في مشهد يعكس الوحدة، أجمعت شخصيات من الحزبين على إدانة الفوضى واقتحام مقر السلطة التشريعية
في مشهد يعكس الوحدة، أجمعت شخصيات من الحزبين على إدانة الفوضى واقتحام مقر السلطة التشريعية

على الرغم من مشاهد العنف غير المألوفة التي شهدتها الولايات المتحدة مساء الأربعاء، واقتحام أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمقر الكونغرس خلال التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية، إلا أن مراقبين وخبراء أجمعوا أن واشنطن تمكنت من تجاوز "امتحان قاس" وأعطت للعالم "درسا في الديمقراطية".

وكان لافتا أن شخصيات مؤثرة في الحزب الجمهوري، وعلى رأسها نائب الرئيس مايك بنس وزعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، سارعوا إلى إدانة اقتحام الكابيتول، وبل اتخذوا إجراءات حاسمة لاستكمال المسار الدستوري والتصديق على نتائج فوز جو بايدن ونائبته كاملا هاريس.

ولم تأت مواقف بنس وماكونيل ردا على اقتحام الكابيتول فقط، بل كان للرجلين مواقف قبل وقت وجيز على ذلك تؤكد حرصهما على الدستور والمؤسسات والديمقراطية، لعل أبرزها ما قاله ماكونيل: "الناخبون والمحاكم والولايات قالت كلمتها. إذا قمنا بنقضها فسنلحق الضرر بجمهوريتنا إلى الأبد".

وفي إشارة إلى حرصه على الديمقراطية وتداول السلطة، شدد ماكونيل على أنه "في حال أُبطلت نتيجة الانتخابات استنادا إلى مجرد ادعاءات من الخاسرين سيدخل نظامنا الديمقراطي في دوامة قاتلة".

أما بنس، فكان له موقف حاسم قبل وقت قصير على عملية الاقتحام، إذ وبعد أن حض ترامب أنصاره، أمام البيت الأبيض على التوجه إلى مقر الكونغرس وطالب نائبه بالتدخل لعكس مسار الهزيمة، سارع الأخير إلى التأكيد على أن الدستور لا يخوله ذلك.

وأكد بنس، الذي كان يترأس جلسة التصديق، في الرسالة التي نشرها البيت الأبيض نفسه، أن الدستور لا يمنحه "السلطة لتحديد أي من أصوات المجمع الانتخابي يجب أن تحتسب أو ترفض".

وفي مشهد يعكس الوحدة، أجمعت شخصيات من الحزبين على إدانة الفوضى واقتحام مقر السلطة التشريعية، قبل أن يتمسك المشرعون من الجهتين عل استكمال جلسة التصديق على النتائج وفق ما ينص عليه الدستور.

وبعد ساعات طويلة، انتهت الجلسة، فجر الخميس، بالمصادقة رسميا على النتائج، ليعلن بنس، وبعد رد اعتراضات عدد من النواب الجمهوريين، المصادقة على فوز بايدن وهاريس.

ودفعت عملية اقتحام الكابيتول بعض المشرعين الجمهوريين إلى التراجع عن تقديم اعتراضات على نتائج الانتخابات الرئاسية، بينهم السناتور جيمس لانكفورد، من أوكلاهوما، حيث أصدر بيانا مشتركا مع السناتور ستيف داينز من ولاية مونتانا دعا فيه "الكونغرس بأكمله إلى الاجتماع والتصويت للتصديق على نتائج الانتخابات".

كان لافتا موقف السيناتورة الجمهورية كيلي لوفلر، التي خسرت الانتخابات الأربعاء أمام منافسها الديمقراطي في جورجيا، وذلك حين تراجعت عن تقديم اعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية في ولايتها ردا على اقتحام الكابيتول.

وفور استئناف الجلسة أعلنت سيدة الأعمال التي انتخبت في ديسمبر 2019، أن "الأحداث التي حصلت اليوم أجبرتني على إعادة النظر. لا أستطيع الآن بضمير حي أن أعترض على المصادقة".

ويقول الخبير القانوني والمخطط الاستراتيجي في الحزب الجمهوري، برادلي بليكمان، إن "الجمهوريين غاضبون من سلوك الرئيس بعد الانتخابات".

ويضيف بليكمان لموقع "الحرة" أنه "لايوجد شك في أن الانتخابات الأميركية هذا العام لم تكن طبيعية، لكن جو بايدن هو الفائز، ويجب علينا أن نحترم إرادة الناخب والدستور والتداول السلمي للسلطة".

"الآن هو الوقت لتحظى الولايات المتحدة بالهدوء، وأن يكون هناك تداول سلمي وآمن للسلطة"، وفقا لبليكمان الذي شدد أن "ما جرى في الكابيتول الأربعاء كان أمرا غير مقبول بالنسبة لنا كأميركيين".

واتهم بليكمان ترامب بالمسؤولية عما جرى "عندما وضع الزيت على النار وتسبب في العنف".

