صورة مأخوذة من شريط فيديو على موقع يوتيوب في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري تظهر الدمار في حي الأنصاري في حلب
صورة مأخوذة من شريط فيديو على موقع يوتيوب في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري تظهر الدمار في حي الأنصاري في حلب



تخيل أنك تعيش في بلد غير مستقر وتقيم بعيدا عن ذويك ومن تحب، ولا تستطيع التواصل معهم. تخيل أنك تضغط أزرار الهاتف النقال والهاتف الأرضي كي تتصل بوالدتك أو شقيقك أو خالتك كي تطمئن عليهم ولا أحد يجيب اتصالاتك غير الصمت، بسبب انقطاع خطوط الهاتف. تخيل أنك تحاول متابعة ما يجري في بلدك من تطورات متلاحقة عبر المواقع الإخبارية ولا تستطيع لأن خدمة الإنترنت مقطوعة..
 
هذا هو الوضع في سورية منذ الأربعاء الماضي عندما صمتت الهواتف النقالة والأرضية وتوقفت عن الرنين بعدما تم قطع خدمة الاتصالات في البلاد والإنترنت.

"لا تدعي الياسمين يشارك في الخنق"
 
"نحنا بشر مو ملائكة ولأنو نحنا بشر عنا طاقة للتحمل مرات بنقدر ومرات بنعجز"، هكذا عبرت نور الخطيب، وهي شابة سورية تعيش في دمشق، عما تشعر به إزاء ما يحدث في بلدها هذه الأيام.
فقد كتبت على صفحتها الشخصية على موقع "فيسبوك" أنها باتت تشعر أن "كل ليلة هي الأخيرة لأحدهم داخل سورية، عسانا لا نخطئ بحق بعضنا البعض فربما يبلغ أحدهم السماء قبل أن يبلغ اعتذارنا لمن أخطأنا بحقه".
 
وانقطعت أخبار نور منذ الأربعاء حين أعلنت شركات مراقبة خدمة الإنترنت ومنها "رينسيس" الأميركية أن سورية شهدت توقفا مفاجئا في الإنترنت وخدمة الهاتف أيضا.
 
وقد أعرب ناشطون سوريون في الخارج عن تخوفهم من أن تكون هذه الخطوة مقدمة لارتكاب النظام السوري "مجزرة" حقيقية ضد المعارضة التي تحاول الإطاحة بالرئيس بشار الأسد منذ أكثر من سنة ونصف.
 
فقد قال شاب سوري يدعى تاج على حسابه بموقع "تويتر" "يا دمشق.. النت مقطوع. دعي الياسمين يقول لنا ما الذي يحدث هناك، لكن لا تدعي أغصان الياسمين تتحد لتشارك في خنق السفاح".

وعبّر تاج في تغريدات سابقة عن ألمه الشديد لما يحدث داخل سورية، وقال "إن في قلب كل سوري آه واحدة، لكن في قلوب السوريين المغتربين آلاف الآهات"، ووصف بلده بأنها "وجع وألم كل عاشق لترابها".
 
بلد غارق في "الظلام الإلكتروني"
 
وقد تداعى مئات الناشطين العرب لنصرة السوريين المحرومين من التواصل عبر الهاتف والإنترنت، وعملوا على نشر طرق متعددة للتحايل على "الظلام" التكنولوجي الذي تغرق فيه سورية، كما وصفه عبد الله العلي، وهو محقق كويتي في جرائم الكمبيوتر، نشر تغريدات متعددة يحث فيها مستعملي موقع "تويتر" على نشر أرقام "دايل آب" دولية مجانية كي يستفيد منها السوريون في الداخل.

وتضرع رجال دين مسلمون لله من أجل أن ينصر السوريين على نظام الرئيس بشار الأسد الذي وصفوه بالطاغية.
فقد كتب الداعية الإسلامي طارق سويدان، والذي يبلغ عدد أتباعه على "تويتر" نحو مليون شخص، "اللهم في ساعة الاستجابة من آخر الجمعة نسألك ألا ينتهي الشهر إلا وقد تخلصت اﻷمة من بشار وحزبه وتحرر الشعب السوري المجاهد منه".

