وائل حنا متهم بقضية فساد
وائل حنا متهم بقضية فساد

كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية معلومات جديدة استندت إلى مقابلات ووثائق قضائية تخص رجل الأعمال المصري، وائل حنا (40 عاما)، منذ مجيئه إلى الولايات المتحدة "وصعوده السريع" حتى اتهامه في قضية فساد مع السيناتور البارز، بوب مينينديز، وزوجته نادين.

وتحدثت الصحيفة في تقريرها المطول عن "المسار الغريب من الصفقات السيئة إلى احتكار اللحوم"، مشيرة إلى أنه بعد هجرته من مصر إلى نيوجيرزي، واجه حنا سلسلة من المشاكل التجارية والقانونية، قبل التعرف على نادين.

وحنا متهم بدفع رشاوى للسيناتور الأميركي البارز وزوجته في القضية التي سلط الإعلام الأميركي الضوء عليها، خلال الأيام الماضية، منذ صدور لائحة اتهام فيدرالية بحق الزوجين وحنا ورجلي أعمال آخرين.

وتشير نيويورك تايمز إلى أنه قبل خمس سنوات فقط، أبرم حنا سلسلة من الصفقات التجارية السيئة في نيوجيرزي "من دون أن يحقق نجاحا كبيرا".

وبعد ذلك، بدأت صديقته نادين "مواعدة"، بوب مينينديز، أحد أبرز المشرعين الديمقراطيين في مجلس الشيوخ. وسرعان ما قدم حنا السيناتور الذي كان رئيسا للجنة العلاقات الخارجية بالمجلس إلى عدد كبير المسؤولين المصريين، ثم حدث "منعطف" كبير في حياة رجل الأعمال فقد حصل على حق حصري لاحتكار شهادات الحلال التي يتم توريدها إلى مصر. 

وقال ممثلو الادعاء إنه حصل على ما يكفي من المال لرشوة مينينديز بسبائك الذهب والمبالغ المالية الكبيرة.

وتشير اللائحة إلى أنه بعد وقت قصير من بدء مينينديز ونادين المواعدة في عام 2018، قدمت نادين مينينديز إلى صديقها القديم حنا "الذي حافظ على علاقات وثيقة مع المسؤولين المصريين".

وعملت نادين مع حنا على تقديم مسؤولي المخابرات والجيش المصريين إلى مينينديز، وهذا التعارف ساعد على تطور هذه العلاقة "الفاسدة" التي شملت دفع رشاوى إلى مينينديز ونادين مقابل عمل مينينديز لصالح مصر وحنا، وآخرين، وفق الاتهامات.

السيناتور البارز متهم باستغلال منصبه
تفاصيل المخطط الكبير.. من هو المصري وائل حنا المتهم بقضية السيناتور مينينديز؟
تشير لائحة الاتهام التي أصدرها مدعون في ولاية نيويورك إلى تورط اسم رجل أعمال مصري يعيش في ولاية نيوجيرزي القريبة من نيويورك في مخطط يتضمن أعمال احتيال ودفع رشاوى للسيناتور الأميركي البارز، بوب مينينديز، وزوجته، نادين مينينديز

وتم القبض على حنا في مطار "جون أف كينيدي الدولي"، في نيويورك، صباح الثلاثاء الماضي، بعد أن عاد طوعا إلى الولايات المتحدة من مصر. وقال محاميه إنه قدم ليدافع عن نفسه ضد الاتهامات.

ودفع حنا بأنه غير مذنب أمام قاض فيدرالي في منطقة مانهاتن، وأمر القاضي بإطلاق سراحه بكفالة شخصية بقيمة 5 ملايين دولار وبشروط صارمة، من بينها تسليم جواز سفره وارتداء جهاز مراقبة "جي بي أس"، وفق نيويورك تايمز.

