أمينة سريري 

لا تزال بعض الدول العربية تحرم المرأة من منح جنسيتها لأبنائها في حال تزوجت أجنبيا.  

لبنان أحد هذه الدول لكن الحسابات السياسية والتجاذبات الطائفية تجاوزت مسألة وضع قانون، حتى بات على أرضه الآلاف من لبنانيي الهوية والدم، لكنهم يعاملون معاملة الأجانب.

تحت عنوان "لبنان.. غرباء الوطن" تستعرض "الحرة تتحرى" أسباب عدم تحديث القوانين المنظمة للجنسية، وكيف يتم استغلال ذلك في الحسابات السياسية.

من هو اللبناني من بين هؤلاء؟ كيف تعرفه؟ من الملامح؟ اللهجة؟ مكان الولادة؟ نسب الأب؟ أو الأم؟ قد يتحقق فيه كل ما سبق لكن دون أن يكون لبنانيا.

اللبناني طبقا لقوانين البلاد هو كل شخص مولود من أب لبناني أو مولود في أراضي دولة لبنان الكبير التي رسم الانتداب الفرنسي حدودها عام .

رحل الفرنسيون وتركوا خلفهم قانونا ما زال يتحكم في اللبنانيين واللبنانيات بشكل خاص.

لما فقيه، من منظمة هيومن رايتس ووتش: "هناك عدد من البلدان في العالم العربي تعطي الأم الجنسية كمصر وتونس واليمن والمغرب، وعدد من الدول تتغير فيها القوانين كقطر التي باتت فيها الأم قادرة على منح الإقامة لأبنائها. نحن ندفع بهذا الشيء في لبنان. على مدى 20 سنة المرأة تحارب لتحصل على حقوقها وحقوق أولادها".

رئيس حملة "جنسيتي كرامتي" مصطفى الشعار: "آخر إحصاء لسكان لبنان كان في 1932 فمن الطبيعي ألا يكون عدد دقيق للبنانيات المتزوجات من أجانب، لكن تقدر العدد بناء على دراسات بحوالي 70 ألف امرأة.

ندى رمضان، محامية لبنانية متزوجة من أجنبي، بين الـ70 ألفا. لم يؤثر ذلك على حياتها إلى أن أنجبت.المحامية المتزوجة من فلسطيني قالت: "بدأت المشاكل عندما كبر أولادي وتفوقوا وصاروا يحرمون من الجوائز لأنهم فلسطينيون وليسوا لبنانيين. كانوا يقومون بحرمانهم منها ويعطونها للبناني".
 
تتفاقم مشكلات أبناء اللبنانية المتزوجة من أجنبي، عندما يقفون على أعتاب الجامعات وبعد أن يتخرجوا منها خاصة إن كان الأب فلسطينيا.

رمضان: "بصعوبة وبمحسوبية استطاعوا الحصول على عمل يجب أن يكونوا في مجال نادر حتى ينافسوا اللبناني ويحصلوا على عمل".

المهن الممنوعة على الفلسطينيين  

حسب وكالة الأونروا، لا يستطيع فلسطينيو لبنان العمل في 36 مهنة، أي أن أكثر من 174 ألف شخص، حسب إحصاء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التابعة للحكومة اللبنانية، بمن فيهم أبناء اللبنانيات ممنوعون من مزاولة هذه المهن، حتى إن العدد قد يكون أكبر من ذلك.

سمير أبو عفش، أمين سر حركة فتح في لبنان، قال إن "لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أخذت فئات معينة. نحن على سبيل المثال خارج المخيمات ونحن كثر لم يشملنا الإحصاء. لذلك هو إحصاء غير واقعي وغير حقيقي".

مشاكل جزء من هذه الأعداد، أي أبناء الأم اللبنانية من أب فلسطيني، لا تتوقف عند الدراسة والوظائف، بل تنسحب على قضايا التملك والإرث وغيرها من أساسيات الحياة، المعلقة على شماعة التوطين وتغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد التي يغذيها زعماء الطوائف في لبنان.

رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني حسن منيمنة قال إن بعض القوى تعلن أنها مع هذا الحق لكن بشروط "هي تقف عند مسألة التوازن وتستثني بعض من هم من أصول غير لبنانية محددة لأنهم يهددون التوازن الطائفي وطبعا يقصدون بشكل خاص الفلسطينيين والسوريين".

