متظاهرات يحملن صور أبستين أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك
متظاهرات يحملن صور أبستين أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك

أثارت وفاة الملياردير الأميركي المتهم بالاعتداء على عشرات القاصرات و"الاتجار بالجنس"، جيفري أبستين، دهشة كثير من السياسيين في الولايات المتحدة، مطالبين بتوضيح كامل لملابسات ما حدث.

ونقلت تقارير صحفية عن مسؤولين لم تسمهم، أن أبستين البالغ 66 عاما، انتحر شنقا في زنزانته وعثر على جثته صباح السبت.

وفاة أبستين جاءت بعد ساعات من كشف محكمة استئناف فيدرالية، الجمعة، ما يقرب من 2000 صفحة من السجلات المتعلقة بملف رجل الأعمال الثري في مانهاتن.

اشتهر أبستين بتجارة الجنس للقصر بين عامي 2002 و2005، وعلاقاته الوثيقة بالعديد من نخب المجتمع الأميركي والعالم، بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السابق بيل كلينتون والأمير البريطاني أندرو.

قال عنه الرئيس ترامب، في السابق، "عرفت جيف منذ 15 عاما. إنه رجل رائع ومرح. يقال إنه يحب النساء الجميلات بقدر ما أحبهن. يتمتع جيفري بحياته الاجتماعية".

الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون، سافر سابقا مع أبستين على متن طائرة الأخير الخاصة إلى إفريقيا، إلى جانب الممثلين كيفين سبيسي وكريس تاكر.

وقال متحدث باسم الرئيس الأميركي السابق "جيفري ممول ناجح للغاية ومحب الخير. أقدر بشكل خاص رؤيته وكرمه خلال الرحلة الأخيرة إلى أفريقيا للعمل على تحقيق الديمقراطية، وتمكين الفقراء، وخدمة المواطنين ومكافحة الإيدز".

كما ارتبط أبستين عاطفيا بغيزلين ماكسويل، ابنة قطب الإعلام البريطاني الراحل روبرت ماكسويل.

ميوله السياسية

من عام 1989 وحتى عام 2003، تبرع أبستين بأكثر من 139 ألف دولار لمرشحين ولجان فيدرالية ديمقراطية، وأكثر من 18 ألف دولار لمرشحين وجماعات جمهورية، وفقا لبيانات من موقع OpenSecrets.

ومن بين المستفيدين البارزين من تبرعاته، الرئيس كلينتون والسناتور الجمهوري السابق بوب باكوود، حسب الموقع.

 في عام 2003، أي قبل عامين من التحقيق الشامل في مزاعم الاستغلال الجنسي للفتيات القاصرات، توقف عطاؤه السياسي فجأة.

سيرته الذاتية

اسمه جيفري إدوارد أبستين. من مواليد عام 1953 في بروكلين نيويورك، لوالدين مهاجرين. كان والده جامع قمامة، وأمه مساعدة في مدرسة. 

التحق بجامعة نيويورك، لكنه لم يحصل على شهادة رغم ذلك كان مبرزا في الرياضيات.

في منتصف السبعينيات، حصل على عمل في إحدى المدارس المرموقة، وهنا لفت الأضواء.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز "لقد فوجئ الطلاب في إحدى المدارس المرموقة في نيويورك بمقابلة معلم جديد متجولا في القاعات وهو يرتدي معطف فرو، وسلاسل ذهبية، وكاشفا صدره".

في هذه الفترة، لم يلحظ لأبستين سلوك جنسي غير لائق مع الفتيات، رغم ذلك تم فصله من المدرسة بسبب سوء الأداء.

استغل بعد ذلك، اتصالاته مع مدرسة دالتون للعمل في وول ستريت، حتى التحق في زمن وجيز بصفوف بنك الاستثمار (حينها) بير شتيرنز.

خلال سنوات وجيزة وفي عام 1982، تمكن من جمع ثروة وفتح شركته الخاصة وكان يتعامل فقط مع أصحاب المليارات.

بدأت الادعاءات حول سلوك أبستين الجنسي مع فتيات صغيرات في الظهور في عام 2005. وبينما كانت الاتهامات تتعلق بحوالي 40 فتاة مراهقة، وافق أليكس أكوستا المدعي العام في ميامي (آنذاك ثم وزير للعمل لاحقا) على صفقة مع أبستين في عام 2007. أكوستا استقال كوزير للعمل الشهر الماضي بعد تعرضه لانتقادات بسبب الإشراف على تلك الصفقة.

