التدخل في الانتخابات الأميركية 2024.

وحددت وكالات الاستخبارات الأميركية جهودا مماثلة من دول مثل الصين وإيران. كما تم ربط قراصنة إيرانيين بعملية اختراق وتسريب استهدفت كلا من حملتي ترامب وهاريس، باستخدام استراتيجية مشابهة لتلك التي استخدمتها روسيا في 2016.

وجهود الصين في التأثير، رغم كونها أكثر دقة، تشمل أيضا استخدام حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على الناخبين الأميركيين وتشكيل الآراء حول القضايا الدولية المهمة.

والتحركات التي تقف الصين وراءها هي جزء من حملة "سباموفلاج" التي ظهرت لأول مرة في 2019، وركزت في بدايتها على نشر محتوى مؤيد لبكين ومعاد للغرب، باللغة الصينية.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، تحولت "سباموفلاج" في أنشطتها إلى استهداف الأميركيين مباشرة، عبر "محاولة زرع الشكوك" حول الإدارة الأميركية، والديمقراطية الأميركية، وفق تقرير جديد لمؤسسة Graphika.

ومنذ عام 2019، تتبعت مؤسسة Graphika حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل رموزا وطنية، مثل علم أميركا، وأسماء أميركيين يقدمون أنفسهم على أنهم ناخبون وناشطون.

وكشف تقرير للمؤسسة، صدر الثلاثاء، بأن هذه الحسابات تتبع  لحملة "سباموفلاج"، الأكثر تأثيرا، والتي ترتبط بالحكومة الصينية، وتتنكر في صورة ناخبين أميركيين لترويج روايات تهدف إلى تعميق الانقسام بين الأميركيين.

وGraphika هي مؤسسة أميركية متخصصة في مجالات الثقة والأمان، واستخبارات التهديدات السيبرانية، والاتصالات الاستراتيجية عبر صناعات تشمل الاستخبارات والتكنولوجيا والإعلام والترفيه، والمصارف العالمية.

ويكشف تقرير المؤسسة أن حملة "سباموفلاج" تستخدم أكثر من 40 منصة إلكترونية، وحسابات غير أصلية لنشر وتضخيم الفيديوهات والرسوم الكاريكاتورية التي تروج لروايات مؤيدة للصين ومعادية للغرب.

ومع ذلك، تظل روسيا التهديد الأجنبي الأكثر نشاطا، بفضل سجلها الطويل في التدخل في الانتخابات.

ويعتقد مسؤولو الاستخبارات الأميركية أن الكرملين يرى في ترامب "مرشحا مفضلا" نظرا لشكوكه في جدوى دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا. وهذا ما يجعل عمليات التأثير الروسية في انتخابات 2024 خطيرة بشكل خاص، حيث تتقاطع مباشرة مع الصراعات الجيوسياسية الجارية.

ومع استمرار وكالات الاستخبارات الأميركية في مراقبة ومكافحة التدخل الأجنبي، فإن نزاهة الانتخابات لعام 2024 ستعتمد ليس فقط على الإجراءات الحكومية، ولكن أيضا على يقظة الأميركيين الذين تستهدفهم هذه الحملات بشراسة.

خسارة مدوية للحزب الديمقراطي في انتخابات 2024. أرشيفية
خسارة مدوية للحزب الديمقراطي في انتخابات 2024. أرشيفية

لم تكن نتائج الانتخابات متقاربة، فقد فاز الجمهوري، دونالد ترامب، بكل الولايات التي كانت ساحة معركة، أو المعروفة بـ "ولايات متأرجحة"، كما فاز بالتصويت الشعبي أيضا.

وبينما اعتقد معظم الخبراء أن عملية فرز الأصوات ستستغرق أياما، فقد ظهرت النتائج خلال ساعات قليلة، لتتلون غالبية الولايات باللون الأحمر، وهو ما سيكون له تبعات على الحزب الديمقراطي.

برنامج "داخل واشنطن" الذي يقدمه، روبرت ساتلوف، ناقش في حلقته الأسبوعية كيف سيتعامل الحزب الديمقراطي بعد خسارته للسباق في البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس؟

المخطط الاستراتيجي ومستشار حملة الحزب الديمقراطي، بيتر فين قال إنه توقع الخسارة في عقله "لكنه رفض في داخله تصديق الأمر".

وأضاف "كنت مترددا حيال ما سيجري وتوقعت أن يكون مشابها لما حدث في العام 2016 حيث شعرت بقلق بالغ، كانت الأرقام متقاربة جدا ولم يكن ذلك مريحا، كانت متقاربة جدا وهذا يعني أننا سوف نخسر".