سمر غريبة واحدة من أولئك الذين يفترض أنهم يهددون التوازن الطائفي. عشرينية من أم لبنانية وأب سوري. ولدت في لبنان ولم تزر سوريا يوما، فأهلها مقيمون هنا منذ أكثر من 40 سنة، لكنها تعامل معاملة الأجنبي.

غريبة قالت: "أحسست بالفرق بيني وبين أصدقائي سواء في الوثائق أو مستحقات الجامعة، كلهم يعاملون كلبنانيين. أنا أدفع تقريبا مليوني ليرة وهم 700 ألف ليرة. ولا أستفيد حتى من ضمان الجامعة. هنا تساءلت أين أنا؟ ماذا سأفعل؟ أين حق أمي؟".

منذ 2011، والأزمة السورية التي تسببت بلجوء نحو مليون ونصف المليون شخص إلى لبنان، حسب الحكومة اللبنانية، تحيي مخاوف بعض القوى السياسية والطائفية، رغم أن وجود السوريين في لبنان أقدم من عمر الأزمة.

غريبة أضافت: "طبعا الموضوع يقلقني. أولا أنا لا أستطيع الحصول على وظيفة كذلك أختي، حتى في منطقتنا لا نقول إننا سوريون وإلا سنغادر المكان. المنطقة لا تقبل طوائف وجنسيات معينة. وحتى إن أردت أن أنشئ مشروعا خاصا بي لا أستطيع لأنني سورية".

لكن لو كانت والدة سمر هي السورية ووالدها لبنانيا، لحصلتا معا على الجنسية اللبنانية من دون تعقيدات أو خوف من تغيير التركيبة الديموغرافية.

ليثار السؤال: لم لا تحصل المرأة اللبنانية على الشيء ذاته؟

لما فقيه: "هذا سؤال جيد ونوجهه للنواب، لم لا تستطيع المرأة اللبنانية منح الجنسية لأولادها؟".

مصطفى الشعار: "التقينا بالكثير من السياسيين وأخذنا الكثير من الوعود، إنما على أرض الواقع تحسين أنهم يساندون القضية أمام الإعلام والجماهير فقط، لكن لم نجد شخصا يطالب بإحالة مشروع قانون لمجلس النواب أو الحكومة".

الكثير من الجهات الحقوقية والسياسية تقول إن المكون السياسي المسيحي، هو المعرقل الرئيس لمرور مشروع جاد يسمح للمرأة اللبنانية بمنح الجنسية لأبنائها، 
فلطالما كان الوجود الفلسطيني في لبنان موضوعا حساسا، خاصة بالنسبة للمسيحيين. دورهم في الحرب الأهلية اللبنانية مازال عالقا في أذهان الكثيرين منهم.

لكن الشعار يؤكد أن المسيحي هو من لديه هواجس بل "السياسي المسيحي يخلقون فزاعة هواجس".
 
سنة تلو الأخرى، تعالت الأصوات المنادية بحق المرأة في منحها جنسيتها لأبنائها لكن المشاريع التي طرحت لم ترق إلى أهمية المطالب.

المشروع الذي قدمه وزير الخارجية جبران باسيل أحد هذه النماذج، فقد اقترح مشروعا يعطي الأم اللبنانية حق منح جنسيتها لأبنائها إلا إذا تزوجت فلسطينيا أو سوريا. والأمر عينه ينطبق على الرجل اللبناني.

مصطفى الشعار: "القانون الذي اقترحه الوزير جبران باسيل لم يميز بين المرأة والرجل فقط بل بين المرأة والمرأة، وسلب الرجل حقا دستوريا. أجرأ قانون تقدم حتى الآن هو قانون كلودين عون لأن قانون ثلثيه جيد وثلثه يجب أن يعدل".

كلودين عون، ابنة الرئيس اللبناني ميشيل عون، التي تترأس الهيئة الوطنية لشؤون المرأة التي أعدت آخر مشروع قانون تم تقديمه لرئيس الحكومة سعد الحريري.

المشروع يعطي للقاصرين حق نيل الجنسية اللبنانية مباشرة من الأم، أما من تجاوز سن الـ18، فله الحق في طلب الجنسية خلال فترة خمس سنوات مع الحصول خلال هذه الفترة على بطاقة خضراء تمكنه من الاستفادة من الحقوق المدنية والاقتصادية.

