زعيم حركة الحقوق المدنية الأميركية، مارتن لوثر كينغ جونيور، خلال إلقاء خطابه "لدي حلم". أرشيفية
زعيم حركة الحقوق المدنية الأميركية، مارتن لوثر كينغ جونيور، خلال إلقاء خطابه "لدي حلم". أرشيفية

تحتفل الولايات المتحدة، الاثنين، بأيقونة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ جونيور، الذي ساهم في تغيير وجه أميركا، فيما يتعلق بحقوق الأميركيين من أصول أفريقية.

ولد مارتن في الخامس عشر من يناير 1929، في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، حيث سادت أبشع مظاهر العنصرية والتمييز، التي سعى إلى محاربتها بالأساليب السلمية.

مارتن كان ناشطا حقوقيا وقسا، استطاع الحصول على درجة الدكتوراة في علم اللاهوت، وساهم بشكل كبير في تنظيم أول احتجاج لحركة الحقوق المدنية للأمييركيين من أصول إفريقية بتنظيم "مقاطعة لحافلات النقل في مدينة مونتغمري".

وعُرف مارتن بجملته الشهيرة في أغسطس 1963، عندما تحدث في مسيرة للمطالبة جمعت نحو ربع مليون شخص عند نصب الرئيس الأميركي أبراهام لينكولين التذكاري عندما قال "لدي حلم".

كان مارتن بطل الكفاح السلمي من أجل الحقوق المدنية للأميركيين السود رجلا منهكا هرم قبل ألاوان من شدة ما عاش من محن، حين قتل برصاصة أطلقت عليه من شرفة فندق في ممفيس بولاية تينيسي. وحدث ذلك في الرابع من أبريل 1968، وكان في التاسعة والثلاثين من العمر.

ورغم تعرضه باستمرار لمضايقات الشرطة الفيدرالية، إلا أنه اعتمد "الكفاح اللاعنفي"، الذي لم يكن يرضي الشبان السود المتلهفين لإحداث تغيير، بل حتى في بعض الأحيان الوصول إلى المواجهة.

قصه الاسم "مارتن لوثر"

لم يحمل مارتن لوثر كينغ هذا الاسم طوال حياته، إذ كان يحمل اسم "مايكل" لأول خمسة أعوام من عمره، ولكن والده غيره تيمنا باسم "المصلح البروتستانتي" مارتن لوثر لاحقا.

فما هي قصة تغيير اسمه من "مايكل" إلى "مارتن"؟ وقصة القس البروتستانتي مارتن لوثر؟

وتعود قصة تغيير اسم مايكل إلى مارتن لوثر للعام 1934، إذ انطلق والده القس مايكل كينغ الأب، في رحلة دينية حول العالم، زار فيها روما وتونس ومصر والقدس وبيت لحم، ولتنتهي رحلته في اجتماع ديني في برلين، بحسب الموقع الإلكتروني لمؤسسة سميثسونيان.

وخلال رحلته الدينية تأثر القس مايكل كينغ بشخصية القس الألماني، مارتن لوثر، التي تحدت أطروحاته الدينية الـ 95 الكنيسية الكاثوليكية، ما ساهم بالنهاية في انقسام "المسيحية الغربية".

وبعد عودة الأب القس إلى الولايات المتحدة عام 1934، غير اسمه ليصبح مارتن لوثر كينغ الأب، وغير اسم ابنه ليصبح مارتن لوثر كينغ الابن، ولكن لم يتم تغيير الأسم على الأوراق الرسمية سوى في يوليو من عام 1957.

القس الألماني مارتن لوثر

تماثيل للمصلح البروتستانتي في القرن السادس عشر مارتن لوثر للفنان الألماني هويرل في فيتنبرغ. أرشيفية

تقول موسوعة "بريتانيكا" إن القس مارتن لوثر "زعيم ديني ألماني"، ولد في نوفمبر 1483 وتوفي في فبراير من عام 1546، وكان له مساهمات كبيرة في علم اللاهوت كانت حافزا للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر.

وتوضح أنه يعتبر من "أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ المسيحية"، خاصة وأن "كلماته وأفعاله" عجلت في "إعادة صياغة المبادىء الأساسية للمسيحية"، وأسفرت عن تقسيم "المسيحية الغربية" بين "الكاثوليكية الرومانية" و"التقاليد البروتستانتية"، وليظهر بعدها ما يعرف بـ"اللوثرية" و"الكالفينية" و"الأنجليكانية".