الديمقراطيون والخسارة

بايدن وهاريس (صورة أرشيفية من رويترز)

تشيب ريد، الصحفي المخضرم المتخصص بالشؤون السياسية الأميركية قال إنه كان يعتقد أن ترامب سيفوز على الأرجح، لكنه لم يكن يتوقع أن يكون الفارق كبيرا.

وأضاف "أعتقد أنه حان الوقت لتجاهل الاستطلاعات والعمل بشكل منظم معا، لأن الأمر أصبح مثيرا للسخرية خاصة عندما يكون ترامب مشاركا، حيث لا تكون الأرقام قريبة من الواقع".

من جانبها قالت ميني راكر، مراسلة سياسية لصالح موقع "ذا ديلي بيست" إنها تراهن على الأرجح على فوز كامالا هاريس، لذا "لا يمكن القول إنني توقعت ذلك، لكنني لم أتفاجأ كثيرا فقد كان هذا ضمن نطاق المحتمل".

وكانت خسارة الولايات السبع الحاسمة صادمة للعديد من الديمقراطيين، ولهذا لم تتلق حملة هاريس الخبر "بشكل جيد"، بحسب فين.

وأضاف أن خسارة الولايات الحاسمة جميعها ليست بالمؤشر الجيد و"الطريقة الوحيدة لوصف ما حدث هي أن الكثير من الديمقراطيين انطووا على أنفسهم جراء الصدمة واستمر ذلك بضعة أيام بصراحة".

وقال ريد إنه كانت هناك شكوك حيال قرار انسحاب جو بايدن من السباق بعد الأداء المروع في مناظرة يونيو، مضيفا أنا "متأكد أنه لا يزال يعتقد أنه لو بقي في السباق لتمكن من هزيمة ترامب، لكن كان على بايدن أن يتمسك بوعده بأن يكون رئيسا لفترة رئاسية واحدة، ليمثل جسرا نحو مستقبل الحزب الديمقراطي، وحينها كان الوضع سيختلف".

ويعتقد أن "الترشيح جاء في وقت متأخر خاصة بالنسبة لشخصية لم تترك أي بصمة مثل هاريس.. هي تتمتع بذكاء حاد وتنافسية كبيرة، لكن أحدا لم يعلم من تكون، الجميع يعلم من هو ترامب، والشيطان الذي تعرفه أفضل من ذلك الذي تجهله".

تفسير الهزيمة

كامالا هاريس

الصحفية راكر أوضحت كيف يحاول الديمقراطيون من شتى المعتقدات إيجاد تفسير للهزيمة، إذ أن "الديمقراطيين المعتدلين والوسطيين يرون أن الحزب كان مائلا أكثر مما يجب إلى اليسار، ليلبي حاجات النخب الثقافية والأشخاص الأعلى تعليما، بدأنا إذن نرى بعض الديمقراطيين يريدون التخفيف من هذا الميل في المرة القادمة، رأينا بعض السياسيين الديمقراطيين يقولون أمورا مثل (لا نريد ان يلعب الصبيان رياضات البنات) متبنين بذلك الخطاب الجمهوري حيال بعض القضايا الثقافية المثيرة للجدل، وربما يتوقعون أن هذا الأسلوب سيكسبهم المزيد من الناخبين مستقبلا".

وقالت إنها ليست مقتنعة بهذا التفسير الذي يميل إليه البعض، فعند النظر إلى "حملة هاريس تجد أنها كانت تمثل الوسط فقد ركزت على الحدود وعلى الاقتصاد، وبالكاد ذكرت أمورا تتعلق بالعرق أو الجنس أو غيرها من القضايا التقدمية الساخنة، لذا أظن أن هذا النقد كان قاسيا وغير عادل".

أما فيما يتعلق بالنقد من اليسار، ترى راكر أنه "لا يتعلق بكون الحزب أقل تقدمية مما يجب، أو أن هاريس لم تكن يسارية بما يكفي. بل كان الانتقاد الرئيسي هو أن العمال لا يثقون بالحزب، فالحزب لم ينجح في كسب المصداقية بين الأشخاص الذين يحتاجون القدر الأكبر من المساعدة والأشخاص الذين يكافحون لتوفير احتياجاتهم الأساسية".

دعم ترامب!!

الحزب الديمقراطي عبارة عن تحالف بين مجموعات ذات هويات مختلفة، لكن الكثير من هذه المجموعات اتجهت نحو الجمهوريين، وهو ما عزاه مستشار حملة الحزب الديمقراطي، فين إلى أن "مفهوم سياسات الهوية ليس ناجحا بالنسبة للديمقراطيين، وهو لم ينجح منذ زمن، إذ أنه يستند كما قال الكثيرون على الطبقات".

وأضاف أنه في العام 1960 خسر جون ف. كينيدي تصويت البيض من خريجي الجامعات بنسبة 2 إلى 1، ما الذي حدث هذا العام، فاز الديمقراطيون بأصوات أصحاب الشهادات الجامعية بنسبة 2 إلى واحد فيما خسروا أصوات الطبقة العاملة.