كلودين عون قالت لـ"الحرة تتحرى": "اعتبرنا أن هناك هواجس لدى البعض بخصوص العدد عند البعض يمكن أن يحدثوا خللا بالتوازن الديموغرافي أو الطائفي، فكان اقتراح من السيدات داخل الهيئة أن نعطي بطاقة خضراء للأشخاص ما فوق 18 على أن يقدموا الجنسية بعد ذلك حتى نعطي الدولة وقتا للتحقيق في ملفاتهم".

تحقيق قد يراكم ملفات أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب لسنوات إضافية، فوق ملفات آلاف آخرين مازالوا قيد الدرس.

لكنه بالنسبة لكلودين عون فهو حل جزئي، هذا إن باركته الأحزاب والطوائف لما خلفه مرسوم التجنيس الذي صدر عام 1994.

كلودين عون قالت إن "هذا المرسوم هو الذي خلق هذه الهواجس والمخاوف التي ربطت بالمرأة اللبنانية، وهذا هو الظلم الأكبر".

منذ عام 1943، ورؤساء لبنان يصدرون مراسيم تجنيس، بموجب المادة الرابعة والخمسين من الدستور، التي تعطي رئيس الدولة حق استصدار مراسيم خاصة، شريطة توقيع رئيس الحكومة والوزير المختص، أي وزير الداخلية في حالة مراسيم التجنيس.

تناوب الرؤساء على هذه العادة، بدءا ببشارة الخوري، وكميل شمعون، وفؤاد شهاب، وشارل حلو، مرورا بسليمان فرنجية، وإلياس سركيس، وأمين الجميل، وإلياس الهراوي، وصولا إلى ميشال سليمان وميشال عون. الوحيد الذي لم يصدر مرسوم تجنيس، كان إيميل لحود.

حسن منيمنة قال: "القانون اللبناني يعطي رئيس الجمهورية الحق في نهاية ولايته بتجنيس عدد من الأشخاص غير اللبنانيين بما فيه مصلحة لبنان ويخدم لبنان خاصة وأنه غالبا ما يكون المجنسون من أصحاب الخبرات ورجال اقتصاد يمكن أن يساعدوا الاقتصاد".
   
أكثر المراسيم إثارة للجدل، كان عام 1994، عندما أعلن رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري أنه وقع ورئيس الجمهورية إلياس الهراوي إضافة إلى وزير الداخلية وقتها بشارة مرهج على مرسوم سيتم بموجبه تجنيس نحو 150 ألف شخص، ما كان أكبر عملية تجنيس شهدتها البلاد في تاريخها.

المحامية غيدا فرنجية قالت للحرة: "نتيجة المسار القانوني الذي سلكه مرسوم 1994، جنسية هؤلاء غير مستقرة، لديهم الجنسية لكنها غير ثابتة وهذا يحرمهم من العديد من الحقوق، وهذا كله بسبب أخطاء وإهمال متعمد من الدولة اللبنانية. والظروف المحيطة كانت تدل أن هناك استخداما سياسيا لآلية التجنيس وخلق كتل انتخابية، لأننا كنا قد خرجنا وقتها من الحرب الأهلية".
  
وزير الداخلية السابق مروان شربل قال لـ"الحرة تتحرى" إنه "تم توزيع المجنسين بشكل يغير التركيبة الديموغرافية. الآن نحصد سيئات هذا القرار يأتون للانتخاب. عاملين تجارة للانتخابات". 

اعترضت وقتها الطائفة المارونية على المرسوم الذي جنس أعدادا كبيرة من المسلمين السنة، لكن لم يؤثر ذلك على المرسوم. بضع سنوات بعدها استجاب مجلس الشورى لطعون الطائفة المارونية عبر إحالة ملفات كل من شملهم المرسوم، أي 150 ألف شخص تقريبا إلى وزارة الداخلية لمراجعتها والتأكد من استكمال كل شخص من المجنسين الشروط الضرورية.

