الرئيس باراك أوباما يتلقى إيجازا من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي والنائب العام إريك هولدر (يمين) حول إطلاق النار في نيفي يارد
الرئيس باراك أوباما يتلقى إيجازا من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي والنائب العام إريك هولدر (يمين) حول إطلاق النار في نيفي يارد

دعا الرئيس باراك أوباما الكونغرس إلى تشديد القوانين المتعلقة بالأسلحة النارية بعد آخر فصل من سلسلة حوادث إطلاق النار بشكل عشوائي، لكن بعض البرلمانيين أقروا بعدم وجود دعم كاف لقانون جديد.

وغداة إطلاق مسلح النار على مقر البحرية الأميركية على بعد كيلومترات من البيت الأبيض، أعلن أوباما أن "غالبية ساحقة" من الأميركيين تتفق معه على ضرورة إصلاح هذه القوانين.

وقال أوباما في مقابلة مع تلفزيون تيليموندو الناطق بالإسبانية "أنا قلق إزاء تكرار هذا الأمر حيث نشهد كل ثلاثة أو أربعة أشهر عمليات إطلاق نار رهيبة على عدد كبير من الناس".

وأضاف "الجميع يعبرون عن روعهم ونواسي العائلات... لكننا غير راغبين في اتخاذ بعض الإجراءات الأساسية!".

وطالب أوباما، في تغريدة على موقع تويتر، بتحرك برلماني لمنع العنف المسلح على ضوء إطلاق النار في مقر البحرية الأميركية في "نيفي يارد" بواشنطن العاصمة.
​​
​​
أوباما: استنفدت صلاحياتي وعلى الكونغرس التحرك

وقال أوباما في المقابلة "هذا أمر سيكون على الكونغرس أن يتخذ خطوات فيه في نهاية الأمر" مضيفا "لقد اتخذت الخطوات الواردة في صلاحياتي، والمرحلة المقبلة الآن هي أن يتحرك الكونغرس".

وكان أوباما طرح خطة تشمل تشديد إجراءات التحقق حول شراء الأسلحة النارية وحظر بيع بنادق، بعدما قتل 20 طفلا وستة راشدين في إطلاق نار جماعي في مدرسة في نيوتاون بولاية كونيكتيكت في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

لكن خطة أوباما لم تحظ بدعم الكونغرس، وشنت مجموعات دعم اقتناء الأسلحة النارية حملة قوية ضدها، فيما عارضها بعض الديمقراطيين من الولايات المحافظة.

ودفع رفض الكونغرس أوباما إلى اعتماد سلسلة محدودة من الإجراءات مستخدما سلطاته التنفيذية.

الطبقة السياسية الأميركية: إدانات لكن شكوك حول نجاح الإصلاح

ونددت الطبقة السياسية بإطلاق النار في "نيفي يارد" الاثنين، لكن الأمر يتطلب أكثر من دعوات صادرة عن البيت الأبيض لإقناع البرلمانيين بالتحرك.

وقال زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ هاري ريد إنه يريد تحريك النقاش في وقت قريب.

وأضاف بعد لقائه مع برلمانيين ديمقراطيين "يجب أن نحظى بالأصوات أولا، وليس لدينا الأصوات" اللازمة بعد. وقال "آمل في أن نحصل عليها لكننا لا نملكها الآن".

وقال عدة ديمقراطيين وبينهم السناتور ريتشارد بلومنتال من ولاية كونيكتيكت إنهم يأملون في إعادة اقتراح قانون يضمن التحقق من سيرة المشتري وحرمان المضطربين عقليا من شراء أسلحة نارية.

وقال بلومنتال "اعتقد أنه هناك مجال لتوافق جديد وزخم جديد من أجل منع العنف المتعلق بالأسلحة النارية" لكنه أقر بأنه سيكون من الصعب إقناع الجمهوريين به لا سيما أن معظمهم صوتوا في إبريل/نيسان ضد مشروع قانون زيادة إجراءات التحقق.

ولم يتم اعتماد مشروع القانون بفارق خمسة أصوات في مجلس الشيوخ المؤلف من مئة مقعد.