ويرى فين أن "أن المهمة الرئيسية بالنسبة للحزب الديمقراطي هي استعادة الثقة بين أوساط الطبقة العاملة"، مشيرا إلى أن هناك شخصين يملكان ما يعادل 50 في المئة من ثروة الشعب الأميركي وأصبحا مقربين من ترامب، وهذا ليس حال الشعب الأميركي.

وتابع أنه يتعين على "الديمقراطيين إقناع الطبقة الوسطى بأنهم يتفهمون ما تعانيه وأنهم سوف يساعدونهم، وعليهم إقناع أولئك الأشخاص في الشرائح الاقتصادية الدنيا بأنهم سوف يساعدونهم على تحسين أوضاعهم، وحالما يحدث ذلك سيصبح لدينا من جديد حزب ديمقراطي منظم وحيوي".

التخلي عن تحالف الهويات

الديمقراطيون تلافوا "موجة حمراء" جمهورية

ويدعم الصحفي ريد، ما تحدث به فين أن "على الديمقراطيين التحول من تحالف للهويات، إلى التركيز على العاملين في أميركا".

ونوه إلى أنه "لا يعتقد أن هذه كانت انتخابات أيديولوجية، ولا اعتقد أن التيار المحافظ قد فاز"، مشيرا إلى وجود قضيتين جوهريتين كان لهما أثر في هذه الحملة" الأولى هي التضخم، يقولون إنها الاقتصاد لكن لا. ارتفعت الأجور، وانخفض معدل البطالة وكانت مؤشرات الاقتصاد جيدة. لكن واحدا منها كان سيئا وهو التضخم، وهذا ما يهم الناس، فالأمر لا يتعلق بالأرقام وارتفاع الأجور، هذا لا يهم. فأنا أنظر إلى أسعار الوقود وأسعار المؤن، هذا كل ما أعرفه".

أما القضية الثانية فهي "كامالا هاريس، ولا أقصدها كشخص فأنا أظن أنها مرشحة جيدة، لكنها لم تكن معروفة، كان يجب إقامة مؤتمر مفتوح، أعني أنه كان يجب إجراء انتخابات بين كافة المرشحين الديمقراطيين منذ البداية. أعتقد أن هذين العاملين، تلك المرأة غير المعروفة من أصول سوداء، أعتقد أنه كان واضحا من خلال الاستطلاعات أن ذوي الأصول اللاتينية والشباب السود لم يكونوا مستعدين لتقبل ترشيح امرأة سوداء".

وقال ريد "أعتقد أن العاملين الرئيسيين المرتبطين بالمرشحة هما دخولها متأخرة جدا في الانتخابات وعدم وجود أي إنجازات لها، والتضخم. لكنني أتفق مع ضرورة العودة إلى العمل وأن يعود الحزب إلى كونه حزب الطبقة العاملة".

ماذا يقول الشباب؟

بايدن يشيد بهاريس ويقول إنها ستظل بطلة الأميركيين

وتتفق راكر مع هذه الآراء، وقالت إن الشباب الأميركي "يهتم بقضايا الهوية إلى حد ما، لكنهم مهتمون أكثر بكثير حيال أمور أخرى مثل عدم قدرتهم على شراء منزل، يهتمون بحقيقة أنهم غير قادرين على كسب ما يكفيهم من المال لتأمين احتياجاتهم الأساسية مثل الرعاية الصحية، فهم يشعرون أن هذه الأمور باهظة التكلفة".

وتعتقد أن "الكثير منهم ليسوا مهتمين بشكل كبير بالسياسة لكنهم يبحثون عن التغيير، وليس لديهم شعور جيد تجاه العالم. الكثير من الأشخاص الذين صوتوا لأول مرة في هذه الانتخابات أصبحوا بالغين خلال جائحة كوفيد، والتي لم تكن فترة جيدة بالنسبة للشباب في أميركا".

وزادت راكر أن "ترامب كان يعترف بذلك علنا، وسواء كانت خططه تلائم الشباب أم لا، فأنا لا أرى أن الشباب في العشرينيات معجبون كثيرا بترامب، لكنهم ليسوا راضين عن الوضع الراهن، فيما كانت هاريس تمثل الوضع الراهن بشكل كبير، ولأنها كانت نائبة بايدن فهي لم تستطع أن تنأى بنفسها عنه لأنها جزء من الإدارة المسؤولة عما يحدث الآن في العالم".

"نجونا بكارثة"

مبنى الكابيتول حيث الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ)- تعبيرية

المخطط الاستراتيجي فين قال "بعد المناظرة في يونيو وأداء الرئيس بايدن" كنا مستعدين لتلقي هزيمة كاسحة في مجلس الشيوخ وخسارة، و"كنت أعتقد أننا سنخسر 6 أو 7 مقاعد"، لذا فإننا عندما ننظر إلى النتائج نجد أننا نجونا من كارثة.