مروان شربل: "صدر قرار من مجلس الشورى يقول على وزير الداخلية تأليف لجنة لدراسة كل ملف، لكن لم تعد اللجنة قادرة على دراسة الملفات. لدينا 120 ألف ملف، وكل ملف يحتاج قرابة الشهرين. يعني ستنتهي المراجعة على أيام نوح إذا عاد! لهذا مجلس الشورى تهرب، كان يجب أن يلغي المرسوم ويعيد مرسوما جديدا مدروسا.  لكن ما حدث أيضا أن مجلس الشورى طعن في المرسوم بعد سبع أو ثماني سنوات، يعني بعد أن تملك المجنسون وحصلوا على حقوقهم. كان معي عسكري حاصل على الجنسية، ماذا أقول له؟ أقول له ارحل؟".

المجنسون الـ150 ألفا في مرسوم 1994، تضاعف عددهم بنحو ثلاث مرات، ليصبحوا اليوم أكثر من 400 ألف شخص.جنسياتهم معلقة وقيد الدرس لتضاف ملفاتهم إلى من يحملون هذه الصفة منذ عشرات السنوات، من سكان المناطق الحدودية للبنان، والذين أضاع ترسيم الحدود هوياتهم.

المحامية غيدا فرنجية: "معهم هويات وجوازات ويستفيدون من حقوق اللبنانيين لكن بعض الجهات في الدولة تحرمهم من العديد من الحقوق. لا توجد سياسة واضحة بالتالي أي إدارة يمكن أن تمنعهم من حق ما يمكن أن تستغل أن المرسوم قيد المراجعة عند وزارة الداخلية".

كان من المفترض أن يحل مرسوم 1994 أزمة من يعرفون بـ"مكتومي القيد"، ممن لم يسجلوا في إحصاء عام 1932 خلال الانتداب الفرنسي فمن لم يسجل وقتها لم يحصل على أي أوراق تثبت نسبه وخلفه بعد ذلك.

إضافة إلى أهالي وادي خالد والهرمل على الحدود السورية شمالا، وسكان ما يعرف بالقرى السبع الممتدة من آبل القمح شرقي لبنان إلى تربيخا في الغرب، والذين بدأت مأساتهم عندما اقتطعت قراهم من الأراضي اللبنانية وأضيفت للأراضي الفلسطينية، بموجب اتفاق سان ريمو بين فرنسا وبريطانيا عام 1920.

وزير الداخية السابق قال إنه "كان يجب أن يكونوا ضمن مرسوم 1994 لماذا تركوا؟ لماذا تم الاهتمام بغير اللبناني وتجاهل المقيم بلبنان؟"

حسب موقع الجيش اللبناني، يقتضي اعتبار جميع أهالي القرى السبع لبنانيين من أصل لبناني، لكن ذلك على الموقع فقط.

آمنة البقاعي، من القرى السبع: "القرى السبع عبارة عن مسلمين شيعة. القرية التي ينتمي لها زوجي قبل الملح قضاء الخيام مرج عيون ثلاثة أرباعها شيعة وربعها مسيحيون. بصراحة القرى السبع عبارة عن بازار سياسي كل طرف يرميها للآخر".

كلمة بازار التي لربما اختارتها آمنة بشكل تلقائي، تعكس بشكل أو بآخر ما يحدث في القرى السبع، أو على الأقل مع عائلتها.

البقاعي قالت إن أهل زوجها لبنانيون لكنه يحمل الوثيقة الفلسطينية. تملك عائلة آمنة وثائق تثبت أن والد زوجها لبناني ووالدته أيضا. زوجها لبناني المولد والوالدين، لكنه فلسطيني على الأوراق. لماذا؟ لأن والده تأخر في تسجيله.

أصبح ابنه كذلك، فلسطينيا، بما أنه لا يستطيع الحصول على الجنسية اللبنانية من والدته، بسبب عدم سماح القانون بذلك، أو والده الذي لا يجد سببا قانونيا يحرمه الجنسية اللبنانية.

أضافت البقاعي: "أولاد عمه لبنانيون، أنا لبنانية ووالده لبناني لماذا يحرم من الهوية اللبنانية بسبب محسوبيات سياسية وطائفية؟"
   
أكثر مرسوم أثار الجدل بعد مرسوم 1994، كان ذلك الذي أصدره الرئيس الحالي ميشال عون ووقع عليه رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق،
فكما بني مرسوم 1994 على مصالح سياسية وطائفية، كذلك مرسوم عون، مع اختلاف القوى التي اختارت المجنسين.

المحامي محمد صبرا قال لـ"الحرة تتحرى": "ما حدث في مرسوم 2018، أنه بني على مصالح فئوية، يخدم حزب الله ويخدم أشخاص بأعينهم. لا يخدم معايير القانون اللبناني.