وقال "نحتاج أن يكون الرئيس هادئا وأن يكون الأميركيون متحدون، الأمر لا يتعلق بكونك ديمقراطي أو جمهوري، بل بأنك أميركي يحترم القوانين والأعراف والتقاليد والدستور".

ووقعت أعمال الشغب بعد أن خاطب ترامب حشدا كبيرا في واشنطن غذته مزاعم الرئيس المتكررة بأنه خسر انتخابات نوفمبر بسبب تزوير الانتخابات، وهو ما لم يتم إثباته.

واخترقت مجموعة من الغوغاء مبنى الكابيتول بينما كان المشرعون يعملون على التصديق على أصوات المجمع الانتخابي، التصديق الذي أدى بالأخير إلى إعلان فوز  جو بايدن رسميا.

وألقت الحادثة بظلالها على البيت الأبيض، حيث أعلن مسؤولون عدة في إدارة ترامب استقالاتهم من مناصبهم على خلفية اندلاع أعمال الشغب.

يرى الباحث والكاتب الأميركي من أصل لبناني هشام ملحم أن "ما حدث هو امتحان داخلي خطير للديمقراطية الأميركية"، لكنه أشار إلى أن ردة الفعل عليها "اثبت أن هذا التحدي للديمقراطية لم ولن ينجح".

ويقول ملحم لموقع "الحرة" أن "رد الفعل السريع لقادة الكونغرس من الحزبين واستكمال الجلسة بعث برسالة للأميركيين وللعالم مفادها، أننا تعرضنا لنكسة ولكننا ردينا عليها وسوف نرد بشكل سريع وفعال لكي نقوم بواجباتنا كما يقضي الدستور".

ويعتقد ملحم أن ما جرى من أحداث "هو درس في الديمقراطية، سواء للأميركيين أو للعالم، أشار بكل وضوح إلى أن أكبر ديمقراطية في العالم لا تزال صامدة رغم النواحي الهشة التي تتخللها".

ووصف كثيرون ما جرى مساء الأربعاء بأنه كان بمثابة وقوع مبنى الكابيتول تحت الحصار، حيث سارع النواب المنتخبون إلى الانحناء تحت مكاتبهم وارتداء أقنعة الغاز بينما حاولت الشرطة بلا جدوى عزل المبنى عن المتظاهرين.

وكان هذا أحد أكثر المشاهد الصادمة على الإطلاق التي تحدث في مقر السلطة السياسية الأميركية. وتم إطلاق النار على امرأة داخل مبنى الكابيتول ما تسبب بوفاتها، وفرضت عمدة واشنطن حظرا للتجول مساء في محاولة لاحتواء العنف.

يقول المحرر المساهم في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حسن منيمنة إن "صورة الولايات المتحدة كمنارة للديمقراطية في العالم اهتزت بعض الشيء، وستحتاج لفترة لتجاوز ذلك".

ومع ذلك يشير منيمنة في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "هذه الحادثة أثبتت أن الولايات المتحدة شأنها شأن أي بلد ديمقراطي آخر معرضة للمفاجآت، ولكن الرد جاء من خلال ضبط نفس من قبل قوات الأمن، وإجماع وطني على إدانة ما جرى، وإنجاز العملية الدستورية بنجاح".

ببساطة يضيف منيمنة: "نستطيع القول أن الولايات المتحدة نجحت في اجتياز هذا الامتحان القاسي من دون أي تردد".

ويضيف أن "الرسالة والإنجاز الأهم هو أن بعد كل ما جرى لم تتم عرقلة العملية الديمقراطية والدستورية، التأخير وقع، لكن بالنهاية عاد المشرعون لعملهم وأنجزوا المهمة".

ويرى مراقبون أن المشرعين الأميركيين بدوا عازمين على استكمال إحصاء أصوات المجمع الانتخابي في استعراض، أمام الدولة والعالم، لالتزام الولايات المتحدة الدائم بدعم إرادة الناخبين والتداول السلمي للسلطة.

حيث ورغم التوترات العالية وحالة التأهب التي شهدتها العاصمة واشنطن واصلوا العمل خلال الليل وأعلنوا فوز بايدن.

ويقلل الكاتب والصحافي المقيم في الولايات المتحدة حسين عبد الحسين من خطورة ما جرى في "ليلة اقتحام الكابيتول" على القيم الديمقراطية التي تسير عليها الولايات المتحدة منذ عقود.

ويقول عبد الحسين لموقع "الحرة" إن "ما جرى لم يكن بالفداحة التي يتصورها البعض، لأنها ببساطة عملية شغب وقعت وطالت مبنى الكونغرس، وهذا لا يعني اقتراب نهاية الديمقراطية الأميركية، بل يمكن اعتباره بمثابة نهاية لولاية ترامب".