كما عبرت سيدات عربيات عن حزنهن لما يحدث في سورية، وأعربن عن قلقهن الشديد على مصير الأطفال، كما جاء في تغريدة لسيدة سعودية تدعى نجمة السعدي قالت فيها "هناك وطن حزين اسمه سورية فيه أطفال نسوا الضحكة.. فأعد الإبتسامة إلى وجوههم بنصر قريب من عندك يا رب العالمين".

سورية بلد معزول
 
ويتابع العالم بقلق شديد ما يحدث في سورية بالرغم من شح المعلومات وندرة الأخبار وصعوبة التأكد من مصداقيتها، كما قررت دول عدة وقف الرحلات الجوية إلى مطار دمشق الدولي حيث تدور معارك ضارية بين الجيش النظامي السوري وقوات الجيش السوري الحر المعارض.
 
فقد أعلن المتحدث باسم الخطوط المصرية محمد رحمة أن مصر قررت وقف رحلاتها الجوية إلى سورية ابتداء من الجمعة بسبب ما وصفه بتراجع الأوضاع الأمنية في دمشق وخصوصا في المنطقة المحيطة بمطارها الدولي.
 
ورأى مراقبون أن "معركة المطار" ستكون حاسمة في الصراع الدائر على السلطة حاليا في سورية بسبب تداعياتها الأمنية وانعكاسها النفسي على الأقلية العلوية الحاكمة، ومنهم مارك كيميت الذي عمل مساعدا لوزير الخارجية الأميركية متخصصا في الشؤون السياسية والعسكرية خلال إدارة الرئيس جورج بوش الأب.
 
وأوضح كميت في تصريح لشبكة CNN أن سيطرة قوات الجيش الحر المعارض على المطار تعني "عجز الأقلية العلوية الحاكمة عن الفرار خارج البلاد"، وهو ما اعتبره أمرا لن تقبله هذه الطائفة بسهولة.
 
وربما لهذا السبب اشتدت حدة المعارك حول المطار وسقط فيها عدد كبير من القتلى الجمعة، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن نحو 80 شخصا قتلوا الجمعة، كما لقي ما لا يقل عن 17 مسلحا من القوات النظامية مصرعهم خلال اشتباكات في درعا وإدلب وريف دمشق.

لكن المرصد اعترف بصعوبة توثيق عدد القتلى داخل سورية بسبب قطع خدمة الانترنت والصعوبة الشديدة في إجراء الاتصالات الهاتفية مع الداخل، وقد أعرب سوريون في الخارج وناشطون عرب في مجال حقوق الإنسان عن تخوفهم من أن "ينفرد" الرئيس بشار الأسد بالمعارضة ويقوم بعملية إبادة جماعية بعيدا عن رقابة الإعلام والمجتمع الدولي.
فقد قال الناشط المصري علاء عبد الفتاح في تغريدة على "تويتر" مساء الجمعة "بشار الله يجحمه قطع النت والاتصالات في سورية ومستفرد بالناس! استر يا رب".

"الحرة" تناضل من أجل البقاء
"الحرة" تناضل من أجل البقاء

في مبنى متقشف في سبرينغفيلد، في ولاية فرجينيا، فرغت مكاتب كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة، وأظلمت استوديوهات قناة "الحرة" - التي نقلت صوت الحقيقة لأكثر من عقدين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - إلا من بصيص أمل.

وبعد 22 عاما من الصحافة الناطقة بالعربية، الملتزمة بالقيم الأميركية، والموجهة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أجبرت شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) على تقليص حاد لبثها التلفزيوني والرقمي، ليس بسبب مواجهة اعتادت على خوضها مع أجهزة التضليل المنظم، والقوى الدعائية المعادية للولايات المتحدة، بل نتيجة خنق بيروقراطي داخلي.

وأعلنت MBN اليوم السبت عن تسريحات جماعية، تم فيها تقليص عدد الموظفين بشكل حاد وتقليص العمليات بشكل كبير. ووفقا لإدارتها، لم يكن هذا القرار خيارا بل إجبارا.

وقال الدكتور جيفري غدمين، الرئيس والمدير التنفيذي للشبكة، في بيان رسمي صدر السبت: 

"لم يُترك لنا أي خيار... وافق الكونغرس على تمويلنا في 14 مارس. لكن في اليوم التالي، تم تجميد هذا التمويل بشكل مفاجئ وغير قانوني من قبل ما يسمى بـ(وزارة الكفاءة الحكومية) وكاري ليك، المستشارة الخاصة للوكالة التي تشرف علينا".