وائل حنا يواجه اتهامات فيدرالية
"جهاز مراقبة" ومصادرة جواز السفر.. ظهور المصري المتهم بقضية السيناتور مينينديز
عاد من مصر "لإثبات البراءة". هكذا علَّق محامي رجل الأعمال المصري، وائل حنا (40 عاما)، المتهم بدفع رشاوى للسيناتور الأميركي البارز، بوب مينينديز، وزوجته، نادين، في قضية سلط الإعلام الأميركي الضوء عليها، خلال الأيام الماضية، منذ صدور لائحة اتهام فيدرالية بحق الزوجين وحنا ورجلي أعمال اثنين آخرين

ويقول ممثلو الادعاء إن حنا رتب اجتماعات، في عام 2018، بين مينينديز ومسؤولين مصريين وإن هؤلاء المسؤولين ضغطوا على السيناتور للتوقيع على مساعدات عسكرية حجبتها واشنطن عن مصر بسبب مخاوف تتعلق بسجل البلاد في مجال حقوق الإنسان، وفي المقابل، وضع حنا زوجة مينينديز، نادين، على جدول رواتب الشركة التي يديرها، التي تتمتع بالحق الحصري في التصديق على اللحوم الحلال التي يتم شحنها من الولايات المتحدة إلى مصر. 

وجاء في لائحة الاتهام أن مينينديز "أساء استخدام سلطته لمصلحة مصر سرا".

وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يسعى للإجابة على سؤال: "هل كان حنا عميلا للحكومة المصرية طوال الوقت، أم مجرد انتهازي تعثر في موقع نفوذ دولي؟".

وقدم التحقيق الذي أجرته نيويورك تايمز، وشمل مئات الصفحات من ملفات المحكمة والسجلات التجارية والمقابلات مع ما يقرب من 12 شخصا ممن يعرفون حنا أو تعاملوا معه "نظرة ثاقبة على المسار الذي سلكه خلال بدايته الوعرة وصعوده السريع"، وفق الصحيفة.

وفي بضع سنوات فقط، تحول حنا من رجل أعمال مثقل بالديون ولا يستطيع حتى دفع فاتورة غرفة الطوارئ بقيمة 2000 دولار، إلى وسيط دولي يتفاخر بامتلاكه مجموعة من ساعات الرولكس.

وكشفت الصحيفة أنه بالإضافة إلى التحقيق في قضية فساد، فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) تحقيقا يتعلق بالتجسس يخص السيناتور، وفقا لأربعة أشخاص مطلعين على الأمر، وتحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم.

وقالت متحدثة باسم حنا في بيان إنه "بريء" من جميع التهم وإنه تعاون مع المدعين الفيدراليين وسمح لهم بالوصول المطلق إلى الوثائق والتحدث مع موظفيه. وأضافت أنه حجز طوعا رحلة طيران إلى نيويورك من مصر "في غضون دقائق من علمه بلائحة الاتهام هذه"، تاركا وراءه زوجته وبناته الثلاث.

وأضافت المتحدثة أنه "رجل أعمال قام ببناء العديد من الشركات، وكان يتصرف دائما بشكل أخلاقي وقانوني".

وتشير الصحيفة إلى أنه كان على رادار مسؤولي إنفاذ القانون لمدة أربع سنوات على الأقل. 

وفي نوفمبر 2019، داهم مكتب التحقيقات منزله ومكتبه في نيوجيرزي بموجب مذكرة تفتيش بشأن جرائم محتملة، من بينها العمل بشكل غير قانوني كعميل لحكومة أجنبية، وفقا لوثائق قضائية.

ومع ذلك، لم توجه إليه اتهامات بهذه الجريمة. 

وفي لائحة الاتهام التي تم الكشف عنها، في سبتمبر الماضي، قال ممثلو الادعاء إنه كان الوسيط مع مينينديز للإفراج عن المساعدات والأسلحة الأميركية إلى مصر.

والسيناتور متهم أيضا بإرسال معلومات حساسة عن موظفي السفارة الأميركية في القاهرة إلى زوجته، التي أرسلتها بدورها إلى حنا، وأرسلها هو إلى مسؤول حكومي مصري.

ودفع السيناتور الأميركي، الأربعاء الماضي، بأنه غير مذنب في التهم الفيدرالية بالحصول على رشاوى نقدية وسبائك ذهبية مقابل ممارسة نفوذه السياسي لتعزيز المصالح المصرية سرا وتقديم خدمات لرجال أعمال محليين.