وبدأ لوثر تعليميه في مدرسة لاتينية في عام 1488، حيث تعلم اللغة اللاتينية وحفظ الوصايا العشر، والصلاة الربانية، وقانون إيمان الرسل، وفي 1497 أرسل إلى ليصبح راهبا، وفي 1501 التحق بجامعة إرفورت، والتي كانت من أكثر الجامعات تميزا في ألمانيا، وحصل بعدها على شهادة الماجستير في الفنون الحرة، وكان دائما يتحدث عن "أرسطو" و"ويليام أو أوكهام" على اعتبار أنهما معلميه.

وسعى لوثر لإكمال دراسته العليا، في أحد تخصصات الطب أو القانون أو اللاهوت، ولكنه فضل أن يتخلى عند ذلك ليصبح راهبا، حيث عاش في دير إرفورت للقديس أوغستين، إذ تم قبوله كمبتدئ في عام 1505.

وفي عام 1507، بدأ بدراسة علم اللاهوت في جماعة إرفورت، وانتقلها بعدها بعام إلى جامعة في فيتنبرغ.

الرسالة

كانت بدايات القس لوثر مع الإصلاح، في عام 1517، عندما كتب رسالة إلى الأسقف حينها احتجاجا على بيع "صكوك الغفران"، لتصبح رسالته تحديا لسلطات الكنيسة، إذ ضمت رسالته "95 أطروحة".

وركزت الأطروحات على أن "الإيمان وحده كاف لنيل المغفرة"، متسائلا "لماذا يريد البابا بناء كنيسة القديس بطرس من مال الفقراء بدلا من ماله أو مال الفاتيكان الخاص؟"، معتبرا أن "صكوك الغفران" حينها ما هي إلا "ضمانات كاذبة" للعمل الصالح.

وبعد ذلك انتشرت أطروحات القس لوثر ليتم تداولها على نطاق واسع في فرنسا وإنكلترا وإيطاليا، فيما بدأت بعض الدول تشهد تجمعات لسماع طروحاته، واشتهرت له بعدها عدة مؤلفات.

وبسبب رسائل وطروحات القس لوثر، دخل في نزاع مع البابوية، فيما دعا البابا ليون العاشر علماء مختصين باللاهوت لمحاججة "هرقطات لوثر"، فيما قام الراهب سلفستر مازوليني برفع قضية عليه أمام "محاكم العقيدة"، وفي عام 1521 أصدر البابا مرسوما بطرده من الكنيسة ما لم يتراجع مارتن عن آرائه.

أوجه الشبه بين الشخصيتين

نصب تذكاري يكرم حياة مارتن لوثر كينغ في واشنطن

وعن أوجه الشبه القس الألماني، مارتن لوثر، والقس الأميركي، مارتن لوثر كينغ الابن يقول أستاذ الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، إدوارد جوزيف لموقع "الحرة" إن "القس الألماني مارتن لوثر تصدى لما اعتبره سلطة فاسدة بالاحتجاج، ومن هنا جاء أيضا مصطلح (بروتستانت)".

وأضاف أن والد مارتن لوثر كينغ "شعر بالإلهام من استعداد القس الألماني مارتن لوثر لوضع قناعاته موضع التنفيذ"، ولهذا أعاد تسمية نفسه بمارتن لوثر كينغ الأب، وأطلق اسم مارتن لوثر كينغ جونيور على ابنه.

ومثلما عانى مارتن لوثر مع مشاكل مع السلطة، عانى مارتن لوثر كينغ جونيور مع السلطة في الولايات المتحدة، إذ تم "اعتقاله 29 مرة" لأسباب مختلفة تراوحت بين العصيان المدني وحتى المخالفات المرورية.

ورغم أنهما ولدا بفارق 450 عاما عن بعضهما البعض، إلا أن كلاهما استطاع "تغيير العالم الذي عاشا فيها"، كما نشأ كلاهما على "التزام عميق بالمسيحية"، بحسب موقع "بي بي أس".

وكان مارتن لوثر كينغ قسا في أحد فروع الكنيسة التابعة للبروتستانتية، وكلاهما درسا علم اللاهوت في دراستهما العليا.

كما يتشارك مارتن ومارتن بأن كلاهما "وضعا أفكارهم ومعتقداتهم على الورق"، وكانت قضيتهم الأساسية قائمة على الإصلاح، فالأول أراد محاربة صكوك الغفران، الثاني أراد محاربة نظام تميزي يقمع إعطاء الحقوق لأصحاب البشرة السمراء.

