أمينة سريري 

لا تزال بعض الدول العربية تحرم المرأة من منح جنسيتها لأبنائها في حال تزوجت أجنبيا.  

لبنان أحد هذه الدول لكن الحسابات السياسية والتجاذبات الطائفية تجاوزت مسألة وضع قانون، حتى بات على أرضه الآلاف من لبنانيي الهوية والدم، لكنهم يعاملون معاملة الأجانب.

تحت عنوان "لبنان.. غرباء الوطن" تستعرض "الحرة تتحرى" أسباب عدم تحديث القوانين المنظمة للجنسية، وكيف يتم استغلال ذلك في الحسابات السياسية.

من هو اللبناني من بين هؤلاء؟ كيف تعرفه؟ من الملامح؟ اللهجة؟ مكان الولادة؟ نسب الأب؟ أو الأم؟ قد يتحقق فيه كل ما سبق لكن دون أن يكون لبنانيا.

اللبناني طبقا لقوانين البلاد هو كل شخص مولود من أب لبناني أو مولود في أراضي دولة لبنان الكبير التي رسم الانتداب الفرنسي حدودها عام .

رحل الفرنسيون وتركوا خلفهم قانونا ما زال يتحكم في اللبنانيين واللبنانيات بشكل خاص.

لما فقيه، من منظمة هيومن رايتس ووتش: "هناك عدد من البلدان في العالم العربي تعطي الأم الجنسية كمصر وتونس واليمن والمغرب، وعدد من الدول تتغير فيها القوانين كقطر التي باتت فيها الأم قادرة على منح الإقامة لأبنائها. نحن ندفع بهذا الشيء في لبنان. على مدى 20 سنة المرأة تحارب لتحصل على حقوقها وحقوق أولادها".

رئيس حملة "جنسيتي كرامتي" مصطفى الشعار: "آخر إحصاء لسكان لبنان كان في 1932 فمن الطبيعي ألا يكون عدد دقيق للبنانيات المتزوجات من أجانب، لكن تقدر العدد بناء على دراسات بحوالي 70 ألف امرأة.

ندى رمضان، محامية لبنانية متزوجة من أجنبي، بين الـ70 ألفا. لم يؤثر ذلك على حياتها إلى أن أنجبت.المحامية المتزوجة من فلسطيني قالت: "بدأت المشاكل عندما كبر أولادي وتفوقوا وصاروا يحرمون من الجوائز لأنهم فلسطينيون وليسوا لبنانيين. كانوا يقومون بحرمانهم منها ويعطونها للبناني".
 
تتفاقم مشكلات أبناء اللبنانية المتزوجة من أجنبي، عندما يقفون على أعتاب الجامعات وبعد أن يتخرجوا منها خاصة إن كان الأب فلسطينيا.

رمضان: "بصعوبة وبمحسوبية استطاعوا الحصول على عمل يجب أن يكونوا في مجال نادر حتى ينافسوا اللبناني ويحصلوا على عمل".

المهن الممنوعة على الفلسطينيين  

حسب وكالة الأونروا، لا يستطيع فلسطينيو لبنان العمل في 36 مهنة، أي أن أكثر من 174 ألف شخص، حسب إحصاء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التابعة للحكومة اللبنانية، بمن فيهم أبناء اللبنانيات ممنوعون من مزاولة هذه المهن، حتى إن العدد قد يكون أكبر من ذلك.

سمير أبو عفش، أمين سر حركة فتح في لبنان، قال إن "لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أخذت فئات معينة. نحن على سبيل المثال خارج المخيمات ونحن كثر لم يشملنا الإحصاء. لذلك هو إحصاء غير واقعي وغير حقيقي".

مشاكل جزء من هذه الأعداد، أي أبناء الأم اللبنانية من أب فلسطيني، لا تتوقف عند الدراسة والوظائف، بل تنسحب على قضايا التملك والإرث وغيرها من أساسيات الحياة، المعلقة على شماعة التوطين وتغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد التي يغذيها زعماء الطوائف في لبنان.

رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني حسن منيمنة قال إن بعض القوى تعلن أنها مع هذا الحق لكن بشروط "هي تقف عند مسألة التوازن وتستثني بعض من هم من أصول غير لبنانية محددة لأنهم يهددون التوازن الطائفي وطبعا يقصدون بشكل خاص الفلسطينيين والسوريين".