أقر أبستين بأنه مذنب في تهم دعارة وليس جرائم فيدرالية أكثر خطورة. حوكم بالسجن 13 شهرا وكان مطلوبا منه التسجيل كمرتكب جرائم جنسية.

الدعوى المرفوعة ضده صورت ماكسويل على أنها متعهدة أبستين، وهو ادعاء نفته بشدة.

وقالت إحدى المشتكيات إن أبستين أرغمها على إقامة علاقات جنسية مع الأمير أندرو، وهو ادعاء نفاه قصر باكنغهام بشدة.

حياة صاخبة

على الرغم من كل هذا، وإدانته بارتكاب جرائم جنسية، واصل أبستين حياته الصاخبة متنقلا بطائرات خاصة بين مدينته نيويورك وجنوب فلوريدا ونيو مكسيكو وجزر فيرجن الأميركية وباريس.

اعتقل أبستين الشهر الماضي حيث اتهمه مكتب الادعاء العام في مانهاتن بأنه "أغرى وجند فتيات قاصرات للانخراط في أعمال جنسية معه مقابل منح الضحايا مئات من الدولارات نقدا".

وحسب الادعاء، فإن أبستين "دفع لإغراء آخرين بهذه الطريقة، وأنشأ شبكة واسعة من الضحايا من دون السن القانونية لاستغلالهن جنسيا".

وهي جرائم تصل عقوبتها إلى السجن 45 عاما، في حال الإدانة. لكن الملياردير أكد أنه غير مذنب.

وعرض حوالي 100 مليون دولار للإفراج عنه بكفالة، وطلب الإقامة الجبرية مع حراسة أمنية يدفع ثمنها، لكن القاضي رفض.

كلينتون وترامب نأيا بنفسيهما عن أبستين.

معلومات مثيرة

بعد اعتقال أبستين، بدأت تتكشف بعض التفاصيل حول حياته الغامضة.

عثر على جواز سفر نمساوي بصورته، ولكن باسم مختلف. كما عثرت السلطات على الماس ونقود عند تفتيش منزله في مانهاتن.

لكن الأغرب، حسب تقرير صادر عن التايمز، أن أبستين أراد "زرع الجنس البشري بحمضه النووي من خلال تخصيب امرأة في مزرعته الكبيرة في نيو مكسيكو". وقال المقال إن أبستين أراد أيضا تجميد رأسه وقضيبه بعد وفاته، على ما يبدو بسبب اهتمامه بعلم مبتكر يهدف إلى إحياء الأجسام المجمدة في المستقبل.

تساؤلات

دفعت صلات أبستين المستمرة بشخصيات ثرية وقوية في الولايات المتحدة وخارجها إلى إثارة شكوك حول انتحاره.

وزير العدل الأميركي، ويليام بار، قال السبت إنه "روع" بوفاة أبستين فيما يبدو في عملية انتحار داخل زنزانته. وقال إنه سوف يحقق في ملابسات وفاته. وأضاف في بيان "وفاة السيد أبستين تثير تساؤلات خطيرة يجب الإجابة عليها".

عمدة نيويورك والمرشح الرئاسي لعام 2020، بيل دي بلاسيو، حذر من أن كلا من يثبت ضلوعه في شبكة أبستين المزعومة للاتجار بالجنس سيقدم إلى العدالة. وأضاف "قد يكون جيفري أبستين فر من يومه في المحكمة، لكن إذا اعتقد المفترسون الأثرياء المتورطون في شبكته الجنسية أنهم تخلصوا منه، فهم أخطأوا".

وطرح عدد من القادة السياسيين في أميركا أيضا تساؤلات ممثالة، وقالت النائبة الديمقراطية من نيويورك ألكاسندريا أوكاسيو كورتيز "نريد إجابات"، مبدية قلقها على تأثير وفاة أبستين على القضية الجنائية المعلقة ضده وضحاياه المزعومين.

وحث النائب الديمقراطي بولاية فلوريدا لويس فرانكل لجنة الرقابة في مجلس النواب على "البدء في التحقيق على الفور" في اتفاق الإقرار الصادر عام 2008 والذي سمح لأبستين بتجنب اتهامات الاتجار بالجنس.

مات أبستين، لكن إرثه القديم، فيما يبدو، سيستمر.

 

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".