مبنى وزارة الخزانة الأميركية
مبنى وزارة الخزانة الأميركية

هشام بورار – واشنطن

رغم مفاخرته بزيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء الجيش الأميركي، يؤكد الرئيس دونالد ترامب في أكثر من مناسبة أن العقوبات الاقتصادية هي سلاحه الأمثل في التعاطي مع النزاعات الدولية.

ويوضح مسؤول مقرب من الرئيس الأميركي للحرة أن هذا التوجه لا ينبغي أن يكون مفاجئا، ولا سيما أن رؤيته لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي منذ البدء تبني على "توظيف القوة الاقتصادية الأميركية كأداة فعالة في السياسة الخارجية".  

التجربة التركية

وأمام شكوك وانتقادات متعالية وحدت خصوم الرئيس وأصدقاءه ضد قرار سحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا الذي مهد للتوغل التركي، بدا ترامب واثقا من أن تهديداته بتدمير الاقتصاد التركي كافية لردع أنقرة. وبعكس الإدارات السابقة التي اعتادت على وضع وزير الدفاع في واجهة التعامل مع نزاعات دولية من هذا النوع، كان لافتا أن البيت الأبيض كلف وزير الخزانة ستيف منوتشن بإعلان الرد الأميركي على تركيا.  

وبعد توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا وانتهاء العمليات العسكرية في شمال سوريا، لم يتأخر ترامب عن إبراز نجاعة مقاربته وإنهاء نزاع مسلح "من دون قطرة دم من جندي أميركي".

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها ترامب إلى سياسة العقوبات لإجبار تركيا بالتحديد على تغيير سلوكها. ففي صيف عام 2018 نجح أيضا في إرغام أنقرة، بعد ضغوط اقتصادية قاسية، على الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون الذي كانت تعتقله بتهمة التورط في الإرهاب والتجسس. بل اللافت في الأمر أن العقوبات رغم قساوتها لم تفسد للود قضية بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب رجب إردوغان الذي لا يزال يعتزم زيارة البيت الأبيض في منتصف الشهر المقبل.

تجارب لم تحسم

غير أن فعالية سياسة العقوبات لا تبدو بنفس الوضوح في حالات أخرى. ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد بيتر هاريل إن سياسة الضغط الأقصى لم تقد إيران إلى طاولة المفاوضات حتى الآن أو تقديم تنازلات بقدر ما دفعتها إلى "مزيد من التصعيد لتعزيز موقعها التفاوضي".

ويضيف أن كوريا الشمالية لا تزال ترفض نزع الأسلحة النووية الشامل واستأنفت التجارب الصاروخية رغم وقع العقوبات المشددة. كما أن الرئيس الفنزويلي المطعون في شرعيته نيكولاس مادورو لا يزال متمسكا بالسلطة رغم تراجع الناتج الإجمالي المحلي لهذا البلد بنسبة 25 في المئة بسبب العقوبات الأميركية على عائدات النظام من الثروات النفطية.

لكن الإدراة الأميركية تشدد على أن من المبكر الحكم على مدى نجاح استراتيجية العقوبات، لأن الضغوط الاقتصادية بطبيعتها تحتاج إلى "وقت أطول من العمل العسكري" لإجبار الأنظمة على تغيير سلوكها.

وبينما يرى محللون أن إدارة ترامب  قد تحقق أهدافها في نهاية المطاف بشأن إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، فإنهم يحذرون من أن حظوظ نجاح هذه الاستراتيجية عبر التاريخ لا تزيد عن ثلث الحالات التي استخدمت فيها العقوبات.

تجارب العقوبات عبر التاريخ

 لم يكن ترامب الرئيس الأميركي الوحيد الذي استخدم القوة الاقتصادية كسلاح في السياسة الخارجية. ففي عام 1956 أجبر الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور بريطانيا على الانسحاب من قناة السويس عبر التهديد ببيع سندات الحكومة الأميركية من العملة البريطانية والقضاء على النظام المالي البريطاني. وعلى مدى الحرب الباردة اعتمدت دول غربية كثيرة على العقوبات والحظر الاقتصادي في التعاطي مع الاتحاد السوفياتي.

رهان النظام المالي الأميركي

تراهن الادراة الأميركية على أن حكومات كثيرة عبر العالم لا يمكنها أن تستغني عن النظام المالي الأميركي الذي تمر من خلاله معاملاتها المالية. كما أنها لا ترغب في فقدان أصولها وممتلكاتها التي راكمتها على الأراضي الأميركية. ويشدد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الاقتصادية بيتر نافارو على أن "الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزء من الأمن القومي". وما دامت الولايات المتحدة تحتفظ بأكبر احتياطي في العالم من العملة فيما يبقى الدولار أكثر العملات تداولا في العالم، فإن قوة الاقتصاد تبقى سلاحا لا يقل أهمية عن الترسانة الدفاعية الأميركية.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)

من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

ما الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015؟

تشتبه دول كثيرة في سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران. وتوصلت إيران إلى اتفاق عام 2015 مع بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا والصين، يعرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

ورفع الاتفاق عقوبات للأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا عن طهران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي. وأقر مجلس الأمن الدولي الاتفاق في قرار صدر في يوليو 2015.

ما دور الولايات المتحدة في الاتفاق النووي؟

بعد أن وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه "أسوأ اتفاق على الإطلاق"، سحب ترامب بلاده من الاتفاق عام 2018، في ولايته الأولى، وأعاد جميع العقوبات الأميركية على طهران. وردا على ذلك، بدأت إيران في الابتعاد عن التزاماتها بموجب الاتفاق.