عادة ما تنشر جميع مراسيم التجنيس في الجريدة الرسمية اللبنانية، من أقدمها إلى أحدثها باستثناء مرسوم عون الذي جنس بضع مئات والذي سمي بالمرسوم الشبح، إلى أن شنت بعض التيارات السياسية حملة على المرسوم والأسماء التي وردت فيه.

أهم هذه الأسماء سامر فوز أبرز رجال الأعمال السوريين المقربين من نظام الأسد.
خرج المرسوم بعدها إلى النور من دون بعض الأسماء التي أثارت الجدل، وبين ثناياه أسماء أخرى لا تقل أهمية عمن شنت الحملة ضدهم.

المحامي محمد صبرا: "أغلب هذه الأسماء، ليس كما ادعت الحكومة مستثمرون أو متمولون، فلنأخذ مثلا أبناء الوزير هاني مرتضى، هو وزير تعليم وكان سابقا رئيس جامعة دمشق. أهميته في سوريا أن عائلته هي التي تتولى الإشراف على مقام السيدة زينب منذ 70 سنة. أبناؤه ليسوا رجال أعمال، لا مصانع أو مصالح لديهم لكنهم الآن يساهمون بتمرير الأموال لحزب الله".

بالنسبة للمحامي محمد صبرا والرئيس السابق للوفد السوري المعارض حملة التجنيس هذه وإن كانت الأعداد فيها لا ترقى إلى ما حدث عام 1994، فإن توقيتها والأسماء الذين شملهم المرسوم هو الأخطر.  

صبرا قال إن هناك بعض الأثرياء لديهم مصالح مع حزب الله: "نأخذ على سبيل المثال خلدون الزعبي وهو رئيس مجلس إدارة أمان القابضة. عبد القادر صبرا حوت النقل البحري في سوريا ومعروف مسألة نقل النفط والبضائع الإيرانية التي تأتي إلى سوريا. تم تجنيسهم لنقل الأموال دون أن تطالهم أي عقوبات أميركية أو أوروبية".

فزاعة التركيبة الديموغرافية التي أشهرها بعض ساسة لبنان لعقود تتلاشى يوما بعد آخر، حتى باتت الجنسية اللبنانية توزع بناء على المصالح، بل وتستغلها قوى مثل حزب الله لتكوين دائرة نفوذ جديدة عوض تلك التي طوقتها العقوبات الدولية.

أما من يستوفون الشروط القانونية من أبناء البلد فيعيشون فيها غرباء.

 

 

 

 

 

 

 

 

الذئاب المنفردة

فجر أول أيام يناير، 2025، وثقت كاميرا مثبتة على جسم أحد أفراد الشرطة الأميركية لحظات محاصرة شمس الدين جبّار، منفّذ عملية الدهس في مدينة نيو أورلينز الأميركية، أثناء محاولته الهروب بينما تناثرت أجساد ضحاياه على الأرض من حوله.

تحوّلَ جبّار من رقيب سابق في الجيش الأميركي، إلى إرهابي قاتل لـ 14 ضحية، ساقتهم الأقدار  إلى شارع بوربون الشهير للاحتفال بليلة رأس السنة.

جبار ليس "الذئب المنفرد" الوحيد.

 في تحقيق لـ"الحرة تتحرى"، تقصت نسرين عجب تاريخ الظاهرة وواقعها، لتحذر من مستقبل ترسم فيه الذئاب صفحة مظلمة.

يروي عباس الداهوك، وهو عقيد سابق في الجيش الأميركي، في مقابلة مع الحرة، أن حياة جبار كانت مليئة بالمشكلات، وكانت لديه خطة لجمع عائلته في مكان واحد لارتكاب العنف ضد أفرادها. لكنه في اللحظة الأخيرة قرر العدول عن تنفيذ الخطة، وسلك طريقا مختلفا. 

قاد شاحنته، وعليها علم داعش، ليفتك بأبرياء عزّل في مدينة نيو أورلينز. لم يُستبعد ارتباطه بالتنظيم الإرهابي، لكن على الأرجح كان يتصرف كذئب منفرد.

صباح اليوم نفسه، على بُعد 1700 ميل إلى الغرب، أطل الإرهاب بوجهه البشع مرة أخرى.