سمر غريبة واحدة من أولئك الذين يفترض أنهم يهددون التوازن الطائفي. عشرينية من أم لبنانية وأب سوري. ولدت في لبنان ولم تزر سوريا يوما، فأهلها مقيمون هنا منذ أكثر من 40 سنة، لكنها تعامل معاملة الأجنبي.

غريبة قالت: "أحسست بالفرق بيني وبين أصدقائي سواء في الوثائق أو مستحقات الجامعة، كلهم يعاملون كلبنانيين. أنا أدفع تقريبا مليوني ليرة وهم 700 ألف ليرة. ولا أستفيد حتى من ضمان الجامعة. هنا تساءلت أين أنا؟ ماذا سأفعل؟ أين حق أمي؟".

منذ 2011، والأزمة السورية التي تسببت بلجوء نحو مليون ونصف المليون شخص إلى لبنان، حسب الحكومة اللبنانية، تحيي مخاوف بعض القوى السياسية والطائفية، رغم أن وجود السوريين في لبنان أقدم من عمر الأزمة.

غريبة أضافت: "طبعا الموضوع يقلقني. أولا أنا لا أستطيع الحصول على وظيفة كذلك أختي، حتى في منطقتنا لا نقول إننا سوريون وإلا سنغادر المكان. المنطقة لا تقبل طوائف وجنسيات معينة. وحتى إن أردت أن أنشئ مشروعا خاصا بي لا أستطيع لأنني سورية".

لكن لو كانت والدة سمر هي السورية ووالدها لبنانيا، لحصلتا معا على الجنسية اللبنانية من دون تعقيدات أو خوف من تغيير التركيبة الديموغرافية.

ليثار السؤال: لم لا تحصل المرأة اللبنانية على الشيء ذاته؟

لما فقيه: "هذا سؤال جيد ونوجهه للنواب، لم لا تستطيع المرأة اللبنانية منح الجنسية لأولادها؟".

مصطفى الشعار: "التقينا بالكثير من السياسيين وأخذنا الكثير من الوعود، إنما على أرض الواقع تحسين أنهم يساندون القضية أمام الإعلام والجماهير فقط، لكن لم نجد شخصا يطالب بإحالة مشروع قانون لمجلس النواب أو الحكومة".

الكثير من الجهات الحقوقية والسياسية تقول إن المكون السياسي المسيحي، هو المعرقل الرئيس لمرور مشروع جاد يسمح للمرأة اللبنانية بمنح الجنسية لأبنائها، 
فلطالما كان الوجود الفلسطيني في لبنان موضوعا حساسا، خاصة بالنسبة للمسيحيين. دورهم في الحرب الأهلية اللبنانية مازال عالقا في أذهان الكثيرين منهم.

لكن الشعار يؤكد أن المسيحي هو من لديه هواجس بل "السياسي المسيحي يخلقون فزاعة هواجس".
 
سنة تلو الأخرى، تعالت الأصوات المنادية بحق المرأة في منحها جنسيتها لأبنائها لكن المشاريع التي طرحت لم ترق إلى أهمية المطالب.

المشروع الذي قدمه وزير الخارجية جبران باسيل أحد هذه النماذج، فقد اقترح مشروعا يعطي الأم اللبنانية حق منح جنسيتها لأبنائها إلا إذا تزوجت فلسطينيا أو سوريا. والأمر عينه ينطبق على الرجل اللبناني.

مصطفى الشعار: "القانون الذي اقترحه الوزير جبران باسيل لم يميز بين المرأة والرجل فقط بل بين المرأة والمرأة، وسلب الرجل حقا دستوريا. أجرأ قانون تقدم حتى الآن هو قانون كلودين عون لأن قانون ثلثيه جيد وثلثه يجب أن يعدل".

كلودين عون، ابنة الرئيس اللبناني ميشيل عون، التي تترأس الهيئة الوطنية لشؤون المرأة التي أعدت آخر مشروع قانون تم تقديمه لرئيس الحكومة سعد الحريري.

المشروع يعطي للقاصرين حق نيل الجنسية اللبنانية مباشرة من الأم، أما من تجاوز سن الـ18، فله الحق في طلب الجنسية خلال فترة خمس سنوات مع الحصول خلال هذه الفترة على بطاقة خضراء تمكنه من الاستفادة من الحقوق المدنية والاقتصادية.

