شركات التأمين لا تريد تحمل مسؤولية الخسائر الكبيرة في الممتلكات
شركات التأمين لا تريد تحمل مسؤولية الخسائر الكبيرة في الممتلكات

في كل صباح، منذ أسبوع، يحضر صاحب الأعمال الحرة، خالد سرحان، الأميركي من أصل فلسطيني، مع زوجته وأطفاله الثلاث إلى مقر عمله بوسط مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن للاطلاع على الدمار الذي تعرضت له محلاته التجارية بعد أسبوع من الصدامات بين قوات الأمن المحلية والفيدرالية ومتظاهرين في أجزاء متفرقة من المدينة.

الصدامات اندلعت على خلفية إصابة الأميركي من أصل أفريقي، جايكوب بليك، بأربع من أصل سبع رصاصات أطلقها شرطي من مسافة قريبة على ظهره. وتقول عائلة بليك إنه لن يكون بإمكانه الوقوف على قدميه مجددا نتيجة لإصابته.

قبل هذه الاحتجاجات، كان الهدوء هو السمة الغالبة على مدينة كينوشا. وتقول لوري وبتجرس، وهي أم لأربعة أطفال وتعمل بأجر يومي في محل لخدمات الهاتف إنها "لا تعرف كيف يمكنها أن تتدبر أمورها بعد إغلاق المحل الذي تعمل فيه طوال أسبوع".

ويقول محمد سرحان، صاحب مجموعة المحلات التي تعمل بها لوري إن "عقبات العودة إلى الأعمال كثيرة جدا وأولها حجم الخراب الذي أصابها، إذ يحتاج الكثير منها إلى إعادة بناء من الصفر".

وقد لا يمتلك الكثير من رجال الأعمال الأموال اللازمة لإعادة البناء، خاصة وأن المدينة لم تتعاف بعد من الإغلاق والقيود التي فرضتها أزمة انتشار فيروس كورونا.

كما أن أصحاب الأعمال في المدينة أمام أزمة أخرى تتعلق بنزاع محتمل مع شركات التأمين التي تقول أن ما حدث في المدينة غير مشمول بتغطية التأمين، مما يعني أن أصحاب الأعمال وموظفيهم يواجهون مصيرا مجهولا. 

وطلب عمدة المدينة من كونغرس الولاية مساعدة مالية عاجلة بقيمة 30 مليون دولار، يفترض أن تخصص لإعادة تهيئة وسط المدينة وإعمار شارع روزفلت الذي يعد الشريان التجاري لها.

وقالت إدارة المدينة إن عناصر الشرطة سيزودون بكاميرات تعلق على أجسامهم لتسجيل عمليات الاعتقال أو الاستجواب أو التعاطي مع المواطنين بأي طريقة، فيما باشر كونغرس الولاية النظر في مشروع لإصلاح الشرطة.

وبحسب خالد سرحان، المولود في المدينة قبل 37 عاما، فإن "المدينة لا تزال قوية باتحاد سكانها"، على الرغم من أن الأمن الذي تمتاز به اضطرب بشكل كبير بسبب الاحتجاجات.

ويقول سرحان إن هناك "تعاونا جماعيا" للحفاظ على الطابع السلمي للتظاهرات"، وهو ما يبدو إنه نجح بتحقيق ذلك خلال الليالي الثلاث الأخيرة.

وزار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مدينة كينوشا، الثلاثاء، للاطلاع على حجم الدمار الذي تعرضت له، وللتعبير عن دعم إدارته للشرطة، على الرغم من أن إدارة المدينة تخوفت من أن تؤدي زيارة الرئيس إلى مزيد من الاحتقان والعنف.

"الحرة" تناضل من أجل البقاء
"الحرة" تناضل من أجل البقاء

في مبنى متقشف في سبرينغفيلد، في ولاية فرجينيا، فرغت مكاتب كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة، وأظلمت استوديوهات قناة "الحرة" - التي نقلت صوت الحقيقة لأكثر من عقدين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - إلا من بصيص أمل.

وبعد 22 عاما من الصحافة الناطقة بالعربية، الملتزمة بالقيم الأميركية، والموجهة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أجبرت شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) على تقليص حاد لبثها التلفزيوني والرقمي، ليس بسبب مواجهة اعتادت على خوضها مع أجهزة التضليل المنظم، والقوى الدعائية المعادية للولايات المتحدة، بل نتيجة خنق بيروقراطي داخلي.

وأعلنت MBN اليوم السبت عن تسريحات جماعية، تم فيها تقليص عدد الموظفين بشكل حاد وتقليص العمليات بشكل كبير. ووفقا لإدارتها، لم يكن هذا القرار خيارا بل إجبارا.