يؤكد غدمين أن الوكالة الأميركية للإعلام الدولي (USAGM) هي المسؤولة المباشرة عن هذه الأزمة. ورغم أن التمويل تم تخصيصه رسميا من قبل الكونغرس، إلا أن الوكالة ترفض صرفه، دون تفسير أو تواصل مباشر. "كاري ليك ترفض مقابلتنا أو حتى التحدث معنا"، يقول غدمين. "تُركنا لنستنتج أنها تنوي خنقنا ماليا".

ما تبقى من الشبكة الآن هي مجموعة مصغّرة، تقاتل من أجل البقاء.

وقال السفير السابق رايان كروكر، رئيس مجلس إدارة الشبكة بالوكالة: "MBN كنز من المواهب والخبرة وذخر استراتيجي للأمن القومي الأميركي... ما يجري الآن ببساطة غير منطقي".

ويصل بث MBN، التي تأسست عام 2003، إلى أكثر من 30 مليون مشاهد أسبوعيا في 22 دولة عربية.

ساحة معركة إعلامية

"الشرق الأوسط ساحة معركة إعلامية ضخمة"، يقول المحلل الاستراتيجي إيلان بيرمان، وهو عضو في مجلس إدارة MBN.

فمن طهران إلى الدوحة، ومن موسكو إلى بيروت، تتسابق قوى إقليمية ودولية في ضخ السرديات الدعائية عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تقويض صورة الولايات المتحدة، وتعزيز التشكيك، وتأجيج المشاعر المعادية للغرب.

وفي هذه البيئة المتوترة، كانت MBN تمثل نقيضا نادرا: وسيلة إعلامية موثوقة، تُدار بمعايير مهنية، وتغطي قضايا حقوق الإنسان، والحوكمة، والسياسة الأميركية، بلغة وأصوات مألوفة لدى الجمهور العربي.

"هذا انتحار استراتيجي"، يقول غدمين. "في الوقت الذي تكسب فيه حماس وحزب الله والحوثيون والنظام الإيراني مساحات على مستوى السرد الإعلامي، نحن نسحب صحفيينا عن الهواء. هذا ليس فقط قصورا في الرؤية... إنه استسلام".

لكن لماذا ترفض USAGM الإفراج عن التمويل؟ لا أحد يجيب. ترفض كاري ليك، السياسية السابقة من أريزونا، التعليق. و"وزارة الكفاءة الحكومية"، التي تم إنشاؤها مؤخرا وسط ضجة سياسية، لم تصدر أي توضيحات. ويقول غدمين إن الشبكة تلجأ الآن إلى القضاء والكونغرس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وكانت MBN قد مرت في عملية هيكلة وتطوير، العام الماضي، وفرت 20 مليون دولار أميركي على دافع الضرائب دون تقويض جهودها في إعادة موضعة ذاتها كصوت أميركي فعال في الفضاء الرقمي الناطق بالعربية.

خسائر غير قابلة للقياس

داخل الشبكة، تأتي التسريحات كضربة شخصية ومهنية. كثير من الصحفيين والمحررين العاملين فرّوا من القمع في بلدانهم الأصلية، ليجدوا في MBN مساحة للتعبير والعمل بحرية. غطوا قصصا لا يمكن تغطيتها في بلدانهم — من حقوق النساء في السودان إلى الاحتجاجات في إيران والفساد في العراق.

الآن، ومع غياب منصتهم، قد لا تُروى تلك القصص أبدا.

يقول غدمين: "الإعلام في الشرق الأوسط يتغذى على مشاعر العداء لأميركا... من غير المنطقي قتل MBN كبديل عقلاني، وترك الساحة خالية أمام المتطرفين وأعداء أميركا".

وبينما تصقل شبكات التضليل المنظم في العالم العربي أدواتها الرقمية والبصرية، تتراجع أميركا بهدوء عن ساحة المعركة الإعلامية التي ساعدت في بنائها.

وكتب بيرمان في تحليل لمجلة جي أس تريبيون: "الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط ليست افتراضية... إنها معركة يومية وحقيقية، تزداد فعالية. وأميركا تتنازل عنها... شبرا بعد شبر".

وتصر إدارة MBN على مواصلة كفاحها من أجل البقاء بفريق صغير جدا يبقي شعلة الأمل والحقيقة حية في الفضاء الرقمي العربي.