كلودين عون قالت لـ"الحرة تتحرى": "اعتبرنا أن هناك هواجس لدى البعض بخصوص العدد عند البعض يمكن أن يحدثوا خللا بالتوازن الديموغرافي أو الطائفي، فكان اقتراح من السيدات داخل الهيئة أن نعطي بطاقة خضراء للأشخاص ما فوق 18 على أن يقدموا الجنسية بعد ذلك حتى نعطي الدولة وقتا للتحقيق في ملفاتهم".

تحقيق قد يراكم ملفات أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب لسنوات إضافية، فوق ملفات آلاف آخرين مازالوا قيد الدرس.

لكنه بالنسبة لكلودين عون فهو حل جزئي، هذا إن باركته الأحزاب والطوائف لما خلفه مرسوم التجنيس الذي صدر عام 1994.

كلودين عون قالت إن "هذا المرسوم هو الذي خلق هذه الهواجس والمخاوف التي ربطت بالمرأة اللبنانية، وهذا هو الظلم الأكبر".

منذ عام 1943، ورؤساء لبنان يصدرون مراسيم تجنيس، بموجب المادة الرابعة والخمسين من الدستور، التي تعطي رئيس الدولة حق استصدار مراسيم خاصة، شريطة توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، أي وزير الداخلية في حالة مراسيم التجنيس.

تناوب الرؤساء على هذه العادة، بدءا ببشارة الخوري، وكميل شمعون، وفؤاد شهاب، وشارل حلو، مرورا بسليمان فرنجية، وإلياس سركيس، وأمين الجميل، وإلياس الهراوي، وصولا إلى ميشال سليمان وميشال عون. الوحيد الذي لم يصدر مرسوم تجنيس، كان إيميل لحود.

حسن منيمنة قال: "القانون اللبناني يعطي رئيس الجمهورية الحق في نهاية ولايته بتجنيس عدد من الأشخاص غير اللبنانيين بما فيه مصلحة لبنان ويخدم لبنان خاصة وأنه غالبا ما يكون المجنسون من أصحاب الخبرات ورجال اقتصاد يمكن أن يساعدوا الاقتصاد".
   
أكثر المراسيم إثارة للجدل، كان عام 1994، عندما أعلن رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري أنه وقع ورئيس الجمهورية إلياس الهراوي إضافة إلى وزير الداخلية وقتها بشارة مرهج على مرسوم سيتم بموجبه تجنيس نحو 150 ألف شخص، ما كان أكبر عملية تجنيس شهدتها البلاد في تاريخها.

المحامية غيدا فرنجية قالت للحرة: "نتيجة المسار القانوني الذي سلكه مرسوم 1994، جنسية هؤلاء غير مستقرة، لديهم الجنسية لكنها غير ثابتة وهذا يحرمهم من العديد من الحقوق، وهذا كله بسبب أخطاء وإهمال متعمد من الدولة اللبنانية. والظروف المحيطة كانت تدل أن هناك استخداما سياسيا لآلية التجنيس وخلق كتل انتخابية، لأننا كنا قد خرجنا وقتها من الحرب الأهلية".
  
وزير الداخلية السابق مروان شربل قال لـ"الحرة تتحرى" إنه "تم توزيع المجنسين بشكل يغير التركيبة الديموغرافية. الآن نحصد سيئات هذا القرار يأتون للانتخاب. عاملين تجارة للانتخابات". 

اعترضت وقتها الطائفة المارونية على المرسوم الذي جنس أعدادا كبيرة من المسلمين السنة، لكن لم يؤثر ذلك على المرسوم. بضع سنوات بعدها استجاب مجلس الشورى لطعون الطائفة المارونية عبر إحالة ملفات كل من شملهم المرسوم، أي 150 ألف شخص تقريبا إلى وزارة الداخلية لمراجعتها والتأكد من استكمال كل شخص من المجنسين الشروط الضرورية.