هذه هي ثاني قضية فساد ضد مينينديز خلال عشر سنوات
السيناتور الأميركي مينينديز يدفع ببراءته في قضية الرشوة المرتبطة بمصر
دفع السيناتور الأميركي بوب مينينديز، من ولاية نيوجيرسي، اليوم الأربعاء، بأنه غير مذنب في التهم الفيدرالية التي تتهمه باختلاس رشاوى نقدية وسبائك ذهبية مقابل ممارسة نفوذه السياسي لتعزيز المصالح المصرية سرا وتقديم خدمات لرجال أعمال محليين.

قصة صعود مهاجر

وتشير الصحيفة إلى أن حنا وصل إلى الولايات المتحدة عبر نظام قرعة الهجرة، في عام 2006، وكان بعمر 22 عاما، وفقا لشخص مطلع. وقال المصدر ذاته إنه بدأ العمل في شركة تنظيف والتحق بفصول اللغة الإنكليزية.

وعلى الفور، أنشأ شركة للنقل بالشاحنات تسمى Elmanhry وكانت أول شركة ضمن عدد كبير من الشركات باسمه.

واشترى منزلا في بايون بولاية نيوجيرزي بمبلغ 450 ألف دولار من شخص كان يرتاد نفس الكنيسة المصرية التي كان يرتادها.

وبحلول عام 2011، انتقل إلى تجارة السيارات الفاخرة. وكان يتفاوض مع وكلاء بورشه ومرسيدس بنز في نيوجيرزي لشراء سيارات جديدة نيابة عن رجل أعمال صيني، وكان الأخير يبيعها بعد ذلك للعملاء في الصين.

وحولت شركة رجل الأعمال، بوستو نيويورك، 3.6 مليون دولار إلى حنا وشركائه، لكنهم لم يقدموا سوى سيارات بقيمة 2.9 مليون دولار فقط، وفق ما قاله رجل الأعمال في دعوى قضائية رفعت في عام 2012.

وحصلت الشركة على حكم ضد حنا وشركائه لكنه لم يمثل أمام المحكمة ولم يدفع ما كان مستحقا عليه، وفق السجلات القضائية.

وسرعان ما بدأت المشاكل القانونية التي واجهها حنا تتفاقم. وقد اتُهم في دعاوى قضائية بكتابة شيكات غير صالحة، وفي عام 2014، اتُهم أيضا بالقيادة وهو في حالة سكر حيث وجد فاقدا للوعي في سيارة.

وعندما نُقل إلى المستشفى، قالت الشرطة إنه هددهم عدة مرات.

ورفع أحد المستشفيات دعوى قضائية ضده، في عام 2017، للمطالبة بآلاف الدولارات من الفواتير الطبية غير المدفوعة، كما فشل في دفع أقساط للرهن العقاري وضرائب، وفقا لسجلات المحكمة، ما أدى في النهاية إلى خسارة منزله في بايون.

ورغم معاناته المالية في الولايات المتحدة، كان على علاقة وثيقة بالحكومة في مصر.

وقدم صديقه القديم ومحاميه الذي مثله في المحكمة، آندي أصلانيان، حنا إلى عدد كبير من الأصدقاء وشركاء العمل.

ورشح حنا صديقه أصلانيان لتمثيل مصر عام 2016 بشأن نزاع على مبنى كان يراد أن يكون مقر إقامة لممثلي الجيش المصري وعائلاتهم في إيست روثرفورد، في نيوجيرزي، حسبما قال  أصلانيان لصحيفة The Record.

وكان أصلانيان التقى بحنا عام 2009 وقدمه إلى نادين أرسلانيان زوجة مينينديز المستقبلية، وقال أصلانيان إن الثلاثة كانوا يلتقون بعض الأحيان بعد العمل في مطعم فرنسي يملكه المطور العقاري، فريد دعيبس، الذي ورد اسمه أيضا في قضية الفساد.

وفي نوفمبر 2017، أنشأ  أصلانيان وحنا شركة IS EG Halal، وكان غرضها التصديق على أن اللحوم حلال، أو تم إعدادها وفقا للشريعة الإسلامية. وقدم دعيبس الدعم المالي للمشروع.

