إيهاب أبا سعيد، مهندس معماري وعارف قيثارة ماهر، وهي هوايته التي يقضي أوقات فراغه عازفا عليها، ومن خلال فرقة موسيقية يحاول بمعية أعضائها صناعة البهجة والدفع بأحلام الأجيال الجديدة من شباب وطنه الأم، السودان، إلى الأمام.
إيهاب واحد من ملايين الأميركيين الذين دفعت بهم أزمة كورونا إلى ساحات البطالة خلال أسابيع قليلة وبصورة فجائية.
لم يكن جاهزا لتقبل صدمة جديد في الحياة تضاف إلى صدمة التحول الكامل من حياة متحركة على مدار الساعة في العاصمة واشنطن إلى حياة يقضي فيها أيامه بين جدران بيته بسبب إجراءات الحجر الصحي والإغلاق الكامل الذي اتخذته سلطات منطقة واشنطن الكبرى.
إيهاب المتعدد المواهب يحاول جاهدا أن يجد مخرجا لأزمته في وظيفته الثانية كوكيل عقارات، لكن ذلك الأمر يبدو مستحيلا، فحالة الشلل كاملة في الوقت الحاضر في كل القطاعات التي هي على صلة بالعقارات، فسوقها متعطل بالكامل حتى في مرحلة بداية الإغلاق.
لا يفقد إيهاب، مع كل ذلك، ابتسامته العريضة، ويحاول التكيف مع الواقع الجديد في حياته وهو الأمر الذي يسعى جاهدا لإيضاحه لبقية أفراد عائلته، مع الاحتفاظ بأمل عريض بأن تكون الأزمة عابرة ومؤقتة في انتظار فرج يأتي بانفراج، ولو بسيط، في أزمة كورونا.
في الصورة الأخرى.. إيهاب هو واحد من بين 33 مليون أميركي فقدوا وظائفهم خلال فترة الشهرين الأخيرين، وبين هؤلاء هناك 20 مليونا سجلوا على قائمة العاطلين خلال شهر إبريل لوحده، في سابقة في التاريخ الأميركي، قفز خلالها معدل البطالة في الولايات المتحدة وبصورة خرافية، من نسبة لا تتجاوز 4 في المئة، إلى نسبة تتجاوز 14 في المئة، وهو رقم يتعدى بكثير ذلك المسجل عام 2008 خلال سنوات الأزمة الاقتصادية العالمية.
تلك الأزمة خلفت في وقتها ما بين 8 و9 ملايين من العاطلين الأميركيين، واحتاج اقتصاد الولايات المتحدة إلى سنوات طويلة بعدها لينجح في خلق 23 مليون وظيفة.
لكن أزمة كورونا جعلت المعدلات الحالية الأسوأ التي تم تسجيلها خلال التسعين عاما في التاريخ الأميركي الحديث والتي تعود إلى حقبة الانكماش الكبير، عام 1929.
ليس هذا هو الخبر السيئ الوحيد في سماء أميركا هذه الأيام، فأعداد الإصابات المؤكدة بين الأميركيين فاقت المليون، وعدد الوفيات حتى هذه اللحظة فاق الثمانين ألفا، ما جعل الولايات المتحدة تسجل المعدلات الأعلى عالميا في الإصابات والوفيات، وأثار مزيدا من الخوف والقلق في البلاد، خاصة في ظل القرار الذي اتخذته الحكومات المحلية في 47 ولاية بإعادة الفتح الجزئي أو المرحلي أو حتى الكامل للاقتصاد.
يأتي هذا رغم التحذيرات الطبية التي يطلقها المختصون في كامل أنحاد البلاد، من أن قرارا متسرعا بإعادة الفتح سيؤدي الى موجة جديدة من الإصابات والوفيات، التي تتوقع جامعة جورج واشنطن أن تصل بحلول شهر أغسطس من الصيف المقبل إلى 130 ألفا.
في العادة، تكون السماء هنا في واشنطن في هذا الموسم من كل عام في أبهى صورها، وينشغل سكان المدينة بالعمل في حدائق بيوتهم، وتطلق المهرجانات الصغيرة في المدن الداخلية احتفالا بالربيع.
لكن الصورة في هذا الربيع عبارة عن حالة متزايدة من الخوف والقلق في عيون سكان واشنطن، إضافة إلى صور متكررة في كل مدينة من مدنها الصغيرة المنتشرة حولها والتي تبدو من خلالها خالية من كافة مظاهر الحياة وحركة الناس بين جنباتها، وتغيب معها معالم البهجة، فتظهر الشجيرات الصغيرة وحيدة ولا محتفل بها ويتساقط ورق أزهارها على أرصفة الطرقات من دون ناظر إلى بهجة الربيع فيها.
وعلى الرغم من هذا الربيع الحزين، على غير العادة تماما، وبمجرد أن أشرقت الشمس في نهاية الأسبوع، سارع كثيرون من سكان المدينة إلى محلات الزهور لتجديد حدائقهم وإطلاق بهجة الألوان فيها مجددا.
فالناس هنا يحبون الحياة وينتصرون لمسحة الجمال فيها، حتى وإن كان كورونا سرق البهجة من ملامح واشنطن، إلا أن قلوب ساكنيها لا تزال مملوءة بالحلم في صباح يوم جديد مختلف وممزوج بأغنية عصفور في سمائها وعزف قيثارة من إيهاب، المهندس الذي هاجر من مدينة أم درمان بالخرطوم إلى العاصمة واشنطن بحثا عن حلم أفضل في الحياة.
يقول إيهاب بيقين المتصوف المقيم في عمق إرثه السوداني البعيد، "قد يكون كورونا نجح في تعطيل الحياة لبعض الوقت، لكنه لن ينجح أبدا في تعطيل الحياة ولكل الوقت"، قبل أن يستغرقه العزف مجددا على قيثارته.