واستطاع كلاهما "ترك العالم مكانا أفضل" بعدما شاركوا بأفكارهم ومعتقداتهم.

ترامب

في 20 يناير 2025، بعد دقائق من أدائه اليمين الدستورية لبدء ولايته الثانية، وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حزمة أوامر تنفيذية، وصف أحدها بـ"الكبير" ـ الذي سيتردد صداه، لاحقا، في جميع أنحاء العالم.

كان جالسا إلى منضدته الرئاسية في المكتب البيضاوي؛ على يمينه صندوق مليء بأقلام "شاربي،" أحدها كان ينتظر بفارغ الصبر بين أصابع يده اليمنى، وحين تسلم ترامب من أحد مساعديه ملفا، سأل المساعدَ:

"ما هذا؟".

"الانسحاب من منظمة الصحة العالمية".

"أوه، هذا كبير،" عقّب ترامب، وهو يفرد ملف الأمر التنفيذي على المنضدة. لكن قبل أن يهوي بقلمه على الملف، ذكّر بأنه سبق أن أوقف دعم الولايات المتحدة لمنظمة الصحة في ولايته الأولى، لأسباب منها "غياب العدالة" في التمويل.

وأشار ترامب، تحديدا، إلى الاختلال بين مساهمة الولايات المتحدة ومساهمة الصين في دعم الصحة العالمية.

وقال إن المنظمة عرضت عليه أن يدفع أقل، وإن سلفه ـ جو بايدن ـ الذي أعاد تمويل المنظمة خلال رئاسته بين 2020-2024، كان بإمكانه أن يتفاوض لكي يدفع أقل.

لم يكن إعلان ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية (WHO) في أول يوم من ولايته الثانية مصادفة، بل كان رسالة مفادها أن سياسته الخارجية ستكون، في هذه المرحلة أكثر حزما، أحادية إذا تطلب الأمر، وترتكز بقوة على مبدأ المصلحة الوطنية: "أميركا أولا".

رسّخ قرار الانسحاب من منظمة الصحة، أيضا، الثيمة التي هيمنت على أول مئة يوم من ولاية ترامب الثانية، وهي الضغط لإعادة التفاوض من أجل رسم خريطة جديدة في علاقات الولايات المتحدة بالعالم الخارجي، تجاريا وسياسيا.

هذه الخريطة الجديدة، ما هي ملامحها؟ 

ماذا يريد ترامب، عالميا؟ وما هي وسائله لتحقيق مبتغاه؟

هل هناك ملامح واضحة لعقيدة "ترامبية" محددة في السياسة الخارجية الأميركية؟ 

هذه محاولة إجابة!

ساحر أوز العجيب

في رواية ليمان فرانك بوم، "ساحر أوز العجيب"، يختطف إعصار هائل الصبية دورثي من منزلها في كنساس، ويلقي بها في أرض أوز السحرية، وخلال رحلة العودة تتجلى أمامها الحقيقة: "لا مكان مثل الوطن".

تلك العبارة أضحت من أشهر الاقتباسات التي تعبر عن روح الوطنية الأميركية، ورددها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حامل شعار "أميركا أولا"، في قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، في فيتنام عام 2017.

"العالم فيه العديد من الأماكن، والعديد من الأحلام والعديد من الطرق، ولكن في كل العالم لا يوجد مكان مثل الوطن"، قال ترامب في خطاب عن القومية والعالم، ألقاه أمام زعماء 21 دولة.

في تلك القمة حض ترامب ـ وكان في بداية ولايته الرئاسية الأولى ـ زعماء العالم على تحقيق مصالح بلدانهم، التي "يتوجب أن تعلو فوق أي مصلحة".

وكان فوز ترامب المفاجئ في انتخابات 2016، قد جعل شعاره "أميركا أولا" عنوانا لمرحلة جديدة في العقيدة السياسية الأميركية.

العقيدة السياسية؟

في حوار أجراه موقع "الحرة" في يناير الماضي، يعرّف أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت، العقيدة في السياسة الخارجية بأنها استراتيجية كبرى تحدد نوع العلاقات الدولية التي يتبناها الرئيس، وهو ما يمكن أن ينطبق على عقيدة مونرو، أو عقيدة ترومان، أو عقيدة ريغان.

