ترامب يلوم منظمة الصحة على "فشلها" في دق ناقوس الخطر حول فيروس كورونا المستجد، في وقت أبكر
ترامب يلوم منظمة الصحة على "فشلها" في دق ناقوس الخطر حول فيروس كورونا المستجد، في وقت أبكر

بينما تستمر الجهود الدولية للتعاون من أجل محاربة فيروس كورونا المستجد الذي فرض تحديات صحية واجتماعية واقتصادية لم تستثن أي بلد وخلقت حساسيات في علاقات بين دول صديقة مثل إيطاليا والاتحاد الأوروبي، شهدت علاقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع منظمة الصحة العالمية توترا في الآونة الأخيرة وصلت إلى حد تهديده بقطع التمويل الأميركي عنها.

وأعلن ترامب، الثلاثاء، أنه يدرس "تعليق" المساهمة المالية الأميركية في المنظمة  بعد ما وصفه بـ"فشلها" في دق ناقوس الخطر حول فيروس كورونا المستجد، في وقت أبكر.

وقال في مؤتمره الصحفي اليومي حول كوفيد-19، "لا أقول إنني سأفعل ذلك، ولكننا سننظر في الأمر"، متراجعا عن تصريح سابق في المؤتمر ذاته قال فيه متوعدا "سننظر بعناية فائقة في ذلك. وسوف نوقف الأموال التي تنفق على منظمة الصحة. سنضع قبضة قوية عليها وسنرى ما يحدث".

ويلقي ترامب اللوم على منظمة الصحة ويتهمها بالفشل في "كل جوانب" الوباء العالمي، فضلا عن الانحياز للصين. وقال الثلاثاء "إنهم يقفون دائما إلى جانب الصين، ولكننا نمول "المنظمة"، مضيفا "لذا نريد أن ننظر في الأمر".

يذكر أن الكونغرس خصص حوالي 123 مليون دولار للمنظمة التابعة للأمم المتحدة في عام 2020، فيما اقترح ترامب في وقت سابق 58 مليون دولار للسنة المالية 2021. وتتبع المنظمة سياسة تتجنب توجيه انتقادات علنية إلى الدول الأعضاء لتلافي تقويض إجراءاتها الصحية.

ودخلت الصين على الخط الأربعاء، إذ أعرب وزير خارجيتها عن دعم بلاده لمنظمة الصحة وقال إن وقف التمويل الأميركي سيكون له "آثار سلبية" على التعاون الدولي لمحاربة الفيروس.

وقال زاو ليجيان في مؤتمر صحافي في بكين، "نأمل أن تظل البلدان متضامنة وأن تساهم في هذه الاستجابة العالمية المشتركة"، مضيفا "ستواصل الصين دعم دور منظمة الصحة ودعم قيادتها في هذه المعركة".

وبدأت المنظمة دق ناقوس الخطر حول فيروس كورونا المستجد في مدينة ووهان الصينية التي انطلق منها، في منتصف يناير، وفي الـ30 من الشهر ذاته صنفت وباء كوفيد-19 طارئا صحيا عالميا عندما كانت هناك 8200 حالة في 18 دولة.

لكن إعلان الطارئ الصحي الذي صدر على لسان المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أرفقته دعوة للدول لـ"التزام الهدوء وعدم فرض تدابير تتدخل من دون داع في التجارة الدولية والسفر".

وقال "هذا وقت الحقائق وليس، وقت الخوف. هذا وقت العلم وليس الشائعات. هذا وقت التضامن وليس وصمة العار".

بعد تلك التصريحات بيوم، وقع ترامب أمرا تنفيذيا بمنع دخول أي مواطن أجنبي زار الصين، إلى الأراضي الأميركية، باستثناء الأسر المباشرة لمواطنين أميركيين.

ومنذ ذلك الحين، واصل الوباء انتشاره ولا يزال، وتجاوز عدد الإصابات 1.4 مليونا والوفيات 81 ألفا، وفق إحصاءات جامعة جونز هوبكنز الأميركية حتى صباح الأربعاء.

وأعلنت الصحة العالمية الوباء جائحة عالمية في 11 مارس، عندما كان عدد المصابين حول العالم 121 ألفا. والآن، توجد في الولايات المتحدة لوحدها أكثر من 390 ألف حالة إصابة.