مروان شربل: "صدر قرار من مجلس الشورى يقول على وزير الداخلية تأليف لجنة لدراسة كل ملف، لكن لم تعد اللجنة قادرة على دراسة الملفات. لدينا 120 ألف ملف، وكل ملف يحتاج قرابة الشهرين. يعني ستنتهي المراجعة على أيام نوح إذا عاد! لهذا مجلس الشورى تهرب، كان يجب أن يلغي المرسوم ويعيد مرسوما جديدا مدروسا.  لكن ما حدث أيضا أن مجلس الشورى طعن في المرسوم بعد سبع أو ثماني سنوات، يعني بعد أن تملك المجنسون وحصلوا على حقوقهم. كان معي عسكري حاصل على الجنسية، ماذا أقول له؟ أقول له ارحل؟".

المجنسون الـ150 ألفا في مرسوم 1994، تضاعف عددهم بنحو ثلاث مرات، ليصبحوا اليوم أكثر من 400 ألف شخص.جنسياتهم معلقة وقيد الدرس لتضاف ملفاتهم إلى من يحملون هذه الصفة منذ عشرات السنوات، من سكان المناطق الحدودية للبنان، والذين أضاع ترسيم الحدود هوياتهم.

المحامية غيدا فرنجية: "معهم هويات وجوازات ويستفيدون من حقوق اللبنانيين لكن بعض الجهات في الدولة تحرمهم من العديد من الحقوق. لا توجد سياسة واضحة بالتالي أي إدارة يمكن أن تمنعهم من حق ما يمكن أن تستغل أن المرسوم قيد المراجعة عند وزارة الداخلية".

كان من المفترض أن يحل مرسوم 1994 أزمة من يعرفون بـ"مكتومي القيد"، ممن لم يسجلوا في إحصاء عام 1932 خلال الانتداب الفرنسي فمن لم يسجل وقتها لم يحصل على أي أوراق تثبت نسبه وخلفه بعد ذلك.

إضافة إلى أهالي وادي خالد والهرمل على الحدود السورية شمالا، وسكان ما يعرف بالقرى السبع الممتدة من آبل القمح شرقي لبنان إلى تربيخا في الغرب، والذين بدأت مأساتهم عندما اقتطعت قراهم من الأراضي اللبنانية وأضيفت للأراضي الفلسطينية، بموجب اتفاق سان ريمو بين فرنسا وبريطانيا عام 1920.

وزير الداخية السابق قال إنه "كان يجب أن يكونوا ضمن مرسوم 1994 لماذا تركوا؟ لماذا تم الاهتمام بغير اللبناني وتجاهل المقيم بلبنان؟"

حسب موقع الجيش اللبناني، يقتضي اعتبار جميع أهالي القرى السبع لبنانيين من أصل لبناني، لكن ذلك على الموقع فقط.

آمنة البقاعي، من القرى السبع: "القرى السبع عبارة عن مسلمين شيعة. القرية التي ينتمي لها زوجي قبل الملح قضاء الخيام مرج عيون ثلاثة أرباعها شيعة وربعها مسيحيون. بصراحة القرى السبع عبارة عن بازار سياسي كل طرف يرميها للآخر".

كلمة بازار التي لربما اختارتها آمنة بشكل تلقائي، تعكس بشكل أو بآخر ما يحدث في القرى السبع، أو على الأقل مع عائلتها.

البقاعي قالت إن أهل زوجها لبنانيون لكنه يحمل الوثيقة الفلسطينية. تملك عائلة آمنة وثائق تثبت أن والد زوجها لبناني ووالدته أيضا. زوجها لبناني المولد والوالدين، لكنه فلسطيني على الأوراق. لماذا؟ لأن والده تأخر في تسجيله.

أصبح ابنه كذلك، فلسطينيا، بما أنه لا يستطيع الحصول على الجنسية اللبنانية من والدته، بسبب عدم سماح القانون بذلك، أو والده الذي لا يجد سببا قانونيا يحرمه الجنسية اللبنانية.

أضافت البقاعي: "أولاد عمه لبنانيون، أنا لبنانية ووالده لبناني لماذا يحرم من الهوية اللبنانية بسبب محسوبيات سياسية وطائفية؟"
   
أكثر مرسوم أثار الجدل بعد مرسوم 1994، كان ذلك الذي أصدره الرئيس الحالي ميشال عون ووقع عليه رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق،
فكما بني مرسوم 1994 على مصالح سياسية وطائفية، كذلك مرسوم عون، مع اختلاف القوى التي اختارت المجنسين.

