الولايات المتحدة قطعت شوطا كبيرا
الولايات المتحدة قطعت شوطا كبيرا | Source: Share America

"لا مكان لهيمنة البيض في الولايات المتحدة"، بهذه العبارة، ذكَّر الرئيس الأميركي، جو بايدن، بجهود الولايات المتحدة في محاربة العنصرية وتحقيق المساواة بعد حادث إطلاق النار في جاكسونفيل بولاية فلوريدا، السبت، حيث قتل مسلح 3 أميركيين من أصل أفريقي، قبل أن يطلق النار على نفسه.

وتشتبه الشرطة أن المشتبه به أطلق النار بدافع كراهيته للسود.

وأشار الرئيس بايدن في بيان إلى أن الهجوم وقع بالقرب من جامعة تاريخية للسود بينما "احتفلت أمتنا بالذكرى الستين لمسيرة واشنطن". وقال إنه "يجب أن نقول بوضوح وقوة إن التفوق الأبيض ليس له مكان في أميركا".

وتسلط هذه الحادثة الضوء على تاريخ طويل قطعته الولايات المتحدة في محاربة العنصرية، على الرغم من استمرار بعض مظاهرها في المجتمع الأميركي، إلا أن هذه الجهود أحدثت تغييرات ملموسة نحو تحقيق المساواة.

وتشير التعديلات الدستورية التي أقرت في القرن التاسع عشر إلى إعطاء السود حقوقا تاريخية، فالتعديل الثالث عشر نص على تحريم "الرق والتشغيل الإكراهي في الولايات المتحدة وفي أي مكان خاضع لسلطانها، إلا كعقاب على جرم حكم على مقترفه بذلك حسب الأصول".

ويقول التعديل الرابع عشر: "... لا يجوز لأي ولاية أن تضع أو تطبق أي قانون ينتقص من امتيازات أو حصانات مواطني الولايات المتحدة"، بينما يقول التعديل الخامس عشر إنه "لا يجوز للولايات المتحدة ولا لأية ولاية منها حرمان مواطني الولايات المتحدة من حقهم في الانتخاب، أو الانتقاص من هذا الحق، بسبب العرق أو اللون أو حالة رق سابقة".

وشهدت الولايات المتحدة حركة تاريخية للمطالبة بالمساواة وإنهاء فترة الفصل العنصري تمخض عنها إقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حق التصويت لعام 1965، وقانون محاربة الفقر، وقانون الإسكان العادل، وغيرها من القوانين.

وكانت "مسيرة واشنطن" في شهر أغسطس عام 1963 إحدى أكبر التجمعات المُطالِبة بحقوق الإنسان في التاريخ الأميركي، حيث احتشد عشرات الآلاف في واشنطن للمطالبة بالمساواة والعدل للجميع، وقال زعيم الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ، عبارته الشهيرة "لديّ حلم".

وفي أعقاب قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذي يحظر التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل، ساعد قانون حق التصويت لعام 1965 على ترسيخ مكاسب حركة الحقوق المدنية الأميركية، وفق موقع Share America التابع لوزارة الخارجية الأميركية.

وأسقط القانون الأخير ممارسات التصويت التمييزية، التي تم تبنيها خاصة في الولايات الجنوبية، بهدف حرمان الأميركيين من أصل أفريقي من حقوقهم.

وأسس القانون لرقابة فيدرالية على الولايات ذات تاريخ التمييز العنصري، إذ مُنعت من سن أي تغييرات على قوانينها الانتخابية دون مراجعة وتصريح مسبق من وزارة العدل. وأدى هذا الإجراء إلى زيادة مشاركة السود في الحياة السياسية.

وأقر الرئيس، ليندون جونسون (1963-1969)، قانون الحرب على الفقر ضمن برنامج إصلاح تشريعي أكبر، يُعرف باسم "المجتمع العظيم"، كان جونسون يأمل أن يجعل الولايات المتحدة دولة أكثر إنصافا .

وأنهى قانون الإسكان العادل لعام 1968 الممارسات التمييزية العلنية المتمثلة في رفض بيع الممتلكات للأميركيين السود، وسمح بملاحقات قضائية لمخالفي هذا القانون.