وفي إشارة إلى قراره فرض قيود سفر على القادمين من الصين في 31 يناير، قال الرئيس الأميركي في إطار انتقداه للمنظمة الأممية التي لم تدعم الخطوة "ألقوا نظرة، تتبعوا خطورة بخطوة. قالوا (منظمة الصحة) لا توجد مشكلة كبيرة. لا يوجد شيء، وفي النهاية عندما أغلقته قالوا إنني ارتكبت خطأ، ثم اتضح أنها صحيحة".

وبينما أشادت المنظمة باستجابة الولايات المتحدة للفيروس المستجد، إلا أنها وجهت انتقادات لبعض السياسيات والممارسات المحيطة به. وعلى سبيل المثال، حثت المنظمة على عدم تسمية كورونا بـ"الفروس الصيني" كما يسميه ترامب في مناسبات كثيرة، وقالت إن ذلك قد يؤدي إلى التنميط العنصري من دون قصد.

وكان المدير العام للمنظمة، قد أشاد في 23 مارس بطريقة تعامل الإدارة الأميركية مع كورونا، وقال إن ترامب يقوم بعمل رائع في الحرب على الفيروس.

غيبريسوس أشاد أيضا في عدة مناسبات، بالصين حتى في ظل تعرض بكين لانتقادت من العديد من الدول والمنظمات بسبب استجابتها الأولية البطيئة للفيروس ومقاومة التعاون مع متعقبي الأمراض الدوليين. 

لكن غيبريسوس نفسه تعرض في 2017 للانتقادات بسبب تعامله مع أوبئة الكوليرا في إثيوبيا والسودان. وقد اتهمه الأطباء والمهنيون الصحيون في ذلك الوقت بالفشل في تصنيف تفشي المرض بشكل صحيح لتجنب إحراج النظامين الأفريقيين، وفق تقرير لموقع "ناشيونال إنترست".

وكان لورانس غوستين، مدير معهد أونيل لقانون الصحة الوطنية والعالمية في جامعة جورجتاون، قد مارس ضغوطاً ضد تولي تيدروس إدارة منظمة الصحة العالمية بسبب تعامله مع تفشي الكوليرا في إثيوبيا في الـ 2006 و2009 و2001.

وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات، يواجه تيدروس مزاعم مماثلة بشأن استجابته لوباء الفيروس الجديد الذي نشأ من الصين. 

الجامعات الأميركية

قبل عقود، كانت جامعة ميشيغان، شأن العديد من الجامعات الأميركية المرموقة، توفر تعليما عالي الجودة لشريحة طلابية معظمها من المولودين في الولايات المتحدة. قلّة فقط كانوا يأتون من أماكن بعيدة للعيش في بلدة آن آربر الجامعية—فمعظم الزوّار كانوا يقودون سياراتهم من المناطق القريبة لحضور مباريات كرة القدم الجامعية. وحتى أولئك الذين جاؤوا من أماكن أبعد، كانوا غالبا طلابا أميركيين من ولايات أخرى.

اليوم، أصبحت هذه البلدة الجامعية، التي كانت يوما ما ريفية، كأنها حاضنة اجتماع للأمم المتحدة. فالتجول في الحرم الجامعي يكشف أن قسماً كبيراً من الطلاب لم يأتوا من مناطق مجاورة، بل من بلدان تقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وأثناء تجوالك، يمكنك سماع لغات متعددة، من الصينية، والإسبانية، والكورية، والعربية، وبالطبع الإنكليزية، التي غالبا ما تُنطق بلكنة تشي بأن المتحدثين لم يولدوا في أميركا.

هذا هو الوجه الجديد للأكاديمية الأميركية—عقول شابة طموحة وعلماء مخضرمون من جميع أنحاء العالم، يوحدهم شغف مشترك بالبحث العلمي.

مع ذلك، يخشى البعض، اليوم، من أن الغموض وعدم اليقين باتا يلقيان ظلالا على مستقبل الطلاب الدوليين والبحث العلمي عموما. ومع ورود تقارير عن "قمع" لاحتجاجات في الحرم الجامعي، وخفض للمنح الخاصة بالمعاهد البحثية، والتغيرات في سياسات الهجرة، يبرز سؤال ملح: هل ستظل أميركا رائدة في مجال التعليم العالي على المستوى العالمي؟

لكن هناك من يعتقد أن لا ضرورة للمبالغة في التشاؤم. 