لكن السناتور كريس مورفي قال إن الأميركيين لن يسمحوا للمشرعين بأن "يتجاهلوا أعمال القتل المستمرة هذه".

وتوقع السناتور الجمهوري بوب كوركر، من جانبه، عدم القيام بتحرك هذه السنة. وقال "هذا الأمر لن يحصل، لا أحد يتحدث معي حول إصلاح قانون الأسلحة النارية".

وقال السناتور توم كاربر ردا على سؤال حول ما إذا كان يعتقد بحصول تغيير في مجال تشديد المراقبة بعد مأساة الاثنين "لا اعتقد ذلك".

وكاربر الديمقراطي الذي يرأس لجنة الشؤون الداخلية في مجلس الشيوخ قال إنه قد يدعو قريبا إلى جلسات استماع حول الثغرات الأمنية التي قد تكون أدت إلى دخول شخص مضطرب عقليا إلى قاعدة عسكرية.

امتلاك المضطربين عقليا للسلاح نقطة أساسية

والمشتبه به في إطلاق النار الاثنين آرون اليكس (34 عاما) كان خدم في البحرية بين 2007 و 2011 وحصلت معه "سلسلة حوادث مرتبطة بسلوكه" أثناء هذه الخدمة.

وقال برلمانيون وبينهم السناتور جون ماكين، وهو أحد الجمهوريين القلائل الذين يؤيدون إصلاح قوانين الأسلحة، إن المشاكل العقلية قد تصبح نقطة أساسية في مشروع القانون.

ومعظم الولايات تمنع الأشخاص الذين يعتبرون مصابين باضطرابات عقلية من شراء سلاح ناري لكن البعض يقولون إن مثل هذه القوانين لا تطبق بالكامل.

وأمر البيت الأبيض في هذا الوقت بمراجعة المعايير الأمنية المعتمدة للمتعاقدين مع الوكالات الفيدرالية إثر عملية إطلاق النار الاثنين.

الذئاب المنفردة

فجر أول أيام يناير، 2025، وثقت كاميرا مثبتة على جسم أحد أفراد الشرطة الأميركية لحظات محاصرة شمس الدين جبّار، منفّذ عملية الدهس في مدينة نيو أورلينز الأميركية، أثناء محاولته الهروب بينما تناثرت أجساد ضحاياه على الأرض من حوله.

تحوّلَ جبّار من رقيب سابق في الجيش الأميركي، إلى إرهابي قاتل لـ 14 ضحية، ساقتهم الأقدار  إلى شارع بوربون الشهير للاحتفال بليلة رأس السنة.

جبار ليس "الذئب المنفرد" الوحيد.

 في تحقيق لـ"الحرة تتحرى"، تقصت نسرين عجب تاريخ الظاهرة وواقعها، لتحذر من مستقبل ترسم فيه الذئاب صفحة مظلمة.

يروي عباس الداهوك، وهو عقيد سابق في الجيش الأميركي، في مقابلة مع الحرة، أن حياة جبار كانت مليئة بالمشكلات، وكانت لديه خطة لجمع عائلته في مكان واحد لارتكاب العنف ضد أفرادها. لكنه في اللحظة الأخيرة قرر العدول عن تنفيذ الخطة، وسلك طريقا مختلفا. 

قاد شاحنته، وعليها علم داعش، ليفتك بأبرياء عزّل في مدينة نيو أورلينز. لم يُستبعد ارتباطه بالتنظيم الإرهابي، لكن على الأرجح كان يتصرف كذئب منفرد.

صباح اليوم نفسه، على بُعد 1700 ميل إلى الغرب، أطل الإرهاب بوجهه البشع مرة أخرى.

أمام فندق يعود للرئيس دونالد ترامب، في مدينة لاس فيغاس، انفجرت شاحنة كهربائية، بعد انتحار مستأجرها ماثيو ليفلسبيرغر، الرقيب الأول في القوات الخاصة الأميركية. 