وبعد ثلاثة أشهر، بحسب لائحة الاتهام، بدأت صديقتهما نادين مواعدة مينينديز.

وتشير الصحيفة إلى دوغلاس أنطون الذي التقى بحنا لأول مرة في عام 2017 من خلال نادين، التي كانت تواعد أنطون في ذلك الوقت. 

ويتذكر أنطون أنها قدمت حنا على أنه قريب لـ"شخص رفيع المستوى في الحكومة المصرية".

وخلف الكواليس، وفقا للمدعين العامين، كان حنا يرسل رسائل نصية مباشرة إلى المسؤولين العسكريين والحكوميين المصريين.

وطوال عام 2018، كان حنا مشغولا بترتيب اجتماعات لتعريفهم بمينينديز. وجاء في لائحة الاتهام أن السيناتور بدأ في استخدام منصبه لتحقيق مصالح مصر، بما في ذلك عن طريق كتابة رسالة خفية لمسؤول مصري كان يحاول إقناع أعضاء آخرين في مجلس الشيوخ بالإفراج عن 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر.

وأتت اتصالات حنا بنتائج إيجابية له في ربيع عام 2019. وقال ممثلو الادعاء إن الحكومة المصرية منحت فجأة شركته، IS EG Halal، الحق الحصري في التصديق على أن جميع الأغذية الأميركية المستوردة إلى مصر حلال.

ويشير المدعون إلى أن السيناتور كان لديه الدافع لمساعدة حنا لأن الأخير كان يستخدم شركته الحلال لتحويل أموال الرشوة إليه.

وبعد الحصول على الحق الحصري، عاش حنا حياة الأثرياء، وكان المقر الرئيسي للشركة في إيدجووتر بولاية نيوجيروي، قريبا من شقة حنا الفاخرة الجديدة المطلة على نهر هدسون في مبنى تملكه عائلة دعيبس.

وأصبح لدى الرجل، الذي كان قد فقد منزله للتو، ما يكفي من المال لمساعدة أصدقائه في سداد قروضهم العقارية. 

وفي يوليو 2019، قال ممثلو الادعاء، إن حنا استخدم شركته  لدفع حوالي 23 ألف دولار لمساعدة نادين في تجاوز خطر حجز منزلها بسبب تخلفها عن سداد أقساط الرهن العقاري.

ولكن سرعان ما اكتشف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمر، وفي نوفمبر 2019، فتش عملاء فيدراليون منزل حنا ومكتبه، وصادروا أجهزة إلكترونية وأوراقا.

وخلال التفتيش، سأل العملاء حنا عن اتصالاته في مصر، بما في ذلك مع أحد موظفي السفارة. 

وقال ممثلو الادعاء في وقت لاحق إن العملاء اكتشفوا أيضا أن الهاتف المحمول الخاص بحنا يحتوي على آلاف الرسائل النصية مع نادين مينينديز.

ومع ازدهار أعماله، قال ممثلو الادعاء، إن حنا حاول استرضاء نادين. وفي يونيو 2021، اشترى 22 سبيكة ذهبية تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 40 ألف دولار. 

ومع التوسع السريع في أعماله، سافر بشكل متكرر وفتح مكاتب في أوروغواي والهند والبرازيل ومصر ونيوزيلندا. وتظهر صور منشورة على الإنترنت اجتماعه بسفراء وشخصيات رفيعة المستوى من جميع أنحاء العالم لمناقشة صفقات تجارية مع مصر.

في العام الماضي، ترك حنا انطباعا "لا يُنسى" لدى أحد الدبلوماسيين الغربيين السابقين في القاهرة. وقال الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن حنا كان شخصية كبيرة لدرجة أنه كتب عنه في مذكراته، وقال إنه "كان يرتدي بدلة باهظة الثمن وساعة رولكس ذهبية، وخواتم ذهبية".

وأضاف: "عندما تناولنا غداءنا الثاني، أمضى حوالي 20 دقيقة يحدثني عن مجموعته من ساعات رولكس".

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".