المحامي محمد صبرا قال لـ"الحرة تتحرى": "ما حدث في مرسوم 2018، أنه بني على مصالح فئوية، يخدم حزب الله ويخدم أشخاص بأعينهم. لا يخدم معايير القانون اللبناني.

عادة ما تنشر جميع مراسيم التجنيس في الجريدة الرسمية اللبنانية، من أقدمها إلى أحدثها باستثناء مرسوم عون الذي جنس بضع مئات والذي سمي بالمرسوم الشبح، إلى أن شنت بعض التيارات السياسية حملة على المرسوم والأسماء التي وردت فيه.

أهم هذه الأسماء سامر فوز أبرز رجال الأعمال السوريين المقربين من نظام الأسد.
خرج المرسوم بعدها إلى النور من دون بعض الأسماء التي أثارت الجدل، وبين ثناياه أسماء أخرى لا تقل أهمية عمن شنت الحملة ضدهم.

المحامي محمد صبرا: "أغلب هذه الأسماء، ليس كما ادعت الحكومة مستثمرون أو متمولون، فلنأخذ مثلا أبناء الوزير هاني مرتضى، هو وزير تعليم وكان سابقا رئيس جامعة دمشق. أهميته في سوريا أن عائلته هي التي تتولى الإشراف على مقام السيدة زينب منذ 70 سنة. أبناؤه ليسوا رجال أعمال، لا مصانع أو مصالح لديهم لكنهم الآن يساهمون بتمرير الأموال لحزب الله".

بالنسبة للمحامي محمد صبرا والرئيس السابق للوفد السوري المعارض حملة التجنيس هذه وإن كانت الأعداد فيها لا ترقى إلى ما حدث عام 1994، فإن توقيتها والأسماء الذين شملهم المرسوم هو الأخطر.  

صبرا قال إن هناك بعض الأثرياء لديهم مصالح مع حزب الله: "نأخذ على سبيل المثال خلدون الزعبي وهو رئيس مجلس إدارة أمان القابضة. عبد القادر صبرا حوت النقل البحري في سوريا ومعروف مسألة نقل النفط والبضائع الإيرانية التي تأتي إلى سوريا. تم تجنيسهم لنقل الأموال دون أن تطالهم أي عقوبات أميركية أو أوروبية".

فزاعة التركيبة الديموغرافية التي أشهرها بعض ساسة لبنان لعقود تتلاشى يوما بعد آخر، حتى باتت الجنسية اللبنانية توزع بناء على المصالح، بل وتستغلها قوى مثل حزب الله لتكوين دائرة نفوذ جديدة عوض تلك التي طوقتها العقوبات الدولية.

أما من يستوفون الشروط القانونية من أبناء البلد فيعيشون فيها غرباء.

 

 

 

 

 

 

 

 

الجامعات الأميركية

قبل عقود، كانت جامعة ميشيغان، شأن العديد من الجامعات الأميركية المرموقة، توفر تعليما عالي الجودة لشريحة طلابية معظمها من المولودين في الولايات المتحدة. قلّة فقط كانوا يأتون من أماكن بعيدة للعيش في بلدة آن آربر الجامعية—فمعظم الزوّار كانوا يقودون سياراتهم من المناطق القريبة لحضور مباريات كرة القدم الجامعية. وحتى أولئك الذين جاؤوا من أماكن أبعد، كانوا غالبا طلابا أميركيين من ولايات أخرى.

اليوم، أصبحت هذه البلدة الجامعية، التي كانت يوما ما ريفية، كأنها حاضنة اجتماع للأمم المتحدة. فالتجول في الحرم الجامعي يكشف أن قسماً كبيراً من الطلاب لم يأتوا من مناطق مجاورة، بل من بلدان تقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وأثناء تجوالك، يمكنك سماع لغات متعددة، من الصينية، والإسبانية، والكورية، والعربية، وبالطبع الإنكليزية، التي غالبا ما تُنطق بلكنة تشي بأن المتحدثين لم يولدوا في أميركا.

هذا هو الوجه الجديد للأكاديمية الأميركية—عقول شابة طموحة وعلماء مخضرمون من جميع أنحاء العالم، يوحدهم شغف مشترك بالبحث العلمي.