يقول كولن كلارك، الخبير في قضايا الإرهاب، إن هذا كان أشبه بعرض لجذب الانتباه إلى ما كان للأسف نوعا من التشتّت الذهني لشخص ربما كان يعاني بشدة من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويضيف أنه بعد 20 عاما من تركيز ضيّق للغاية على نوع واحد من الإرهاب، وهو الإرهاب الجهادي، "أدركنا الآن أن الأمور أكثر تعقيدا".

يشير كلارك إلى مفهوم الذئب المنفرد، أي كيف يمكن لشخص ما، من دون مقدمات، أن يتحوّل في أي بقعة من العالم، إلى ذئب منفرد يتبربص بضحاياه الغافلين، ليفتك بهم وينشر الرعب.

الذئب المنفرد، بحسب وزارة العدل الأميركية، هو شخص ينفّذ بمفرده هجوما إرهابيا ضد مجتمع يكون هو جزءا منه، بدوافع سياسية أو دينية، ولغرض التأثير على الرأي العام، أو عملية صنع القرار السياسي. وقد يستلهم أفكاره من مجموعة أو شبكة معينة، ولكنه لا يكون خاضعا لقيادتها.

برنامج "الحرة تتحرى" يعود بملف الذئاب المنفردة إلى بدايات هذا النوع من الإرهاب، وكيف تنامى، ويعرض أبرز الهجمات، ودوافع منفذيها، والأيديولوجيات التي تبنوها، إضافة إلى شرح الكوامن النفسية التي تدفع شخصا ما عن سابق إصرار وترصّد، إلى قتل آخرين، يراهم غالبا للمرة الأولى، وهو يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، يصعب في الغالب الكشف أو التنبؤ بهجمات الإرهابي الوحيد أو الذئب المنفرد، لأنك لا يمكن أن تراقب المجتمع بالكامل، كما أن الذئب المنفرد لا تظهر عليه أي علامات سابقة على تنفيذه الهجوم. 

في المقابل، يرى رامون سباي، وهو عالم اجتماع متخصص بظاهرة الذئاب المنفردة في ملبورن، أستراليا، أنه بمرور الوقت، أصبح إرهاب الذئاب المنفردة يشكّل نسبة أكبر بكثير من إجمالي الهجمات الإرهابية، وأن سياق هذه الهجمات، ورغم أن منفذيها أفراد، غالبا ما تكون نسخة متطرفة، أو تعبيرا عن الصراعات المجتمعية الأوسع الجارية في ذلك الوقت.

أما وائل سلامة، طبيب نفسي عمل على حالات لإرهابيين في السجون اللبنانية، فيؤكد أن هذه الحالات هي بلا شك نوع من البحث عن هوية.

"بالنسبة له (الذئب المنفرد) حتى عندما يتم قتله يصل إلى الغاية المنشودة، فالغاية الأساسية من الجريمة، أن يثبت قدراته".

قد يكون مصطلح "الذئاب المنفردة" حديث العهد، لكن فعل الهجوم الأحادي، ظهر قبل قرنين من الزمان.

يعود تاريخ الهجمات الأحادية، بحسب رامون سباي مؤلف كتابين عن إرهاب الذئاب المنفردة، إلى القرن التاسع عشر، لما يُعرف بإرهاب "الأناركية"، وهي تستند إلى فلسفة سياسية، وكان لديها استراتيجية تسمى "المقاومة القانونية"، و"الدعاية بالفعل".

وتتضمن استراتيجيتها ارتكاب أعمال عنف جماعي بشكل متفرق، وليس كجزء من مجموعة منظمة، من خلال قيام أفراد بشن هجمات عنيفة على مسؤولين حكوميين، رؤساء دول، وعائلات ملكية.

يشتق مصطلح الأناركية من الكلمة اليونانية "أنارخيا"، التي تعني بدون حاكم.

اكتسف فلسفة الأناركية شهرة في القرن التاسع عشر، ودعت إلى مجتمع بلا حكومة، أو هياكل هرمية.

في حديث مع "الحرة"، يقول ستيف كيليليا، مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام، الذي ينشر تقارير سنوية عن مؤشرات الإرهاب في العالم، إن مفهوم الذئب المنفرد، بدأ بالظهور فعليا في الفترة بين عامي 1870 و1930، مع حركة الأناركية في أوروبا والولايات المتحدة.وقد تكون إحدى أبرز هجمات هذه الحركة اغتيال الرئيس الأميركي، وليام ماكينلي، عام 1901.