وفشلت محادثات غير مباشرة بين طهران وإدارة الرئيس السابق جو بايدن، في إحراز أي تقدم.

وينص الاتفاق المبرم عام 2015 على أن إيران ستتعامل مع أي إعادة لفرض العقوبات "كسبب للتوقف عن تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق كليا أو جزئيا".

وأعاد ترامب في فبراير العمل بحملة "أقصى الضغوط" على إيران. وقال إنه منفتح على اتفاق، لكنه هدد أيضا باستخدام القوة العسكرية إذا لم توافق إيران على إنهاء برنامجها النووي.

ما الذي تفعله إيران؟

قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إن إيران تسرع "بشدة" في تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60 بالمئة، أي قريبا من مستوى النقاء البالغ 90 بالمئة المستخدم في صنع الأسلحة.

وتقول الدول الغربية إنه لا توجد حاجة لتخصيب اليورانيوم إلى هذا المستوى العالي للاستخدامات المدنية، وإنه لا توجد دولة أخرى فعلت ذلك دون إنتاج قنابل نووية. وتقول إيران إن برنامجها النووي سلمي.

ما "العودة السريعة"؟

بموجب اتفاق 2015، هناك عملية تُعرف باسم "العودة السريعة" تعيد بها الأمم المتحدة فرض العقوبات على إيران.

وإذا لم تتمكن الأطراف من حسم اتهامات "التقاعس الكبير (لإيران) عن الأداء" يمكن تفعيل هذه العملية في مجلس الأمن الدولي المؤلف من 15 عضوا.

وبمجرد بدء العملية، يتعين أن يصوت مجلس الأمن في غضون 30 يوما على قرار لمواصلة رفع العقوبات عن إيران، ويتطلب ذلك 9 أصوات مؤيدة وعدم استخدام الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو بريطانيا أو فرنسا لحق النقض (الفيتو) لاعتماد القرار.

وإذا لم يتم اعتماد القرار، فسيتم إعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران ما لم يتخذ مجلس الأمن إجراءات أخرى.

ماذا فعلت الولايات المتحدة من قبل في الأمم المتحدة؟

على الرغم من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، قالت الولايات المتحدة في أغسطس 2020 إنها دشنت عملية إعادة فرض العقوبات، بحجة أن بإمكانها ذلك لأن قرار 2015 ما زال يعتبرها مشاركا.

لكن جميع الأطراف الآخرين في الاتفاق، إيران وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبريطانيا وروسيا والصين، أبلغوا مجلس الأمن أنهم لا يعترفون بالتحرك الأميركي. كما عارض ذلك جميع أعضاء المجلس تقريبا ولم يتم الاعتراف رسميا بإعادة فرض العقوبات.

ويمتلك جميع المشاركين الآخرين القدرة على تفعيل عملية إعادة فرض العقوبات لكن لا يرغب في ذلك في الواقع إلا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فقط.

ماذا يحدث الآن؟

حين ينتهي أمد قرار الأمم المتحدة لعام 2015 في 18 أكتوبر، تنتهي فرصة تفعيل عملية إعادة فرض العقوبات. ووجه ترامب سفيره في الأمم المتحدة للعمل مع الحلفاء لإعادة فرض العقوبات على إيران.

وأبلغت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مجلس الأمن أنها مستعدة لمتابعة إعادة فرض العقوبات. وتضغط هذه الدول من أجل الحصول على تقرير "شامل" من الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول أنشطة إيران النووية، وهو ما قد يعزز أيضا قضية العقوبات.

ويتعين على المشاركين في الاتفاق العمل أولا من خلال آلية تسوية النزاعات الواردة فيه التي أطلقتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا في يناير كانون الثاني 2020. وتعترض روسيا على ذلك.

وستأخذ بريطانيا وفرنسا وألمانيا في الحسبان على الأرجح أن روسيا ستصبح رئيس المجلس في سبتمبر أيلول، عند وضع استراتيجية تحرك لإعادة فرض العقوبات في مجلس الأمن.

ماذا ستكون العقوبات؟

إذا حدث إعادة فرض للعقوبات، فستعود كل التدابير التي فرضها مجلس الأمن على إيران في ستة قرارات من 2006 إلى 2010.

ومن هذه التدابير، حظر على الأسلحة، و حظر على تخصيب وإعادة معالجة اليورانيوم، فضلا عن حظر على عمليات الإطلاق والأنشطة الأخرى المتعلقة بالصواريخ الباليستية القادرة على حمل أسلحة نووية، وأيضا حظر على نقل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والمساعدة التقنية.

ومن التدابير الأخرى، تجميد عالمي مستهدف للأصول وحظر السفر على أفراد وكيانات من إيران، والسماح للبلدان بتفتيش شحنات شركة إيران آير للشحن الجوي وخطوط الشحن التابعة لجمهورية إيران الإسلامية بحثا عن بضائع محظورة.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إن الولايات المتحدة ستجري محادثات مباشرة مع إيران يوم السبت لمناقشة برنامجها النووي.

ومن المقرر أن تنعقد المحادثات بين المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، ومسؤول إيراني رفيع المستوى في عُمان.

وأضاف روبيو خلال اجتماع للحكومة برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "نأمل في أن يؤدي ذلك إلى السلام. نحن واضحون للغاية بشأن أن إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا، وأعتقد أن هذا ما دفعنا إلى عقد هذا الاجتماع".

وأعرب ترامب عن تفضيله التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني بدلاً من اللجوء إلى المواجهة العسكرية.