وقال الدكتور جيفري غدمين، الرئيس والمدير التنفيذي للشبكة، في بيان رسمي صدر السبت: 

"لم يُترك لنا أي خيار... وافق الكونغرس على تمويلنا في 14 مارس. لكن في اليوم التالي، تم تجميد هذا التمويل بشكل مفاجئ وغير قانوني من قبل ما يسمى بـ(وزارة الكفاءة الحكومية) وكاري ليك، المستشارة الخاصة للوكالة التي تشرف علينا".

يؤكد غدمين أن الوكالة الأميركية للإعلام الدولي (USAGM) هي المسؤولة المباشرة عن هذه الأزمة. ورغم أن التمويل تم تخصيصه رسميا من قبل الكونغرس، إلا أن الوكالة ترفض صرفه، دون تفسير أو تواصل مباشر. "كاري ليك ترفض مقابلتنا أو حتى التحدث معنا"، يقول غدمين. "تُركنا لنستنتج أنها تنوي خنقنا ماليا".

ما تبقى من الشبكة الآن هي مجموعة مصغّرة، تقاتل من أجل البقاء.

وقال السفير السابق رايان كروكر، رئيس مجلس إدارة الشبكة بالوكالة: "MBN كنز من المواهب والخبرة وذخر استراتيجي للأمن القومي الأميركي... ما يجري الآن ببساطة غير منطقي".

ويصل بث MBN، التي تأسست عام 2003، إلى أكثر من 30 مليون مشاهد أسبوعيا في 22 دولة عربية.

ساحة معركة إعلامية

"الشرق الأوسط ساحة معركة إعلامية ضخمة"، يقول المحلل الاستراتيجي إيلان بيرمان، وهو عضو في مجلس إدارة MBN.

فمن طهران إلى الدوحة، ومن موسكو إلى بيروت، تتسابق قوى إقليمية ودولية في ضخ السرديات الدعائية عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تقويض صورة الولايات المتحدة، وتعزيز التشكيك، وتأجيج المشاعر المعادية للغرب.

وفي هذه البيئة المتوترة، كانت MBN تمثل نقيضا نادرا: وسيلة إعلامية موثوقة، تُدار بمعايير مهنية، وتغطي قضايا حقوق الإنسان، والحوكمة، والسياسة الأميركية، بلغة وأصوات مألوفة لدى الجمهور العربي.

"هذا انتحار استراتيجي"، يقول غدمين. "في الوقت الذي تكسب فيه حماس وحزب الله والحوثيون والنظام الإيراني مساحات على مستوى السرد الإعلامي، نحن نسحب صحفيينا عن الهواء. هذا ليس فقط قصورا في الرؤية... إنه استسلام".

لكن لماذا ترفض USAGM الإفراج عن التمويل؟ لا أحد يجيب. ترفض كاري ليك، السياسية السابقة من أريزونا، التعليق. و"وزارة الكفاءة الحكومية"، التي تم إنشاؤها مؤخرا وسط ضجة سياسية، لم تصدر أي توضيحات. ويقول غدمين إن الشبكة تلجأ الآن إلى القضاء والكونغرس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وكانت MBN قد مرت في عملية هيكلة وتطوير، العام الماضي، وفرت 20 مليون دولار أميركي على دافع الضرائب دون تقويض جهودها في إعادة موضعة ذاتها كصوت أميركي فعال في الفضاء الرقمي الناطق بالعربية.

خسائر غير قابلة للقياس

داخل الشبكة، تأتي التسريحات كضربة شخصية ومهنية. كثير من الصحفيين والمحررين العاملين فرّوا من القمع في بلدانهم الأصلية، ليجدوا في MBN مساحة للتعبير والعمل بحرية. غطوا قصصا لا يمكن تغطيتها في بلدانهم — من حقوق النساء في السودان إلى الاحتجاجات في إيران والفساد في العراق.

الآن، ومع غياب منصتهم، قد لا تُروى تلك القصص أبدا.

يقول غدمين: "الإعلام في الشرق الأوسط يتغذى على مشاعر العداء لأميركا... من غير المنطقي قتل MBN كبديل عقلاني، وترك الساحة خالية أمام المتطرفين وأعداء أميركا".

وبينما تصقل شبكات التضليل المنظم في العالم العربي أدواتها الرقمية والبصرية، تتراجع أميركا بهدوء عن ساحة المعركة الإعلامية التي ساعدت في بنائها.

وكتب بيرمان في تحليل لمجلة جي أس تريبيون: "الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط ليست افتراضية... إنها معركة يومية وحقيقية، تزداد فعالية. وأميركا تتنازل عنها... شبرا بعد شبر".

وتصر إدارة MBN على مواصلة كفاحها من أجل البقاء بفريق صغير جدا يبقي شعلة الأمل والحقيقة حية في الفضاء الرقمي العربي.