مع ذلك، يخشى البعض، اليوم، من أن الغموض وعدم اليقين باتا يلقيان ظلالا على مستقبل الطلاب الدوليين والبحث العلمي عموما. ومع ورود تقارير عن "قمع" لاحتجاجات في الحرم الجامعي، وخفض للمنح الخاصة بالمعاهد البحثية، والتغيرات في سياسات الهجرة، يبرز سؤال ملح: هل ستظل أميركا رائدة في مجال التعليم العالي على المستوى العالمي؟

لكن هناك من يعتقد أن لا ضرورة للمبالغة في التشاؤم. 

يقول الاقتصادي، دون غرايمز، في حديث مع قناة "الحرة" إن "الحكايات عن أفراد من الطلاب يواجهون صعوبات هي حقيقية، لكنها تمثل جزءاً ضئيلاً جداً من بين أكثر من مليون طالب أجنبي في البلاد. كثيرا ما لا تتطابق التصورات مع الواقع الأوسع".


خلفية

قبل تصاعد الجدل الحالي بشأن الجامعات، كانت المؤسسات الأميركية التعليمية تعاني بالفعل—ليس بسبب تغيّرات سياسية أو اقتصادية بشكل رئيسي، بل بسبب العامل الديموغرافي، حيث انخفض عدد السكان في سنّ الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة.

ومنذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، أصبحت الجامعات في دائرة الضوء: من النقاشات حول مبادرات التنوع والعدالة والشمول (DEI)، واتهامات لأعضاء هيئة التدريس بالتحيز "الليبرالي"، إلى ادعاءات بمعاداة السامية بين المتظاهرين من الطلاب.

في المقابل، اتخذ ترامب خطوات للضغط على المؤسسات التي يعتبرها نخبوية—وخاصة جامعات الـ Ivy League—من خلال التهديد بقطع ما مجموعه 5.2 مليار دولار من التمويل الفيدرالي. وفي الوقت ذاته، واجهت وكالات رئيسية مرتبطة بالبحث العلمي، مثل المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تخفيضات في الميزانية تحت إشراف وزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، مع اقتطاعات قد تؤثر حتى على الدرجات العلمية المصنفة "آمنة" مثل تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

وبالإضافة إلى هذه التوترات، تم إلغاء منح التأشيرات لبعض الطلاب الدوليين، ووجّه بعض المسؤولين في الجامعات طلابهم بعدم السفر خارج الولايات المتحدة خلال عطلة الصيف.


في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن إجراءات إلغاء التأشيرات تستهدف الدوليين الذين "ينتهكون قوانيننا" والطلاب الدوليين الذين "يسيئون استخدام ضيافتنا".

ويشير مراقبون إلى أن هذه الإجراءات جاءت إلى حدّ كبير كردّ فعل على مشاركة العديد من الطلاب الدوليين في احتجاجات عنيفة مؤيدة للفلسطينيينو وانتماءاتهم المزعومة لجماعات متطرفة.

وبينما تراجعت إدارة ترامب عن إلغاء العديد من تأشيرات الطلاب، أثارت حالة عدم اليقين هذه قلقاً في الأوساط الجامعية من احتمال انخفاض أعداد الطلاب الدوليين. 

وأظهر استطلاع أجرته منظمة IDP Education، المتخصصة في توجيه الطلاب الدوليين، أن عددا ضئيلا فقط من الطلاب الدوليين ما زالوا يحتفظون برؤية إيجابية تجاه الولايات المتحدة.

"كنت أتمنى لو أستطيع أن أكون أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل،" قال ويليام بروستين، نائب الرئيس السابق للاستراتيجية العالمية والشؤون الدولية في جامعة وست فرجينيا، "الحقيقة هي، يبدو أن هناك مزيدا من الغيوم الداكنة في الأفق أمام الطلاب الدوليين".


ما مدى أهمية الطلاب الدوليين لقطاع التعليم الأميركي؟

يلعب الطلاب الدوليون دوراً رئيسياً في دعم قطاع التعليم العالي الأميركي. ففي عام 2023، استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب الدوليين، وهو ما يمثل نحو سدس جميع الطلاب الدوليين حول العالم. بالمقابل، في عام 2024، التحق 19.1 مليون طالب أميركي بجامعات محلية، في حين اختار 280,716 طالباً فقط الدراسة في الخارج ـ أي ما يعادل 1% فقط من مجموع الطلاب الأميركيين.