يقول الاقتصادي، دون غرايمز، في حديث مع قناة "الحرة" إن "الحكايات عن أفراد من الطلاب يواجهون صعوبات هي حقيقية، لكنها تمثل جزءاً ضئيلاً جداً من بين أكثر من مليون طالب أجنبي في البلاد. كثيرا ما لا تتطابق التصورات مع الواقع الأوسع".


خلفية

قبل تصاعد الجدل الحالي بشأن الجامعات، كانت المؤسسات الأميركية التعليمية تعاني بالفعل—ليس بسبب تغيّرات سياسية أو اقتصادية بشكل رئيسي، بل بسبب العامل الديموغرافي، حيث انخفض عدد السكان في سنّ الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة.

ومنذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، أصبحت الجامعات في دائرة الضوء: من النقاشات حول مبادرات التنوع والعدالة والشمول (DEI)، واتهامات لأعضاء هيئة التدريس بالتحيز "الليبرالي"، إلى ادعاءات بمعاداة السامية بين المتظاهرين من الطلاب.

في المقابل، اتخذ ترامب خطوات للضغط على المؤسسات التي يعتبرها نخبوية—وخاصة جامعات الـ Ivy League—من خلال التهديد بقطع ما مجموعه 5.2 مليار دولار من التمويل الفيدرالي. وفي الوقت ذاته، واجهت وكالات رئيسية مرتبطة بالبحث العلمي، مثل المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تخفيضات في الميزانية تحت إشراف وزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، مع اقتطاعات قد تؤثر حتى على الدرجات العلمية المصنفة "آمنة" مثل تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

وبالإضافة إلى هذه التوترات، تم إلغاء منح التأشيرات لبعض الطلاب الدوليين، ووجّه بعض المسؤولين في الجامعات طلابهم بعدم السفر خارج الولايات المتحدة خلال عطلة الصيف.


في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن إجراءات إلغاء التأشيرات تستهدف الدوليين الذين "ينتهكون قوانيننا" والطلاب الدوليين الذين "يسيئون استخدام ضيافتنا".

ويشير مراقبون إلى أن هذه الإجراءات جاءت إلى حدّ كبير كردّ فعل على مشاركة العديد من الطلاب الدوليين في احتجاجات عنيفة مؤيدة للفلسطينيينو وانتماءاتهم المزعومة لجماعات متطرفة.

وبينما تراجعت إدارة ترامب عن إلغاء العديد من تأشيرات الطلاب، أثارت حالة عدم اليقين هذه قلقاً في الأوساط الجامعية من احتمال انخفاض أعداد الطلاب الدوليين. 

وأظهر استطلاع أجرته منظمة IDP Education، المتخصصة في توجيه الطلاب الدوليين، أن عددا ضئيلا فقط من الطلاب الدوليين ما زالوا يحتفظون برؤية إيجابية تجاه الولايات المتحدة.

"كنت أتمنى لو أستطيع أن أكون أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل،" قال ويليام بروستين، نائب الرئيس السابق للاستراتيجية العالمية والشؤون الدولية في جامعة وست فرجينيا، "الحقيقة هي، يبدو أن هناك مزيدا من الغيوم الداكنة في الأفق أمام الطلاب الدوليين".


ما مدى أهمية الطلاب الدوليين لقطاع التعليم الأميركي؟

يلعب الطلاب الدوليون دوراً رئيسياً في دعم قطاع التعليم العالي الأميركي. ففي عام 2023، استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب الدوليين، وهو ما يمثل نحو سدس جميع الطلاب الدوليين حول العالم. بالمقابل، في عام 2024، التحق 19.1 مليون طالب أميركي بجامعات محلية، في حين اختار 280,716 طالباً فقط الدراسة في الخارج ـ أي ما يعادل 1% فقط من مجموع الطلاب الأميركيين.

