بايدن يزورها مطلع يونيو.. قصة مذبحة تولسا العرقية في أميركا
كانت الساعة قد بلغت الخامسة صباحا يوم الأول من يونيو عام 1921. صوت صافرة يخترق هدوء فجر مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما، وبالتحديد في حي غني يملكه أميركيون سود من أصول أفريقية، كانوا على موعد مع أسوأ مذبحة عنصرية في تاريخ الولايات المتحدة.
صوت الصافرة، كان إشارة بأن نحو 10 آلاف رجل من التولسان البيض المسلحين، يستعدون للهجوم على الحي.
بعضهم كان يرتدي زي الجيش الذي احتفظوا به من خدمتهم في الحرب العالمية الأولى، لكن مهمتهم هذه المرة كانت مختلفة، إذ تجمعوا للقضاء على الحي المعروف باسم "غرين وود" وقتل سكانه.
"بلاك وال ستريت"
في أوائل عام 1921، كانت تولسا مدينة حديثة يبلغ عدد سكانها أكثر من 100 ألف نسمة. عاش معظم سكانها من الأميركيين من أصل أفريقي في منطقة "غرين وود"، حيث كان عددهم قد بلع 10 آلاف نسمة.
"غرين وود" كان حيا نابضا بالحياة، يضم صحيفتين والعديد من الكنائس وفرع مكتبة، وعشرات من الشركات المملوكة للسود. وكان يعرف حينها بـ"بلاك وال ستريت"، حيث شكل مجتمعا أميركيا مزدهرا يعج بالحياة والحركة الآتية من بيوت السود ومتاجرهم التي يقصدها الزبائن من كل مكان، قبل أن تقع الكارثة وتمحي معالم كل شيء.
في يوم المذبحة، اشعلت المواد الحارقة النيران في المكان، وفجرت القنابل المنازل والمتاجر في "غرين وود"، وقتل أبرياء في الشوارع، وصوت رصاص المدافع الرشاشة دب في أروقة الحي الغني، فأرعب السكان.
وقبل التعرف على أحداث أسوأ مذبحة عنصرية في التاريخ الأميركي، والتي مر عليها نحو 100 عام، لابد من العودة إلى الوراء قليلا.
ففي يوم 30 مايو، وبالتحديد في الطابق الثالث من مبنى دريكسل "Drexel" وسط مدينة تولسا، وقع حادث بين شاب أسود وفتاة بيضاء، تطور بسرعة دراماتيكية، ليكون كفيلا بإطلاق شرارة الفوضى التي سببت مذبحة بشعة.
"محاولة اعتداء جنسي"
بدأ كل شيء في مصعد مبنى دريكسل، ليتحول الأمر إلى اتهام بمحاولة "الاعتداء الجنسي". الشاب المتهم، اسمه، ديك رولاند(19 عاما) كان يعمل في تلميع الأحذية، والفتاة المدعية اسمها، سارة بيدج (17 عاما) كانت عاملة مصعد في البناية.
اختلفت الروايات حول ما حدث، فإحداها تقول إن الشاب رولاند تعثر في المصعد، فأمسك بذراع الفتاة بيدج، محاولا تجنب السقوط، لكنها صرخت، فهرب الشاب من المكان.
في اليوم التالي، 31 مايو، ألقت الشرطة القبض على الشاب رولاند، وأودع في سجن محكمة مقاطعة تولسا.
ظُهر يوم الاعتقال، نشرت صحيفة "تولسا تريبيون" قصة على الصفحة الأولى بعنوان "القبض على زنجي هاجم فتاة في المصعد"، ما إثار الغضب في صفوف الأميركيين البيض.
يشار إلى أنه على مدار القرن الماضي، تحول مصطلخ تعريف الأميركيين من أصول أفريقية من "ملون" إلى "زنجي" إلى "أسود" إلى "أميركي من أصل أفريقي"، بحسب دراسة للباحث الأميركي، توم سميث، الذي يقول إنه يمكن النظر إلى التغييرات على أنها محاولات من قبل الأميركيين السود لـ "إعادة تعريف أنفسهم، وكسب الاحترام والمكانة في مجتمع جعلهم تابعين ودونيين".
الصحيفة قالت إن الشرطة ألقت القبض على "زنجي"، حسب وصفها، في شارع ساوث "غرين وود" بتهمة محاولة "الاعتداء" على فتاة بيضاء في مبنى دريكسل. "وسيحاكم بعد ظهر اليوم بتهمة رسمية".
تقول الصحيفة إن الفتاة لاحظت "الزنجي" قبل دقائق قليلة من محاولة "الاعتداء" وهو ينظر إلى أعلى وأسفل الردهة في الطابق الثالث، كما لو كان يريد أن يتأكد ما إذا كان هناك أي شخص في المكان.