"عادة ما يدفع الطلاب الدوليون أعلى معدلات الرسوم الدراسية ولا يتلقون مساعدات مالية من الولاية أو الحكومة الفيدرالية، ما يجعلهم جذابين من الناحية المالية للجامعات،" قال دونالد غرايمز، "كما يساهمون بشكل كبير في الاقتصادات المحلية، لا سيما في البلدات الجامعية التي تميل إلى أن تكون أكثر ازدهارا بسبب ارتفاع نسبة الخريجين فيها".

ويضيف: "في آن آربر، يشكل الطلاب الدوليون نحو 20% من إجمالي المسجلين. إنهم عنصر حيوي في مجتمعنا الأكاديمي".

وبعد التخرج، يبقى العديد من الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة للعمل في مجالات متخصصة تستفيد من مهاراتهم. ووفقا لغرايمز  "توفر الجامعات ما نسميه ‘وظائف جيدة’، ذات رواتب مجزية، ومزايا، وتساهم في إنشاء صناعات فرعية. سواء كانت شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية أو مقاهٍ محلية تعتمد على حركة الطلاب، فإن الجامعة تُعد محركا اقتصاديا".

وحذّر من أن تخفيض تمويل المؤسسات البحثية لن يضر المختبرات الأكاديمية فحسب. "الأمر لا يقتصر على العلماء. سترى التأثير في التصنيع، والخدمات، وحتى في قطاع العقارات. فقدان جامعة يشبه فقدان مصنع في القرن العشرين—إنه يضرب الاقتصاد المحلي في الصميم".

علاوة على ذلك، فإن الاستثمار في الطلاب الدوليين يعود بفوائد كبيرة أخرى، وفقا لغرايمز. 

"أولا، يدفع الطلاب الدوليون عادة رسوم الدراسة بالكامل، ما يسهم في تحمل تكلفة تعليم الطلاب المحليين. وثانيا، لأن اطلاب الدوليين تلقوا تعليمهم الأساسي خارج أميركا، فإن ذلك يعني أن تكلفة تعليمهم حتى هذه المرحلة قد تحملها نظام تعليمي في بلد آخر".

هذه الفرصة الاقتصادية أصبحت مربحة جدا لدرجة أن مؤسسات مثل جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين حصلت على بوليصة تأمين تغطي خسارة محتملة تصل إلى 60 مليون دولار من إيرادات الرسوم الدراسية، في حال حصول انخفاض كبير في عدد الطلاب الصينيين.


هل القلق مبرر؟

يحذر محللون من احتمال انهيار نظام التعليم العالي الأميركي، وحصول نزيف أدمغة وشيك، بينما يعتقد آخرون أن العائلات حول العالم ما زالت حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعاتها.

وأطلقت دول مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا مبادرات تهدف إلى جذب الباحثين الأميركيين. وقال يان دانكيرت، وهو بروفيسور في جامعة (Vrije Universiteit Brussel) عزمه اجتذاب المواهب الأميركية للعمل في جامعة بروكسل.

في الوقت ذاته، لاحظ خبراء جامعات في الولايات المتحدة توجها بين العائلات القلقة نحو إرسال أبنائها للدراسة في الخارج.

وقال حفيظ لكهاني، مؤسس ورئيس شركة Lakhani Coaching في نيويورك إن "هناك الكثير من عدم اليقين، وعدم اليقين لا يناسب التخطيط طويل المدى".

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال الوجهة الأكثر تفضيلا في العالم للطلاب الدوليين، بدأت دول أخرى  تقترب من منافستها في هذا المجال. فمنذ سنوات، أصبحت كندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألمانيا وجهات جاذبة للطلاب الدوليين.

على سبيل المثال، في 2010، استقبلت الولايات المتحدة 723,277 طالباً دولياً مقارنة بـ 225,260 في كندا. أما في 2023، فقد استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب، مقابل مليون طالب في كندا.

ومع ذلك، يرى كريستوفر ريم، الرئيس التنفيذي لشركة Command Education للاستشارات الجامعية، أن هناك، لا تزال، مساحة واسعة للتفاؤل.

"رغم التغيرات العالمية، لا تزال العائلات المتعلمة والثرية حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للحصول على تعليم جامعي. لا يزالون يرون أن أميركا موطن لأفضل الجامعات في العالم".