في النصف الثاني من شهر أبريل الماضي أعلنت ولاية ماساتشوستس ثاني أكبر بؤرة لوباء كورونا في الولايات المتحدة بعد ولاية نيويورك. الأمر الذي دفع المشافي والأطباء المختصين فيها، إلى إرسال نداء استغاثة للمتطوعين من الأطباء والممرضين من كافة أنحاء البلاد للقدوم إليها وتقديم المساعدة اللازمة لفرقها المحلية لمواجهة عدد الإصابات المتزايد لفيروس كورونا.
في ذلك اليوم كانت الممرضة المختصة بغرف الإنعاش نورة شحادة جورج تقرأ رسالة الطلب على البريد الإلكتروني للمشفى الذي تعمل به حيث تعيش مع طفليها بولاية فلوريدا.
تقول نورة إن الأمر لم يحتج منها أكثر من 15 ساعة لتلبية النداء، إذ سرعان ما حضرت نفسها وانطلقت باتجاه مدينة بوسطن على متن سيارة مع متطوعات أخريات.
وفي نهاية شهر أبريل اختار المعهد العربي الأميركي الكائن مقره بواشنطن لتكون شحادة شخصية الشهر بين العرب الأميركيين تقديرا لموقفها في أزمة كورونا.
شحادة تقول إن اتخاذ هذا القرار لم يتطلب منها تفكيرا مطولا، بل كان وليد اللحظة، لأنها اختارت هذه المهنة عن قناعة.
ففي طفولتها اعتادت شحادة أن ترى والدتها الممرضة، هي الأخرى كانت ملاكا يرتدي في كل صباح ثيابه البيضاء قبل أن يتوجه إلى العمل في مشافي فلوريدا.
لذلك، تضيف شحادة، أنها تجد في وظيفتها كل معاني النبل الإنساني، فهي تصفها بالوظيفة التي تصاحب من خلالها حياة الناس، من لحظة الميلاد إلى لحظة الوفاة، وتسمح لها بأن تكون شاهدا على تفاصيل في حياة المرضى على اختلافهم.
لذلك فإن شحادةتحاول أن تتعلم كل يوم حكايات جديدة من الناس الذين ترعاهم، لتعيش معهم وتسمع قصصهم الشخصية وتجاربهم في الحياة وتساعدهم على الشفاء والعودة إلى حياتهم الطبيعية.
هناك معنى أبعد من هذا بكثير تؤمن به شحادة، وهو ذلك المعنى الذي تقول إنها وجدت سعادتها الحقيقية من خلاله، يتمثل في الحياة خارج حدود الذات، لذلك هي لا تتردد في تقديم المساعدة للناس في أي مكان في الولايات المتحدة، لأولئك الذين هم بحاجة إلى خبرتها وتجربتها المهنية التي تفوق مدة الربع قرن من الزمن.
لهذه الأسباب، اختارت شحادة تسجيل اسمها على قائمة الممرضات الجاهزات للتنقل والمساعدة. وبكثير من الاعتزاز تتحدث شحادة عن مظاهر العرفان والتقدير التي تجدها من جيرانها وسكان ولايتها بعد مساهمتها في مواجهة كورونا بمشافي بوسطن.
وكذلك تتحدث عن ذلك التقدير الذي لقيته من قبل زملاء مهنتها هناك إضافة إلى ذلك التقدير الذي يعلنه الأميركيون في كل مكان ومدينة للعاملين في القطاع الصحي ودورهم البطولي في أزمة كورونا. تقول إنها تشعر حاليا بسعادة غامرة لأن الناس باتوا أكثر إدراكا لأهمية وقيمة التمريض في الحياة، لكنها تتمنى أن يستمر ذلك التقدير بعد انتهاء أزمة كورونا.
وجه آخر للفخر في هذه المحنة، يتجسد في قصة الممرضة عائشة سايتو، تتزين جدران غرفة ملابسها بمشفى ميريلاند بلوحات وشهادات من المرضى المتعافين من فيروس كورونا.
تقول عائشة إنها تعلمت خلال هذه الأزمة أن هذا الفيروس يشكل خطر حقيقيا على حياة الناس، فهو لا يفرق بينهم على أساس لون أو دين أو عمر أو جنس. لذلك "نحن جميعا مطالبون بالتعامل معه بمنتهى الحرص والجدية، لأن ما رأيته من قصص وتجارب مع المصابين لا يمكن أن يغادر ذاكرتي الشخصية لبقية العمر".
تنحدر سايتو من عائلة أميركية هاجرت من سيراليون بغرب أفريقيا إلى الولايات المتحدة قبل عقود، لم يخل قلبها من تلك العاطفة التي ترتبط بأصولها الإفريقية، وهي تقول إنها تفكر كثيرا في ذلك الجزء من العالم.
وتتساءل "كيف يمكن لهذه المناطق أن تواجه هذا الوباء بإمكانيات طبية محدودة؟ وأحيانا منعدمة تماما في بعض الأجزاء من القارة".
من خلال قصتي نورة وعائشة وآلاف من الممرضين والممرضات، يظهر الدور البطولي في المعركة التي تشنها الطواقم الطبية عبر الولايات المتحدة، خاصة في ظل هذه الأزمة، ويتزامن احتفال هذا العام باليوم الوطني للتمريض مع الجائحة التي افترست ضحاياها، بكل ما خلفته في حياة الأميركيين وسكان العالم بأسره من إصابات ووفيات وبطالة وانهيار في أوضاعهم الاقتصادية وتوقف كامل لمظاهر الحياة الاجتماعية.
لكن هذا الدور البطولي لا يخفي تلك المخاوف الإنسانية التي يعيشها أفراد الطواقم الطبية والمسعفون، فالممرضة الفلسطينية سناء فاتح العاملة بمشافي شمالي ولاية فرجينيا، تقول إنها تعيش حالة من القلق الدائم، وهي أم لستة أطفال.
عندما تكون في طريق عودتها إلى منزلها بعد ساعات العمل الطويلة خلال هذه الفترة، يكون زوجها وحماتها التي تعيش معها في حالة انتظار دائمة لها وقلق متواصل على سلامتها وخوفها الأكبر من أن تنقل عدوى الفيروس سريع الانتشار إلى بقية أفراد عائلتها، رغم تلك التدابير الوقائية التي تحرص على الالتزام بها وعلى مدار الساعة.
تقول سناء في مقابل ذلك إنها تشعر بفخر كبير عندما بادر جيرانها بوضع صور وعلامات ولافتات العرفان التي باتت تزين مداخل حيها السكني في ماكلين بشمال فرجينيا وتزين الطريق إلى منزلها.