وروت الفتاة، بحسب الصحيفة، أن الشاب دخل المصعد هاجمها وخدش يديها ووجهها ومزق ملابسها.
وقالت إن صرخاتها لفتت انتباه كاتب من متجر رينبرغ، الذي هرع لمساعدتها لكن رولاند هرب من المكان. وأوردت الصحيفة أن الفتاة يتيمة كانت تعمل في تشغيل المصاعد لتغطي تكلفة الدراسة في كلية إدارة الأعمال.
لم يكن الأمر عند محققي الشرطة على ذات النحو الذي جاءت به الصحيفة، إذ كانت لديهم قناعة أن الاتهام مشكوك فيه.
وأجمع المحققون أن كل ما حدث بين الشاب والفتاة، لا يرقى لمستوى الاتهام، معتقدين أن رولاند ضغط على يد بيدج عندما ترنح المصعد.
لكن يبدو أن الوقت قد فات، ولم تعد قناعات محققي الشرطة مفيدة، فالشارع كان في حالة غليان، لأن ذات الصحيفة نشرت عنوانا آخر، في المساء، يشير إلى أنه سيتم "قتل الزنجي الليلة"، من دون محاكمة.
ليلة عصيبة
التقى قادة الأميركيين من أصول أفريقية في مكتب صحيفة غرين وود للتباحث في الأمر، إثر الخبر المنشور في صحيفة "تولسا تريبيون" بأن رولاند سيقتل.
تزامن ذلك اللقاء مع تجمع حاشد من االأميركيين البيض الغاضبين أمام قاعة المحكمة، حيث كان رولاند محتجزا هناك.
على الجانب الآخر، في جنوب "غرين وود" تجمهر حوالي 25 من السكان السود، بعضهم يرتدي زيا عسكريا، يحملون بنادق ومسدسات وأسلحة بيضاء، ثم ساروا إلى قاعة المحكمة، وعرضوا على مسؤولي الشرطة المساعدة في حماية رولاند. لكن بعض قادة الأميركيين من أصل أفريقي حصلوا على وعد من الشرطة بحماية رولاند.
في العاشرة والنصف من مساء تلك الليلة الساخنة، حاول رجل أبيض مسن الاستيلاء على مسدس أحد المحاربين القدامى من السود، لتفلت الأمور عن السيطرة.
خرجت رصاصة أثناء الشجار، تبعها طلقات أخرى سببت حالة من الذعر، وشوهد الرجال والنساء والأطفال يحاولون الاحتماء خلف الأشجار والسيارات. كان المشهد مرعبا، وانتهى بمقتل 12 شخصا من البيض والسود. ثم انسحب المتظاهرون السود إلى غرين وود.
عم الهدوء بعد الساعة الثانية من صباح الأول من يونيو، لكن التوترات تصاعدت مرة أخرى في ساعات الليل. ثم سمع صوت الصافرة، التي أعقبها دمار ومذبحة لن ينساها الأميركيون.
يوم المذبحة
يتذكر أميركي أبيض يدعى، شوك فيليبس، وهو شاهد على ما جرى أن "الصراخ كان يأتي من كل مكان من الملاجئ"، وسمعت أصوات تنادي الرجال البيض للانضمام إلى القتال.
وبحلول فجر الأول من يونيو، كانت المدافع الرشاشة تجتاح المكان بنيرانها القاتلة، كما يتذكر، ديمبل بوش، أحد سكان غرين وود.
وقال بوش إن "كبار السن من النساء والرجال والأطفال كانوا يجرون ويصرخون في كل مكان"، في مشهد يشير إلى حالة الرعب التي عاشها سكان المدينة في يوم المذبحة العصيب.
حاول السكان السود المسلحون المتمركزون على أسطح المباني المتينة المبنية من الطوب البني والمحاطة بشارع غرين وود صد حشود المهاجمين البيض.
لكن موقف السود الدفاعي كان صعبا، لأن البيض لم يكن لديهم عدد أكبر من الرجال فقط؛ بل كانوا يحملون مدافع رشاشة ثبتت في نقاط مرتفعة مقابل غرين وود. كما تمكن البيض من استخدام طائرات خاصة، حلقت في السماء فأمطرت "غرين وود" بالرصاص وأسقطت القنابل والمواد الحارقة فوق المباني ورؤوس السكان.