وتم إقرار قانون إحصاءات جرائم الكراهية عام 1990 الذي طلب من وزارة العدل جمع ونشر بيانات بشأن الجرائم التي ترتكب بدافع الكراهية على أساس العرق والدين والانتماء العرقي والتوجه الجنسي.

وفي 1994، تم إقرار قانون يسمح للقضاءبتشديد عقوبات جرائم الكراهية على أساس العراق أو الجنس أو الإعاقة أو التوجه الجنسي.

ووقعت الولايات المتحدة على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري "ICERD" عام 1966، وصدقت عليها في عام 1994 وقدمت لأول مرة تقريرا عن التقدم الذي أحرزته في تنفيذ الاتفاقية إلى لجنة القضاء على التمييز العنصري عام 2000.

وتشير هذه الإجراءت التي اتبعتها الولايات المتحدة إلى حدوث تقدم هائل في محاربة العنصرية، وجاء انتخاب باراك أوباما، ليكون أول رئيس أميركي من أصول أفريقية ليدعم هذا الاتجاه.

لكن العنصرية لم تختف من المجتمع وظهرت حوادث على غرار حادثة فلوريدا الأخيرة من حين لآخر.

ومن أشهر تلك الحوادث تعرض رودني غلين، الأميركي الأسود، للضرب المبرح على يد شرطة لوس أنجلوس في 1991 مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب كبيرة في المدينة.

وفي أغسطس 2014، قتلت الشرطة الأميركي الأسود مايكل براون، في أحد شوارع فرغسون وتسبب الحادث في اضطرابات كبيرة في المدينة ومواجهات بين المتظاهرين وقوات الشرطة.

وتابع الأميركيون بقلق أحداث العنف للمؤمنين بتفوق العرق الأبيض التي وقعت في شارلوتسفيل، بولاية فرجينيا، عام 2017.

في غضون ذلك، تظهر البيانات تباينات اقتصادية واجتماعية في شرائح المجتمع بعد عقود من الفصل العنصري.

وقالت وزارة العمل في تقرير لها صدر العام الجاري إن متوسط الدخل الأسبوعي للسود (913 دولارا) والأميركيين من أصول لاتينية (851 دولارا) وهو أقل من نظرائهم البيض (1126 دولارا) و الآسيويين (1449 دولارا).

وحسب الجنس، بلغ متوسط الدخل الأسبوعي للرجال السود 975 دولارا، أو 81.2 في المئة من متوسط الرجال البيض (1201 دولار).

وفي تقريرها لعام 2000 أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري، وهي هيئة دولية تضم خبراء في مجال حقوق الإنسان، ذكرت الولايات المتحدة أن "التمييز العلني أقل انتشارا مما كان عليه قبل 30 عاما"، لكنها قالت إنه استمر بسبب "أشكال التمييز الخفية" التي "لا تزال قائمة في المجتمع الأميركي"، وفق تقرير لهيومن رايتس ووتش.

وأكدت لجنة القضاء على التمييز العنصري على المخاوف العميقة بشأن النظام القانوني الجنائي الأميركي، التي أشارت فيها إلى أن "معدل السجن مرتفع بشكل خاص فيما يتعلق بالأميركيين من أصل أفريقي واللاتينيين".

وفي تقريرها لعام 2021، أفادت الولايات المتحدة بأن عدد نزلاء السجون الفيدرالية قد انخفض إلى أدنى مستوى له منذ عام 2000 "بانخفاض بنسبة 31 في المئة تقريبا". وقالت إن قانون "الخطوة الأولى"، الذي سنه الكونغرس في ديسمبر 2018، وراء هذا الإنجاز.

وذكرت الولايات المتحدة في تقريرها لعام 2021 أنه من بين إجمالي عدد الأشخاص الذين حصلوا على أحكام مخففة نتيجة لقانون "الخطوة الأولى"، كان 91 في المئة من السود.

وبعد توليه منصبه، أصدر الرئيس بايدن مذكرة لمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب والتعصب ضد الأميركيين الآسيويين. وأصدر كذلك قرارا يعزز المساواة في الحكومة الفيدرالية، ووجه الوكالات الحكومية بدراسة تهديد التطرف العنيف المحلي في الولايات المتحدة.