"عادة ما يدفع الطلاب الدوليون أعلى معدلات الرسوم الدراسية ولا يتلقون مساعدات مالية من الولاية أو الحكومة الفيدرالية، ما يجعلهم جذابين من الناحية المالية للجامعات،" قال دونالد غرايمز، "كما يساهمون بشكل كبير في الاقتصادات المحلية، لا سيما في البلدات الجامعية التي تميل إلى أن تكون أكثر ازدهارا بسبب ارتفاع نسبة الخريجين فيها".

ويضيف: "في آن آربر، يشكل الطلاب الدوليون نحو 20% من إجمالي المسجلين. إنهم عنصر حيوي في مجتمعنا الأكاديمي".

وبعد التخرج، يبقى العديد من الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة للعمل في مجالات متخصصة تستفيد من مهاراتهم. ووفقا لغرايمز  "توفر الجامعات ما نسميه ‘وظائف جيدة’، ذات رواتب مجزية، ومزايا، وتساهم في إنشاء صناعات فرعية. سواء كانت شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية أو مقاهٍ محلية تعتمد على حركة الطلاب، فإن الجامعة تُعد محركا اقتصاديا".

وحذّر من أن تخفيض تمويل المؤسسات البحثية لن يضر المختبرات الأكاديمية فحسب. "الأمر لا يقتصر على العلماء. سترى التأثير في التصنيع، والخدمات، وحتى في قطاع العقارات. فقدان جامعة يشبه فقدان مصنع في القرن العشرين—إنه يضرب الاقتصاد المحلي في الصميم".

علاوة على ذلك، فإن الاستثمار في الطلاب الدوليين يعود بفوائد كبيرة أخرى، وفقا لغرايمز. 

"أولا، يدفع الطلاب الدوليون عادة رسوم الدراسة بالكامل، ما يسهم في تحمل تكلفة تعليم الطلاب المحليين. وثانيا، لأن اطلاب الدوليين تلقوا تعليمهم الأساسي خارج أميركا، فإن ذلك يعني أن تكلفة تعليمهم حتى هذه المرحلة قد تحملها نظام تعليمي في بلد آخر".

هذه الفرصة الاقتصادية أصبحت مربحة جدا لدرجة أن مؤسسات مثل جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين حصلت على بوليصة تأمين تغطي خسارة محتملة تصل إلى 60 مليون دولار من إيرادات الرسوم الدراسية، في حال حصول انخفاض كبير في عدد الطلاب الصينيين.


هل القلق مبرر؟

يحذر محللون من احتمال انهيار نظام التعليم العالي الأميركي، وحصول نزيف أدمغة وشيك، بينما يعتقد آخرون أن العائلات حول العالم ما زالت حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعاتها.

وأطلقت دول مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا مبادرات تهدف إلى جذب الباحثين الأميركيين. وقال يان دانكيرت، وهو بروفيسور في جامعة (Vrije Universiteit Brussel) عزمه اجتذاب المواهب الأميركية للعمل في جامعة بروكسل.

في الوقت ذاته، لاحظ خبراء جامعات في الولايات المتحدة توجها بين العائلات القلقة نحو إرسال أبنائها للدراسة في الخارج.

وقال حفيظ لكهاني، مؤسس ورئيس شركة Lakhani Coaching في نيويورك إن "هناك الكثير من عدم اليقين، وعدم اليقين لا يناسب التخطيط طويل المدى".

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال الوجهة الأكثر تفضيلا في العالم للطلاب الدوليين، بدأت دول أخرى  تقترب من منافستها في هذا المجال. فمنذ سنوات، أصبحت كندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألمانيا وجهات جاذبة للطلاب الدوليين.

على سبيل المثال، في 2010، استقبلت الولايات المتحدة 723,277 طالباً دولياً مقارنة بـ 225,260 في كندا. أما في 2023، فقد استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب، مقابل مليون طالب في كندا.

ومع ذلك، يرى كريستوفر ريم، الرئيس التنفيذي لشركة Command Education للاستشارات الجامعية، أن هناك، لا تزال، مساحة واسعة للتفاؤل.

"رغم التغيرات العالمية، لا تزال العائلات المتعلمة والثرية حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للحصول على تعليم جامعي. لا يزالون يرون أن أميركا موطن لأفضل الجامعات في العالم".