صورة من الأقمار الصناعية للإعصار دوريان
صورة من الأقمار الصناعية للإعصار دوريان

انتقل إعصار دوريان خلال الساعات الأخيرة، إلى الدرجة الخامسة لتصنيف الأعاصير، بعد أن كان ضمن الدرجة الرابعة، وقبلها الثالثة.

وبهذا التصنيف الجديد، فإن الولايات المتحدة تصف رسميا الإعصار الذي بلغت سرعة رياحه 260 كيلومتر في الساعة حتى الآن وفقا لمقياس "سفير سمبسون" لقياس سرعة الرياح، بأنه "ذو ضرر كارثي".

وتصنف درجات الأعاصير ابتداء من الدرجة الثالثة فيما أعلى بـ "الكبيرة"، نظرا لحجم الضرر المتوقع واحتمالية خسارة الأروح، أما عواصف الدرجة الأولى والثانية تعتبر خطيرة أيضا، لكن بدرجة أقل وتحتاج تدابير وقائية.

فيما يلي درجات الأعاصير الخمسة، وسرعة كل منها بحسب مقياس "سفير سمبسون":

درجات الأعاصير

​​​

 

1- الدرجة الأولى: السرعة بين 119 إلى 153 كيلومتر في الساعة، يوصف الإعصار باحتوائه على "رياح خطيرة جدا، وستتسبب في بعض الضرر".

يتسبب الإعصار ضمن هذه الدرجة، في إحداث ضرر للأشجار، وأسطح المنازل، وتلف في خطوط الكهرباء.

مثال: إعصار هرمين - 2 سبتمبر 2016

2- الدرجة الثانية: السرعة بين 154 إلى 177 كيلومتر في الساعة، يوصف بأنه "رياح شديدة الخطورة، وستتسبب في أضرار جسيمة."

يتسبب في أضرار بنفس تأثير الدرجة الأولى، مع إمكانية اقتلاع الأشجار، وانقطاع بدرجة أكبر في الكهرباء.

مثال: إعصار ماثيو - 7 أكتوبر 2016

3- الدرجة الثالثة: السرعة بين 178 إلى 208 كيلومتر في الساعة، يوصف بأنه "سيتسبب في ضرر مدمر".

يتسبب بأضرار واسعة النطاق في أسقف المنازل، وإسقاط الأشجار واقتلاعها، وانقطاع التيار الكهربائي، والمياه.

مثال: إعصار ويلما - 24 أكتوبر 2005

4- الدرجة الرابعة: السرعة بين 209 إلى 251 كيلومتر في الساعة، ويوصف بأنه "سيتسبب في ضرر كارثي".

ضرر شديد يصيب أسطح المنازل وجدرانها الخارجية، ويتسبب في اقتلاع الأشجار، وانقطاع المياه والكهرباء، وإسقاط أعمدة الكهرباء في الشارع.

مثال: إعصار إرما - 10 سبتمبر 2017

5- الدرجة الخامسة: هو الذي يندرج دوريان تحته، وتبدأ سرعته من 252 كيلومتر في الساعة إلى ما هو أعلى، ويوصف أيضا بأنه "يتسبب في ضرر كارثي"، لكن بدرجة أعلى من الدرجة الرابعة.

يتسبب في تدمير المنازل بنسبة عالية، بالإضافة إلى انهيار الجدران، وسقوط الأشجار وأعمدة الكهرباء، وانقطاع الكهرباء والمياه.

مثال: إعصار مايكل - 10 أكتوبر 2018

دوريان ليس الأقوى

​​

ورغم اشتداد إعصار دوريان ليبلغ الفئة الخامسة وفق ما أعلن الأحد، فإنه ليس الأقوى في تاريخ الولايات المتحدة، فيما يقع إعصار "عيد العمال عام 1935" أو كما يسمى رسميا بـ "الإعصار الثالث"، على رأس قائمة أقوى الأعاصير الأميركية.

وقد ضرب إعصار "عيد العمال" سواحل فلوريدا في 2 سبتمبر 1935، حيث وصلت سرعة رياحه القصوى إلى 295 كيلومتر في الساعة (185 ميل في الساعة).

وقد تسبب الإعصار في مقتل نحو 423 شخصا، وخسائر مالية قدرها 100 مليون دولار، والتي تساوي بمقياس اليوم نحو 1.7 مليار دولار أميركي.

ويعتبر إعصار عيد العمال لعام 1935، هو أول إعصار من الفئة الخامسة على الإطلاق يضرب سواحل الولايات الأميركية.

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".