تظاهرة أمام جامعة كولومبيا احتجاجا على اعتقال الطالب محمود خليل

قررت قاضية هجرة الجمعة أن بوسع إدارة الرئيس دونالد ترامب المضي قدما في قضية ترحيل الطالب في جامعة كولومبيا والناشط الفلسطيني محمود خليل الذي اعتقل في مدينة نيويورك الشهر الماضي.

وقالت القاضية جيمي كومانس من محكمة لاسال للهجرة في لويزيانا إن ليس لديها سلطة نقض قرار يتعلق بخليل اتخذه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الشهر الماضي بموجب قانون عام 1952 للهجرة والجنسية.

وقرر روبيو أنه يجب ترحيل خليل لأن وجوده في الولايات المتحدة له "عواقب وخيمة محتملة على السياسة الخارجية"، لكن قرار القاضية ليس القول الفصل فيما إذا كان خليل سيجري ترحيله.

وفي قضية منفصلة بمحكمة نيوجيرزي الاتحادية، أوقف قاضي المحكمة الجزئية الأميركية مايكل فاربيارز الترحيل بينما ينظر في ادعاء خليل بأن اعتقاله في الثامن من مارس يمثل انتهاكا للتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

وولد خليل في مخيم للاجئين الفلسطينيين بسوريا، ويحمل الجنسية الجزائرية وحصل على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة بشكل قانوني العام الماضي.

وخليل من الشخصيات البارزة في حركة الاحتجاج الطلابية المؤيدة للفلسطينيين التي هزت حرم جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. أما زوجة خليل، نور عبد الله، فهي مواطنة أميركية.

وقالت الإدارة الأميركية إن خليل وغيره من الطلاب الأجانب الذين يشاركون في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين يضرون بمصالح السياسة الخارجية الأميركية، مستشهدة ببند في قانون الهجرة والجنسية يمنح وزير الخارجية سلطة واسعة لتحديد متى يمكنه ترحيل مواطن أجنبي.

وقالت كومانس إن الكونجرس منح في هذا القانون وزير الخارجية "حكما منفردا" في تقرير ذلك.

وجاء قرار القاضية بعد جلسة استماع استغرقت 90 دقيقة عقدت في محكمة داخل مجمع سجن للمهاجرين محاط بسياح من أسلاك شائكة مزدوجة يديره متعاقدون حكوميون من القطاع الخاص في ريف لويزيانا.

ووصف خليل (30 عاما) نفسه بأنه سجين سياسي. واعتقل خليل من المبني السكني التابع لجامعة كولومبيا ونقل إلى سجن لويزيانا.

وقال محامو خليل إن إدارة ترامب استهدفته بسبب تعبيره عن رأيه وهو حق يكفله التعديل الأول للدستور الأميركي ويتضمن الحق في انتقاد السياسة الخارجية الأميركية.

وتدير وزارة العدل نظام محاكم الهجرة الأميركية وتعين قضاته بمعزل عن الحكومة.

وقدمت إدارة ترامب رسالة من صفحتين كدليل على وجوب ترحيل خليل.وكتب روبيو في الرسالة أنه يجب ترحيله لدوره في "احتجاجات معادية للسامية وأنشطة مخلة بالنظام العام تعزز وجود مناخ عدائي للطلبة اليهود في الولايات المتحدة".

ولم يتهم روبيو في الرسالة خليل بمخالفة أي قانون لكنه قال إن من حق وزارة الخارجية إلغاء الوضع القانوني لأي مهاجر حتى إن كانت معتقداته وصلاته وتصريحاته "قانونية".

وقال خليل إن انتقاد دعم الحكومة الأميركية لإسرائيل في حربها في غزة يتم الخلط بينه وبين معاداة السامية بشكل خاطئ.

وفي القضية المطروحة أمام فاربيارز، يطعن خليل فيما يصفه بعدم مشروعية اعتقاله واحتجازه ونقله إلى سجن لويزيانا بعيدا عن عائلته ومحاميه في مدينة نيويورك بنحو 1930 كيلومترا.