ويرى أن النتائج تعتبر "إنذارا للديمقراطيين، فكما تحدثنا، لم يكن هذا مجرد حالة من عدم الرضا.. علينا أن نفهم الآن حالة الإحباط التي يمر بها الناس، والأمر هنا لا يتعلق بالتواصل والإعلانات، بل بالخطاب الذي علينا إيصاله للناس والقول إننا سنجعل حياتهم أفضل".

وقال فين لقد "شهدت العديد من الانتخابات.. أذكر كيف أصبح الحزب الجمهوري في حالة ركود بعد هزيمة باري غولدووتر، كما أذكر كيف دخل الحزب الديمقراطي الحالة ذاتها بعد هزيمة جورج ماكغفرن، وكان كل طرف يكتب نعي الطرف الآخر".

وتابع أن "المشهد السياسي يتغير بسرعة كبيرة، وهناك أمور قد تحدث، ففي العام 1980 عندما فاز ريغان وحتى العام 1982، كسبنا 26 مقعدا في مجلس النواب. أعني أننا نستطيع أن نصبح حزبا قويا، كما يمكننا استعادة الرئاسة".

هل يتغير ترامب؟

صورة تعبيرية من حشد أميركي مناصر للرئيس المنتخب دونالد ترامب- رويترز

الصحفي ريد يرى أن "هناك جانب مشرق ليس في هذه النتائج، بل في المستقبل"، إذ سيتصرف ترامب كدونالد ترامب، في نهاية فترته الرئاسية الأولى كان معدل تأييده 34 في المئة فقط.

وحدد ريد أربعة أسباب لهذه: الأول، هو أن التضخم سيرتفع كثيرا خلال إدارة ترامب الثانية، بسبب كل المهاجرين الذين ينوي ترحيلهم، وتولي أشخاص آخرين يريدون المزيد من المال وظائفهم. وكذلك بسبب الرسوم الجمركية الضخمة التي ينوي فرضها.

والسبب الثاني، عندما يبدأ باعتقال ملايين المهاجرين، وهؤلاء هم أقارب وأصدقاء للأميركيين من أصول لاتينية وإسبانية ممن صوتوا له بنسبة 45 في المئة، هذا سيجعلهم يتمردون وسيصبح الوضع مختلفا تماما بالنسبة لمجتمع الأميركيين من أصل إسباني ولاتيني.

والسبب الثالث هو "ميوله الفاشية. فنحن نعلم جميعا ما قاله الجنرال كيلي عن كون ترامب يفضل النهج الدكتاتوري في الحكم. أعتقد أن الناس عندما يرون حقيقة ذلك خاصة في ظل عدم وجود حواجز، فإن هذا سينفرهم".

والسبب الرابع بحسب ريد أنه كما "رأينا بالفعل الفوضى التي حدثت خلال فترته الأولى، وستكون أكبر بكثير هذه المرة لأنه يشعر أن لا أحد يمكنه إيقافه. ولا أحد يمكنه أن يملي عليه ما يفعل"، مرجحا أن معدلات تأييده ستعود للانخفاض إلى الثلاثينات خلال عامين أو ثلاثة.

من سيتزعم الحزب الديمقراطي؟

تساؤلات عمن سيتزعم الحزب الديمقراطي. أرشيفية

وتقول الصحفية راكر إنه من الصعوبة تحديد من سيكون سيتزعم الحزب الديمقراطي، مرجحة "أننا سنشهد سباقا للفوز بهذا المنصب، فقد رأينا حوالي 20 أو 28 مرشحا يطلون برؤوسهم لرؤية الأوضاع".

وترى "أن غافين نيوسوم بدأ يقوم ببعض التحركات ويتحدث عن كيفية مواجهة إدارة ترامب. وهناك الكثير من الأحاديث حول طبيعة المرشح الذي يريده الناس في المرة القادمة، هناك أحاديث حول أشخاص مثل جوش شابيرو وغريتشن ويتمر، أي مرشحون من الولايات الحاسمة الذين يتمتعون بالفعل بالشعبية والجماهيرية. لذا أعتقد أن هذا السؤال يحتاج إلى بعض الوقت لنرى كيف تسير الأمور".

وينظر المستشار فين، إلى رام إيمانويل لقيادة الحزب، وقال إنه "واحد من أفضل العقليات السياسية فهو شخص صلب يتمتع بالكثير من الطاقة، وأعتقد أنه إذا ترشح لرئاسة اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي فسيكون رئيسا من طراز مختلف. فهو شديد الاهتمام بالتفاصيل، كما أنه سيكون فعالا كرئيس لحزبنا في الوقت الحالي".