أمام فندق يعود للرئيس دونالد ترامب، في مدينة لاس فيغاس، انفجرت شاحنة كهربائية، بعد انتحار مستأجرها ماثيو ليفلسبيرغر، الرقيب الأول في القوات الخاصة الأميركية. 

يقول كولن كلارك، الخبير في قضايا الإرهاب، إن هذا كان أشبه بعرض لجذب الانتباه إلى ما كان للأسف نوعا من التشتّت الذهني لشخص ربما كان يعاني بشدة من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويضيف أنه بعد 20 عاما من تركيز ضيّق للغاية على نوع واحد من الإرهاب، وهو الإرهاب الجهادي، "أدركنا الآن أن الأمور أكثر تعقيدا".

يشير كلارك إلى مفهوم الذئب المنفرد، أي كيف يمكن لشخص ما، من دون مقدمات، أن يتحوّل في أي بقعة من العالم، إلى ذئب منفرد يتبربص بضحاياه الغافلين، ليفتك بهم وينشر الرعب.

الذئب المنفرد، بحسب وزارة العدل الأميركية، هو شخص ينفّذ بمفرده هجوما إرهابيا ضد مجتمع يكون هو جزءا منه، بدوافع سياسية أو دينية، ولغرض التأثير على الرأي العام، أو عملية صنع القرار السياسي. وقد يستلهم أفكاره من مجموعة أو شبكة معينة، ولكنه لا يكون خاضعا لقيادتها.

برنامج "الحرة تتحرى" يعود بملف الذئاب المنفردة إلى بدايات هذا النوع من الإرهاب، وكيف تنامى، ويعرض أبرز الهجمات، ودوافع منفذيها، والأيديولوجيات التي تبنوها، إضافة إلى شرح الكوامن النفسية التي تدفع شخصا ما عن سابق إصرار وترصّد، إلى قتل آخرين، يراهم غالبا للمرة الأولى، وهو يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، يصعب في الغالب الكشف أو التنبؤ بهجمات الإرهابي الوحيد أو الذئب المنفرد، لأنك لا يمكن أن تراقب المجتمع بالكامل، كما أن الذئب المنفرد لا تظهر عليه أي علامات سابقة على تنفيذه الهجوم. 

في المقابل، يرى رامون سباي، وهو عالم اجتماع متخصص بظاهرة الذئاب المنفردة في ملبورن، أستراليا، أنه بمرور الوقت، أصبح إرهاب الذئاب المنفردة يشكّل نسبة أكبر بكثير من إجمالي الهجمات الإرهابية، وأن سياق هذه الهجمات، ورغم أن منفذيها أفراد، غالبا ما تكون نسخة متطرفة، أو تعبيرا عن الصراعات المجتمعية الأوسع الجارية في ذلك الوقت.

أما وائل سلامة، طبيب نفسي عمل على حالات لإرهابيين في السجون اللبنانية، فيؤكد أن هذه الحالات هي بلا شك نوع من البحث عن هوية.

"بالنسبة له (الذئب المنفرد) حتى عندما يتم قتله يصل إلى الغاية المنشودة، فالغاية الأساسية من الجريمة، أن يثبت قدراته".

قد يكون مصطلح "الذئاب المنفردة" حديث العهد، لكن فعل الهجوم الأحادي، ظهر قبل قرنين من الزمان.

يعود تاريخ الهجمات الأحادية، بحسب رامون سباي مؤلف كتابين عن إرهاب الذئاب المنفردة، إلى القرن التاسع عشر، لما يُعرف بإرهاب "الأناركية"، وهي تستند إلى فلسفة سياسية، وكان لديها استراتيجية تسمى "المقاومة القانونية"، و"الدعاية بالفعل".

وتتضمن استراتيجيتها ارتكاب أعمال عنف جماعي بشكل متفرق، وليس كجزء من مجموعة منظمة، من خلال قيام أفراد بشن هجمات عنيفة على مسؤولين حكوميين، رؤساء دول، وعائلات ملكية.

يشتق مصطلح الأناركية من الكلمة اليونانية "أنارخيا"، التي تعني بدون حاكم.

اكتسف فلسفة الأناركية شهرة في القرن التاسع عشر، ودعت إلى مجتمع بلا حكومة، أو هياكل هرمية.

