يعيش في الولايات المتحدة نحو 34 مليون مهاجر شرعي
استمارة طلب تغيير الوضع القانوني في أميركا، وبطاقة الآمن الاجتماعي وبطاقة غرين كارد

أحدث تغيير تدخله إدارة الرئيس دونالد ترامب على السياسة الفيدرالية للهجرة، يتوقع أن يؤدي إلى الحيلولة دون استقرار مزيد من المهاجرين بشكل قانوني في الولايات المتحدة.

البروتوكول الجديد “Public Charge” أو "العبء على الدولة"، الذي أعلن رسميا الأربعاء يأتي في إطار مساعي تبذلها إدارة ترامب للدفع باتجاه تفضيل المهاجرين من ذوي الكفاءات وأولئك الذين لا يحتمل أن يعتمدوا على إعانات الدولة.

وتقدر الحكومة بأن حوالي 380 ألف مهاجر سيخضعون بشكل مباشر للمراجعة بموجب البروتوكول الجديد عندما يدخل حيز التنفيذ منتصف أكتوبر القادم.

القاعدة الجديدة "تعاقب" المؤهلين للإعانات الحكومية

يعاقب القانون الجديد، حسب وسائل إعلام أميركية، أي شخص مؤهل للحصول على إعانات اجتماعية حتى وإن لم يحصل عليها، إذ ستقوم سلطات الهجرة بتقييم ما إذا سيكون المهاجر مؤهلا للحصول على المساعدات الحكومية في المستقبل قبل أن تتخذ قرارا حول وضعيته في البلاد.

ويقيّم مسؤولو خدمات الجنسية والهجرة، المتقدمين بطلبات للحصول على الإقامة الدائمة، بناء على "ظروف شاملة" ينظرون فيها إلى عدد من العوامل مثل السن والصحة والتاريخ الوظيفي.

وقد وسّعت إدارة ترامب برامج الإعانات المشمولة بهذه الخطوة لتضم برنامج الرعاية الصحية ميديكيد (Medicaid) والشيكات الخاصة للحصول على مساعدات غذائية وتعرف بـFood Stamps.

لكن هناك بعض البرامج الاجتماعية المعفية من عملية المراجعة ولن تحسب ضد المهاجرين مثل المساعدة الطبية الطارئة أو المساعدة بعد كارثة طبيعية أو التخفيض في سعر الوجبات في مطاعم المدارس.

من تطبق عليه القاعدة الجديدة؟

يقول مسؤولو الهجرة إن القاعدة الجديدة لن تطبق على من يحملون بطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد) أو الذين يريدون تجديدها، فيما تنص على إعفاءات للحوامل والأطفال واللاجئين وطالبي اللجوء وبعض أفراد القوات المسلحة.

وباستثناء هؤلاء، سيطبق الإجراء على من يريدون القدوم إلى الولايات المتحدة بطريقة شرعية وعلى من دخلوا إلى أراضيها بشكل قانوني ويرغبون في الحصول على الإقامة الدائمة.

وبحسب الحكومة، فإن حوالي 544 ألف شخص يسعون للحصول على بطاقات غرين كارد كل عام وأن حوالي 382 ألفا منهم سيضطرون على الأرجح إلى ملء استمارة خاصة تسمى "إعلان الاكتفاء الذاتي".

 الأفراد المقيمون في أميركا بشكل قانوني سيتأثرون أيضا

قاعدة "العبء على الدولة"​ أثارت مخاوف بين المهاجرين ما قد يؤثر، وفق مراقبين، على أطفال المهاجرين الذين ولدوا في الولايات المتحدة ويحملون الجنسية الأميركية، إذا اختار آباؤهم عدم طلب إعانات خشية احتمال رفض حصولهم على الإقامة الدائمة.

وفيما لا يمكن للمهاجرين غير الشرعيين التسجيل في برامج اجتماعية حكومية مثل المساعدات الغذائية، يمكن لكثير من الأسر التي لديها أبناء يحملون الجنسية الأميركية ذلك.

التغيير يعقد عملية الهجرة

حسب شبكة أيه بي سي، فإن المتقدمين بطلبات الحصول على غرين كارد سيضطرون إلى تقديم مزيد من الوثائق لإثبات أنهم لن يحتاجوا إلى الإعانات الحكومية، فيما سيحتاج العاملون في خدمات الهجرة إلى تدريب إضافي لإجراء العمليات الحسابية التي ستحدد من سيحتاجون للمساعدة من غيرهم.

القاعدة الجديدة ستواجه تحديات قانونية

يرتقب أن يرفع مسؤولون في ولاية كاليفورنيا دعوى قضائية على إدارة الرئيس ترامب بسبب القاعدة الجديدة لأنها، كما يقولون، تقصي المهاجرين الذين تنطبق عليهم الشروط القانونية للحصول على الجنسية.

وقال البيت الأبيض في بيان الاثنين، إن القواعد الجديدة "ستحمي دافعي الضرائب الأميركيين، وستحافظ على نظامنا للمعونات العامة للأميركيين الضعفاء وستفرض احترام القانون".

وأوضح القائم بأعمال مدير إدارة الهجرة الأميركية، كين كوتشينيلي، أنه "مع تنظيم الأعباء على المجتمع، فإن حكومة الرئيس ترامب تدافع مرة أخرى عن مُثُل الاستقلال الذاتي والمسؤولية الفردية، وتضمن أن المهاجرين قادرون على تأمين احتياجاتهم بأنفسهم والنجاح هنا في أميركا".

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".