ترتكز عقيدة الرئيس جيمس مونرو، على سبيل المثال، والتي عبر عنها في ديسمبر 1823 أثناء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، على معارضة الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الشمالي، وتعتبره عملا عدائيا.

أما ريغان، فحدد "عقيدته" في فبراير عام 1985، عندما قال: "يجب ألا نخون ثقة من يخاطرون بحياتهم - من أفغانستان حتى نيكاراغوا- لمواجهة العدوان المدعوم من الاتحاد السوفيتي، ويجب أن نصون الحقوق التي لطالما كانت لنا منذ الولادة".

داخليا، كانت أميركا في ذلك الوقت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بسبب التضخم.

عقيدة ترامب

بدأت ملامح عقيدة ترامب السياسية تتوضح ابتداء من أبريل 2016، عندما استخدم عبارة "أميركا أولا" مع انطلاق حملته الانتخابية.

وبعد فوزه في الانتخابات، تعهد خلال خطاب التنصيب في يناير 2017 بأن "رؤية جديدة" ستحكم أميركا.

ومنذ ذلك الحين، بات شعار "أميركا أولا" بمثابة اسم ثان للترامبية في السياسة الأميركية، رغم أنه لم يكن أول سياسي أميركي يستخدم المصطلح.

المرشح في سباق الرئاسة لعام 2000، بات بيوكانان، استخدم شعار "أميركا أولا" خلال حملته الانتخابية.

أما عبارة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، التي اقترنت بترامب وتعرف اختصارا بـ"ماغا"، فاستخدمها رونالد ريغان في حملته الانتخابية عام 1980.

اختار بيوكانان شعار "أميركا أولا"، الجذاب شعبيا، بعد أن فشل مرتين في التسعينيات في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة.

وعنت العبارة بالنسبة لبيوكانان الانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، ومعارضة التدخل العسكري في الخارج، من بين أشياء أخرى.

لكن آخرين يشيرون إلى تاريخ سابق لشعار "أميركا أولا".

ترتبط العبارة بـ"لجنة أميركا أولا" التي دعت بين عامي 1940ـ1941 إلى عدم انخراط الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية خلال الحرب العالمية الثانية. اجتذبت اللجنة، آنذاك، عددا كبيرا من الناشطين، وزعمت أن عدد أعضائها تجاوز 800 ألف عضو، وكان من بينهم قطب السيارات الأميركي هنري فورد.

لكن ترامب أعاد تعريف "أميركا أولا" ببساطة كبيرة:

"أميركا ستضع مواطنيها وقيمها واهتماماتها في المقام الأول، مثلما ينبغي أن تفعله جميع الدول"، تقول وثيقة نشرها البيت الأبيض في سبتمبر 2017.

وتشير الوثيقة، التي تحدد سياسة خارجية قائمة على "الواقعية المبدئية"، إلى "استراتيجية العمل من أجل المصلحة الوطنية الأميركية وبما يتفق مع قيمنا".

التدخل حسب الموقف

تصف دراسة نشرت على موقع كلية غيتيسبيرغ الأميركية أيدولوجية "أميركا أولا" في سياسة ترامب الخارجية بأنها "الانعزالية والتدخل حسب الموقف،" على النقيض من سياسة سلفه، آنذاك، باراك أوباما.

أوباما وضع أميركا على قدم المساواة مع الدول الأخرى، وتعاون مع المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمات التجارة واتفاقية المناخ.

وتخلت عقيدة ترامب "بشكل متعمد"، وفق الدراسة، عن السياسة الخارجية لأوباما والرؤساء السابقين، وحتى الجمهوريين منهم.

لا تنكر الدراسة "عقيدة ترامب"، لكنها ترى أنها "تستند أكثر إلى التفضيلات الشخصية والعاطفة بدلا من اتباع نموذج سياسي صارم".

ما ليس ترامب

يعرف الكاتب المحافظ، مايكل أنتون، فكر ترامب السياسي بما ليس هو:

"ترامب ليس من المحافظين الجدد أو المحافظين القدماء، ولا من الواقعيين التقليديين ولا من الليبراليين الدوليين".

"ينطبق الشيء ذاته على حقيقة أن ترامب لا يميل فطريا إلى الانعزالية أو التدخل،" يتابع أنتون، "وهو ليس حمامة أو صقر. ولا تندرج سياسته الخارجية بسهولة في أي من هذه الفئات، على الرغم من أنها تستمد من كل منها".