ويضيف أن الدليل على ذلك "هو افتراق الغالبية العظمى من القادة الجمهوريين عن ترامب، وبينهم نائب الرئيس وميتش ماكونيل وباقي أعضاء مجلس الشيوخ، الذين وقفوا مع ترامب بعد الانتخابات لكنهم تركوه بعد حادثة الاقتحام".

ويستشهد عبد الحسين بعدة أحداث تاريخية وقعت وكان وقعها أكبر في الولايات المتحدة، ومنها الحرب الأهلية ومقتل الناشط في مجال حقوق الإنسان مارتن لوثر كنغ، لكن مع ذلك ظل العالم يتغنى بالتجربة الديمقراطية الأميركية.

يؤكد عبد الحسين، بنبرة واثقة، أن "الحرب الأهلية لم تنجح في وقف الديمقراطية الأميركية، وبالتالي لا يمكن لبعض المشاغبين إيقافها مهما حاولوا".

تظاهرة أمام جامعة كولومبيا احتجاجا على اعتقال الطالب محمود خليل

قررت قاضية هجرة الجمعة أن بوسع إدارة الرئيس دونالد ترامب المضي قدما في قضية ترحيل الطالب في جامعة كولومبيا والناشط الفلسطيني محمود خليل الذي اعتقل في مدينة نيويورك الشهر الماضي.

وقالت القاضية جيمي كومانس من محكمة لاسال للهجرة في لويزيانا إن ليس لديها سلطة نقض قرار يتعلق بخليل اتخذه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الشهر الماضي بموجب قانون عام 1952 للهجرة والجنسية.

وقرر روبيو أنه يجب ترحيل خليل لأن وجوده في الولايات المتحدة له "عواقب وخيمة محتملة على السياسة الخارجية"، لكن قرار القاضية ليس القول الفصل فيما إذا كان خليل سيجري ترحيله.

وفي قضية منفصلة بمحكمة نيوجيرزي الاتحادية، أوقف قاضي المحكمة الجزئية الأميركية مايكل فاربيارز الترحيل بينما ينظر في ادعاء خليل بأن اعتقاله في الثامن من مارس يمثل انتهاكا للتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

وولد خليل في مخيم للاجئين الفلسطينيين بسوريا، ويحمل الجنسية الجزائرية وحصل على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة بشكل قانوني العام الماضي.

وخليل من الشخصيات البارزة في حركة الاحتجاج الطلابية المؤيدة للفلسطينيين التي هزت حرم جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. أما زوجة خليل، نور عبد الله، فهي مواطنة أميركية.

وقالت الإدارة الأميركية إن خليل وغيره من الطلاب الأجانب الذين يشاركون في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين يضرون بمصالح السياسة الخارجية الأميركية، مستشهدة ببند في قانون الهجرة والجنسية يمنح وزير الخارجية سلطة واسعة لتحديد متى يمكنه ترحيل مواطن أجنبي.

وقالت كومانس إن الكونجرس منح في هذا القانون وزير الخارجية "حكما منفردا" في تقرير ذلك.

وجاء قرار القاضية بعد جلسة استماع استغرقت 90 دقيقة عقدت في محكمة داخل مجمع سجن للمهاجرين محاط بسياح من أسلاك شائكة مزدوجة يديره متعاقدون حكوميون من القطاع الخاص في ريف لويزيانا.

ووصف خليل (30 عاما) نفسه بأنه سجين سياسي. واعتقل خليل من المبني السكني التابع لجامعة كولومبيا ونقل إلى سجن لويزيانا.

وقال محامو خليل إن إدارة ترامب استهدفته بسبب تعبيره عن رأيه وهو حق يكفله التعديل الأول للدستور الأميركي ويتضمن الحق في انتقاد السياسة الخارجية الأميركية.

وتدير وزارة العدل نظام محاكم الهجرة الأميركية وتعين قضاته بمعزل عن الحكومة.

وقدمت إدارة ترامب رسالة من صفحتين كدليل على وجوب ترحيل خليل.وكتب روبيو في الرسالة أنه يجب ترحيله لدوره في "احتجاجات معادية للسامية وأنشطة مخلة بالنظام العام تعزز وجود مناخ عدائي للطلبة اليهود في الولايات المتحدة".

ولم يتهم روبيو في الرسالة خليل بمخالفة أي قانون لكنه قال إن من حق وزارة الخارجية إلغاء الوضع القانوني لأي مهاجر حتى إن كانت معتقداته وصلاته وتصريحاته "قانونية".

وقال خليل إن انتقاد دعم الحكومة الأميركية لإسرائيل في حربها في غزة يتم الخلط بينه وبين معاداة السامية بشكل خاطئ.

وفي القضية المطروحة أمام فاربيارز، يطعن خليل فيما يصفه بعدم مشروعية اعتقاله واحتجازه ونقله إلى سجن لويزيانا بعيدا عن عائلته ومحاميه في مدينة نيويورك بنحو 1930 كيلومترا.