أرقام مذهلة
وثق أحدث تقرير حول المذبحة، أصدرته لجنة أوكلاهوما عام 2001، تفاصيل مروعة، وأرقاما مذهلة أشارت إلى أن ذلك اليوم شهد احتراق نحو 35 مجمعا سكنيا على أرض المدينة، فيما سقط نحو 300 قتيل، ومئات الجرحى، وأصبح بين 8000 إلى 10000 شخص بلا مأوى، إذ حرق المهاجمون البيض أكثر من 1470 منزلا بعد أن نهبوا ما فيها.
ويروي التقرير بأن "الغوغاء أطلقوا النار بشكل عشوائي على السود في الشوارع، لقد أشعلوا النيران، بيتا بيتا، بناية تلو بناية". وأشار إلى أن "الرعب جاء من السماء أيضا".
ويوثق التقرير أن الخسائر المالية للمذبحة بلغت حينها 1.8 مليون دولار، وهو ما يعادل 27 مليون دولار، بحسابات الدولار اليوم، إذ كان التقرير أحد أكثر الروايات شمولا للكشف عن التفاصيل المروعة للمذبحة، التي اعتبرها من بين أسوأ الهجمات الإرهابية العنصرية في تاريخ الأمة الأميركية.
عيون كانت خائفة
بعيون كانت خائفة، شاهد أميركيون من أصول أفريقية مناظر مروعة، لم تفارق ذاكرتهم، مثل، فيولا فليتشر، التي كانت تبلغ من العمر 7 سنوات فقط، حين هاجم البيض غرين وود، لكن كتب لها النجاة من الموت، لتروي ما رأته عيناها قبل 100 عام.
ففي شهادة أدلت بها في مبنى الكابيتول، الأربعاء الماضي، استذكرت فليتشر، التي تبلغ الآن 107 أعوام، ذكرياتها عن المذبحة، فقالت "لن أنسى أبدا عنف الغوغاء البيض عندما غادرنا منزلنا. ما زلت أرى الرجال السود يُطلق عليهم الرصاص، وأجسادا سوداء ملقاة في الشارع. ما زلت أشم الدخان وأرى النار. ما زلت أرى أعمالا سوداء تحترق".
قالت فليتشر للمشرعين، أعضاء اللجنة القضائية الفرعية في مجلس النواب، "أسمع طائرات تحلق في سماء المنطقة. أسمع صرخات، لقد عشت المذبحة كل يوم. قد تنسى بلادنا هذا التاريخ ، لكنني لا أستطيع".
وتقول فليتشر: "أنا أحد الناجين من مذبحة تولسا، منذ أسبوعين، احتفلت بعيد ميلادي 107. اليوم، أزور واشنطن العاصمة لأول مرة في حياتي، أنا هنا أبحث عن العدالة وأطلب من بلدي الاعتراف بما حدث في تولسا عام 1921".
فليتشر قدمت شهادتها مع شقيقها البالغ من العمر 100 عام، والناجية، ليسي بنينغفيلد راندل، البالغة من العمر 106 أعوام ، أمام اللجنة الفرعية للمطالبة بتعويضات عن واحدة من أسوأ حوادث العنف العنصري في تاريخ الولايات المتحدة.
الثلاثة هم مدعون رئيسيون في دعوى تعويضات رفعت العام الماضي ضد مدينة تولسا ومقاطعة تولسا وولاية أوكلاهوما وغرفة تجارة تولسا. وتقول الدعوى إن أوكلاهوما وتولسا مسؤولتان عما حدث خلال المذبحة.
بايدن يزور تولسا
وفي الذكرى المئة للمذبحة المؤلمة، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، سيزور مدينة تولسا الأسبوع المقبل. ولم يتم الكشف عن تفاصيل برنامج الرحلة المقرر إجراؤها في الأول من يونيو.
وجاء إعلان البيت الأبيض عن الزيارة بعد أن التقى بايدن ونائبة الرئيس، كامالا هاريس، الثلاثاء، مع عائلة، جورج فلويد، في ذكرى مرور عام على وفاته على يد ضابط شرطة في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، في 25 مايو 2020، ما أثار احتجاجات على مستوى البلاد ضد العنصرية ووحشية الشرطة تجاه الأميركيين من أصول أفريقية.
وفاة فلويد أعادت الزخم لقضية الأميركيين من أصول أفريقية، وشجعت كثيرين في أميركا وحول العالم على تبني شعار "حياة السود مهمة".
_________________________
استندت تفاصيل القصة إلى عدد من المصادر التاريخية الأميركية منها، تقرير لجنة أوكلاهوما لعام 2001، ومؤسسة سمثسونيان، وموقع تولسا وورد، ومكتبة الكونغرس، وموقع مدينة تولسا، وأرشيف وسائل إعلام أميركية، مواقع متخصصة أخرى تابعة للحكومة الأميركية.