لكنّ أنتون يلاحظ، مثل كثيرين، أن شعار "أميركا أولا" لا يجب أن يكون مستغربا لأن البلدان يجب أن تضع مصالحها الخاصة في المقام الأول.

طالما جادل ترامب ومريدوه من "اليمين الجديد"، بأن العولمة كلفت الولايات المتحدة غاليا، وكانت مفيدة للقوى الصاعدة التي تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على النفوذ والزعامة.

وطالما هاجم ترامب سياسات قال إنها تستجيب لاهتمامات النخبة التي تروج لفكرة أن من مصلحة أميركا البقاء في حلف شمال الأطلسي واستمرار العولمة.

لذلك سعى خلال رئاسته الأولى إلى ما وصفه بـ"تصحيح المسار". 

أعلن نهاية ما وصفها بـ"الامتيازات المجانية،" وأصر على أن يدفع أعضاء حلف شمال الأطلسي "نصيبهم العادل"، سواء في ما يتصل بالضمانات الأمنية أو الصفقات التجارية.

وفي الأشهر الأولى من ولايته الثانية، أعادت ترامب التشديد على ضرورة أن تزيد الدول الأعضاء إنفاقها الدفاعي. وكشف، من خلال موقفه الداعي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، عن إدارة أميركية أقل ميلا إلى الالتزام باتفاقيات الدفاع الجماعي.

ويلخص الكاتب جورج فريدمان "مبدأ ترامب" في أنه سياسة "نزع فتيل المواقف التي قد تتطلب اتخاذ إجراءات عسكرية، والانخراط بدلا من ذلك في سياسة اقتصادية هجومية".

وتأتي أفكار ترامب، وفق الكاتب، على خلفية وضع دولي يشهد انتشار القوات الأميركية حول العالم، وهو وضع يخلق توترا لأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متورطة في حرب مكلفة وعلى أكثر من جبهة في الوقت ذاته، لذلك فإن الأفضل هو اتباع مبدأ الدبلوماسية.

لذلك اختار ترامب، في الولاية الأولى، "التفاهم " مع كوريا الشمالية، واتبع مسارا دبلوماسيا مع روسيا، خاصة وأنها كانت لديها قوات في سوريا قد تتقاطع في أماكن انتشار القوات الأميركية.

وفي نفس السياق، يبدو ترامب وكأنه يسير عكس التيار في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. إذ رغم الدعوات ـ من الداخل الأميركي ومن خارجه ـ إلى استخدام القوة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، تنخرط الإدارة الأميركية منذ أسابيع في محادثات مع الإيرانيين للوصول إلى حل سلمي يفكك الطموحات النووية لطهران.

وعرف ترامب بانتقاداته لحرب العراق وعمل خلال ولايته الرئاسية الأولى إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن.

يعتقد ترامب، وفق رؤية فريدمان، أن "الذهاب إلى الحرب خيار خاطئ لأن نوايا الخصوم غير متوقعة، والحل يكمن في الحفاظ على الوجود وتجنب القتال والانخراط في مفاوضات مطولة قد تؤدي إلى شيء أو لا شيء ولكنها قد تقلل من التهديد العسكري".

السياسة قطعة قطعة

العقيدة السياسية تعني أن "كل الإجراءات التي يتخذها الرئيس تستند إلى مجموعة من الافتراضات حول كيفية عمل العالم، والتوقعات، والعلاقات، وما إلى ذلك،" يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت.

"أما ترامب،" يضيف بيلت، "فهو على العكس تماما، يأخذ كل شيء قطعة قطعة. ويتعامل مع الأمور على أنها صفقات (تجارية)".

ترامب "لا يفضل الاتفاقيات متعددة الأطراف. هو يحب الاتفاقيات الثنائية وأن يكون هو الشخص الذي يبرم الصفقة"، يتابع بيلت.

"أميركا أولا"، بالنسبة لبيلت، ليست عقيدة "لأنها لا تتعلق بكيفية التفكير في شؤون العالم والاستجابة للتهديدات الدولية.

وتقضي بـ"ألا تعمل الولايات المتحدة مع أي جهات فاعلة دولية أخرى ما لم يكن ذلك ضروريا، ومن أجل المصلحة الدولية والوطنية".

وفي نفس الاتجاه يذهب ريتشارد وايتز، محلل السياسيات الأمنية في معهد هدسون: "ترامب لا يملك عقيدة" ثابتة. يقول وايتز في حاديث سابق مع موقع "الحرة" إن ترامب "لديه بعض القيم التي يريد تطبيقها، مثل الحد من الحروب، وزيادة دخل الأميركيين".