في حديث مع "الحرة"، يقول ستيف كيليليا، مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام، الذي ينشر تقارير سنوية عن مؤشرات الإرهاب في العالم، إن مفهوم الذئب المنفرد، بدأ بالظهور فعليا في الفترة بين عامي 1870 و1930، مع حركة الأناركية في أوروبا والولايات المتحدة.وقد تكون إحدى أبرز هجمات هذه الحركة اغتيال الرئيس الأميركي، وليام ماكينلي، عام 1901.

أُعدم قاتل الرئيس، الأناركي ليون تشولغوش، بالكرسي الكهربائي، لكن هجمات الحركة استمرت على مدى عقود. وفي نهاية السبعينيات، شغل إرهابي مجهول الهوية السلطات الأميركية لسبعة عشر عاما كاملا.

وفق تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي أرسل هذا الشخص، أو سلّم باليد، سلسلة من القنابل التي كانت تزداد تطوراً، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. 

يخبر سباي فريق "الحرة تتحرى" أنه منذ التسعينيات، ومع صعود اليمين المتطرف، بدأت فعلياً استراتيجية الذئب المنفرد أو الفاعل المنفرد، واستُخدم المصطلح بشكل أكثر تحديدا وانتشارا بواسطة نشطاء اليمين خاصة المتطرفين منهم.

وظهر كثير من "الذئات المنفردة" يضيف سباي، في صفوف اليمين المتطرّف، وذلك نتيجة استراتيجية تسمى "المقاومة بلا قائد"، وهي طريقة لمنع اختراق أو تفكيك جماعة أو منظمة من قبل وكالات إنفاذ القانون، وهي أيضا وسيلة لحماية القيادة، من خلال جعل الأشخاص يتصرفون بشكل فردي، فإذا تم القبض عليهم، فلن يكون لديهم تفاصيل عن الشبكة أو المخطط الأكبر.

لا يقتصر وجود الإرهاب على طريقة الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة، بل يمتد عبر الأطلنطي إلى القارة العجوز.

بحسب ستيف كيليليا مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، فإن عددا من الدول التي لم تتعرض لهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، شهد عام 2024 ثماني هجمات ذئاب منفردة في السويد. وفي كل من فنلندا وهولندا والدنمارك وقع هجومان، وتصاعدت الهجمات من هذا النوع في دول أخرى مثل النرويج.

أما ألمانيا، فمن أكثر الدول الغربية تعرضا للإرهاب، ومنها هجمات ذئاب منفردة. 

قبيل عيد الميلاد عام 2024، نفّذ طالب العبد المحسن، طبيب نفسي من أصول سعودية، عملية دهس في سوق مزدحم، في مدينة ماغديبورغ الألمانية، أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، وإصابة مئات آخرين.

طبقا لتقارير متخصصة، 93 في المئة من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية نفذت بواسطة "ذئاب منفردة". فما الذي يجذبهم إلى هذا الأسلوب دون سواه؟ 

يجيب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، بأن الأسهل هي هجمات الذئاب المنفردة لأنها طبعا أصعب في الكشف والتوقع. ويعني أنها يمكن أن تحدث في أي وقت وأي مكان، "أما الهجمات المنسقة فتحتاج للموارد، وتأخذ وقتا طويلا في التجهيز والتخطيط والتنفيذ".

قد يبدو الفعل بعدائيته نابعا من قوة، إلا أن علم النفس له رأي آخر.

في الجزء الأكبر منه هو ناتج عن عقدة نقص "دائما ما تدفع بالشخص ليبالغ بردة الفعل"، ، يقول وائل سلامة، الطبيب النفسي، فمن ناحية المجرم أو الإرهابي فهو "يريد أن يضخم بجريمته لتضخيم ردة الفعل وبالتالي يغذي عقدة النقص الموجودة لديه".

يخبر رامون سباي "الحرة" أن ما لاحظه في كثير من حالات الذئاب المنفردة التي درسها هو أنه "بمرور الوقت يحدث تحوّل حقيقي في هويتهم"، فيرون ارتكاب العنف عملا ثوريا يمنحهم شعورا بالوجود والأهمية،  ... والإحساس القوي بالاستقامة الأخلاقية والتصرّف باسم الحق والخير"، رغم أن ما يقومون به هو فعل إجرامي ضحاياه في الغالب أناس أبرياء يُستهدفون بينما هم منشغلون بشؤونهم اليومية.