أُعدم قاتل الرئيس، الأناركي ليون تشولغوش، بالكرسي الكهربائي، لكن هجمات الحركة استمرت على مدى عقود. وفي نهاية السبعينيات، شغل إرهابي مجهول الهوية السلطات الأميركية لسبعة عشر عاما كاملا.

وفق تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي أرسل هذا الشخص، أو سلّم باليد، سلسلة من القنابل التي كانت تزداد تطوراً، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. 

يخبر سباي فريق "الحرة تتحرى" أنه منذ التسعينيات، ومع صعود اليمين المتطرف، بدأت فعلياً استراتيجية الذئب المنفرد أو الفاعل المنفرد، واستُخدم المصطلح بشكل أكثر تحديدا وانتشارا بواسطة نشطاء اليمين خاصة المتطرفين منهم.

وظهر كثير من "الذئات المنفردة" يضيف سباي، في صفوف اليمين المتطرّف، وذلك نتيجة استراتيجية تسمى "المقاومة بلا قائد"، وهي طريقة لمنع اختراق أو تفكيك جماعة أو منظمة من قبل وكالات إنفاذ القانون، وهي أيضا وسيلة لحماية القيادة، من خلال جعل الأشخاص يتصرفون بشكل فردي، فإذا تم القبض عليهم، فلن يكون لديهم تفاصيل عن الشبكة أو المخطط الأكبر.

لا يقتصر وجود الإرهاب على طريقة الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة، بل يمتد عبر الأطلنطي إلى القارة العجوز.

بحسب ستيف كيليليا مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، فإن عددا من الدول التي لم تتعرض لهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، شهد عام 2024 ثماني هجمات ذئاب منفردة في السويد. وفي كل من فنلندا وهولندا والدنمارك وقع هجومان، وتصاعدت الهجمات من هذا النوع في دول أخرى مثل النرويج.

أما ألمانيا، فمن أكثر الدول الغربية تعرضا للإرهاب، ومنها هجمات ذئاب منفردة. 

قبيل عيد الميلاد عام 2024، نفّذ طالب العبد المحسن، طبيب نفسي من أصول سعودية، عملية دهس في سوق مزدحم، في مدينة ماغديبورغ الألمانية، أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، وإصابة مئات آخرين.

طبقا لتقارير متخصصة، 93 في المئة من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية نفذت بواسطة "ذئاب منفردة". فما الذي يجذبهم إلى هذا الأسلوب دون سواه؟ 

يجيب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، بأن الأسهل هي هجمات الذئاب المنفردة لأنها طبعا أصعب في الكشف والتوقع. ويعني أنها يمكن أن تحدث في أي وقت وأي مكان، "أما الهجمات المنسقة فتحتاج للموارد، وتأخذ وقتا طويلا في التجهيز والتخطيط والتنفيذ".

قد يبدو الفعل بعدائيته نابعا من قوة، إلا أن علم النفس له رأي آخر.

في الجزء الأكبر منه هو ناتج عن عقدة نقص "دائما ما تدفع بالشخص ليبالغ بردة الفعل"، ، يقول وائل سلامة، الطبيب النفسي، فمن ناحية المجرم أو الإرهابي فهو "يريد أن يضخم بجريمته لتضخيم ردة الفعل وبالتالي يغذي عقدة النقص الموجودة لديه".

يخبر رامون سباي "الحرة" أن ما لاحظه في كثير من حالات الذئاب المنفردة التي درسها هو أنه "بمرور الوقت يحدث تحوّل حقيقي في هويتهم"، فيرون ارتكاب العنف عملا ثوريا يمنحهم شعورا بالوجود والأهمية،  ... والإحساس القوي بالاستقامة الأخلاقية والتصرّف باسم الحق والخير"، رغم أن ما يقومون به هو فعل إجرامي ضحاياه في الغالب أناس أبرياء يُستهدفون بينما هم منشغلون بشؤونهم اليومية.