في بعض القضايا "يتسم بالحزم الشديد، مثل تغير المناخ، وقضايا أخرى يتسم فيها بالمرونة مثل الناتو، فهو لم يقرر بعد ما يمكن فعله بالنسبة للناتو. هو حازم في بعض القضايا ومنفتح في أخرى ويرحب بالتعليقات التي يتلقاها في هذا الشأن".

"أميركا أولا" 2.0

في ولايته الأولى، انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الغربية مع إيران عام 2015، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية صارمة، ركزت على خنق الاقتصاد الإيراني في ما عُرف بسياسة "الضغط الأقصى". وكان الهدف إجبار إيران على القبول باتفاق أكثر صرامة بشأن على برنامجها النووي.

وباستثناء استهداف الجنرال الإيراني قاسم سليمان في 2020، لم يلجأ ترامب إلى العمل العسكري ضد إيران، باستثناء حوادث متفرقة.

في الولاية الثانية، صعد ترامب النبرة تجاه إيران. وبدلا من الاعتماد بشكل أساسي على العقوبات، لوح علنا باللجوء إلى ضربات عسكرية إذا لم توافق إيران على اتفاق نووي وفق رؤية أميركية جديدة.

وهدد ترامب طهران بـ"عواقب وخيمة" تتجاوز العقوبات الاقتصادية في حال استمرارها في تطوير برنامج النووي.

وانخرطت إيران أخيرا في مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة عمانية بشأن مستقبل برنامجها النووي.

أوكرانيا: الدعم شرط للسلام

وافق ترامب، في الولاية الأولى، على تقديم مساعدات عسكرية كبيرة لأوكرانيا، لكنه تعرض لاتهامات بتسييس تلك المساعدات خلال تحقيق العزل الأول في 2019.

في مستهل ولايته الثانية، علق ترامب المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وأوضح أن استمرار الدعم الأميركي مشروط بدخول أوكرانيا في مفاوضات لإنهاء الحرب مع روسيا.

مثّل تعامل ترامب مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية، تحولا في السياسة الخارجية الأميركية من الدعم غير المشروط تقريبا إلى استخدام الدعم كأداة للضغط من أجل التفاوض لإحلال السلام.

روسيا: من الردع إلى السعي للتقارب

بشكل عام، حافظت إدارة ترامب الأولى على العقوبات المفروضة على روسيا، بل وزادتها بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية وضمها للقرم وقضايا أخرى.

الآن يركز ترامب على الدبلوماسية المباشرة مع روسيا، بهدف التفاوض على وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات لا تعتقد كييف أنها عادلة.

الصين: من حرب تجارية إلى منافسة شاملة

أطلق ترامب حربا تجارية واسعة ضد الصين، مستخدما الرسوم الجمركية كأداة رئيسية لمواجهة العجز التجاري وسرقة حقوق الملكية الفكرية. وفي الولاية الثانية، تصاعدت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

لم يكتفِ ترامب بزيادة الرسوم الجمركية بل دفع نحو تقييد الاستثمارات الصينية في القطاعات التقنية الأميركية، وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية ـ خصوصا في مجالات الأدوية وأشباه الموصلات ـ ودعم مبادرات الردع العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الترامبية واليمين الجديد

يعرف قاموس جامعة كامبريدج الترامبية بأنها سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب وأفكاره، فيما تذهب دراسات عديدة إلى أن الترامبية مثلت بداية حزب جمهوري جديد، يشكل "قطيعة حادة" مع أفكار الحزب والمبادئ التي اتبعها على مدى عقود خلت.

هل تبقى الترامبية بعد دونالد ترامب؟ يسأل كاتب نيويورك تايمز مايكل ليند:

"اختيار ترامب للسناتور جي.دي. فانس لمنصب نائب الرئيس يعني أن الجواب هو نعم،" يجيب الكاتب.

تمخضت الترامبية عن ظهور تيار سياسي جديد في الولايات المتحدة، بات يعرف بـ"اليمين الجديد".

وشاع استخدام المصطلح حديثا بالإشارة إلى مجموعة من المثقفين والسياسيين الجمهوريين الذين يعملون على تحويل الترامبية إلى أيديولوجية متماسكة.

أيديولوجية ستتاح لها أربع سنوات أخرى لتترسخ وتكتسب الزخم.