مات غيتز كان أبرز الجمهوريين الذين أطاحوا بكيفن مكارثي
مات غيتز كان أبرز الجمهوريين الذين أطاحوا بكيفن مكارثي

قاد 8 من النواب الجمهوريين في الكونغرس الأميركي، بالتعاون مع الديمقراطيين، عملية الإطاحة برئيس مجلس النواب، كيفن مكارثي، الثلاثاء، في سابقة تاريخية بالولايات المتحدة.

وصوّت مجلس النواب لصالح إقالة مكارثي من منصبه، إثر خلافات بينه وبين جمهوريين، بعد أيام فقط من تفاديه بصعوبة إغلاق الحكومة.

وجاء التصويت بواقع 216 مقابل 210 لصالح إقالة مكارثي. وقال الأخير بعد إقالته إنه لن يترشح مجددا للمنصب.

وأضاف: "ناضلت من أجل ما أؤمن به وأعتقد أن بوسعي مواصلة القتال، لكن ربما بطريقة مختلفة".

ومن المقرر أن ينتخب مجلس النواب رئيسا جديدا، لكنه سيظل بلا قيادة لمدة أسبوع على الأقل، في وقت أعلن فيه عدد من الجمهوريين اعتزامهم الاجتماع، الثلاثاء المقبل، لمناقشة المرشحين المحتملين لخلافة مكارثي، مع تحديد موعد التصويت لاختيار الرئيس الجديد للمجلس في 11 أكتوبر الجاري.

من هم الجمهوريون الثمانية؟

يسيطر الجمهوريون على أغلبية مجلس النواب، لكن بأغلبية بسيطة بواقع 221 مقعدا مقابل 212، مما يعني أن فقدان عدد محدود من الأصوات في أي عملية تصويت، سيجعل الديمقراطيين، حال اتحادهم، يتفوقون.

مات غيتز

قاد "التمرد" الجمهوري النائب مات غيتز، وهو جمهوري يميني عن ولاية فلوريدا، وخصم لمكارثي كان يتهمه بعدم بذل ما يكفي من جهد لخفض الإنفاق الاتحادي.

وقال غيتز (41 عاما)، عقب التصويت: "كيفن مكارثي.. وصل إلى السلطة من خلال جمع أموال منافع خاصة، وإعادة توزيع تلك الأموال مقابل خدمات"، وفق ما ذكرت وكالة رويترز.

وغيتز رجل أعمال يمثل دائرة الكونغرس الأولى في فلوريدا منذ عام 2017، ويعرف عنه تبنى سياسات يمينية، وأنه حليف للرئيس السابق دونالد ترامب.

وخضع النائب من قبل لعملية تحقيق تتعلق باتهامات بممارسة الجنس مع قاصر وتجارة الجنس في عام 2020، لكن انتهى المطاف بوزارة العدل، بعدم توجيه اتهامات له.

آندي بيغز

يمثل النائب آندي بيغز ولاية أريزونا، ويترأس "تجمع الحرية" اليميني، الذي صوت نوابه لصالح عزل مكارثي.

دعم بيغز بشدة الإطاحة بمكارثي، وكتب عبر حسابه على منصة "إكس"، الثلاثاء: "أدعم الإطاحة بمكارثي، لقد فشل في إظهار نفسه كقائد يمكنه تغيير الوضع الراهن. لقد تخلى عن الكثير من الوعود التي قطعها على نفسه في يناير، ولم يعد محل ثقة".

كين بوك

يمثل النائب كينيث روبرت بوك، ولاية كولورادو في الكونغرس منذ عام 2015.

لديه خلاف كبير مع مكارثي بسبب اتفاق سقف الدين السابق، الذي توصل إليه رئيس مجلس النواب السابق مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

وكتب في مقال رأي بصحيفة واشنطن تايمز الأميركية، في أبريل الماضي، أن "الاتفاق لن يحل أزمة الإنفاق في البلاد، وأن تلك الخطة لو كانت أفضل ما يقدمه الجمهوريون، فعلينا أن نغفر للأميركيين سؤالهم عن جدوى وجود أغلبية جمهورية في مجلس النواب".

تيم بورشيت

هو نائب في الكونغرس عن ولاية تينيسي منذ عام 2019، واعتبر أن موقفه من الإطاحة بمكارثي كان "قرارا صعبا".

وقال في بيان عقب التصويت: "كان قرار صعبًا. قمت بالتصويت لصالح تعيين مكارثي كرئيس لمجلس النواب في يناير واعتبرته صديقا"، مضيفًا أن التصويت لصالح عزل مكارثي كان "لاعتقاده أنه الأفضل للشعب الأميركي".

وتابع: "نحتاج قيادة قادرة حقا على اتخاذ قرار حقيقي لمواجهة الأزمة المالية الخطيرة التي تواجه البلاد، وتتحرك بنا نحو اتجاه أفضل".

إيلي كرين

يمثل كرين ولاية أريزونا بعد انتصاره في الانتخابات الماضية، وخدم بالبحرية الأميركية.

لم يصوت لصالح اختيار مكارثي بالأساس كرئيس لمجلس النواب، وكان من المعارضين لخطة سقف الدين بين مكارثي وبايدن.

وكتب في أعقاب التصويت لصالح عزل مكارثي: "لقد ترشحت للكونغرس من أجل ضمان عدم تهميش أصوات الناس.. نحتاج إلى تغيير الطريقة غير الفعالة وغير النزيهة التي نعمل بها. مستعد لدعم أي مرشح لمنصب رئيس مجلس النواب يقبل بذلك".

بوب غود

يمثل بوب غود ولاية فيرجينيا منذ يناير 2021، وكان من بين 71 جمهوريا معارضا لاتفاق سقف الدين بين مكارثي وبايدن.

وكتب عبر حسابه على "إكس"، الثلاثاء: "يحتاج الشعب الأميركي إلى رئيس مجلس نواب يقاتل من أجل الحفاظ على الوعود التي قطعها الجمهوريون للحصول على الأغلبية، وليس إلى شخص يعقد صفقات غير مسؤولة تجذب أصوات ديمقراطية أكثر منها جمهورية".

 

نانسي ميس

النائبة الجمهورية عن ولاية ساوث كارولينا والتي تشغل المنصب منذ يناير 2021، كانت من بين النواب الجمهوريين الذين قضوا على آمال مكارثي بالحفاظ على منصبه.

وأكدت عبر حسابها على منصة "إكس"، الثلاثاء، أن تصويتها لصالح عزل رئيس مجلس النواب الجمهوري، "لم يكن متعلقا باليمين أو اليسار، أو الأيديولوجية، بل بالثقة والحفاظ على الوعود".

واعتبرت أن استمرار مكارثي "سيتسبب في استمرار الفوضى"، مضيفة: "نحتاج إلى بداية جديدة.. سأتعاون مع أي شخص قادر على تغيير الكونغرس وإعادتنا إلى طريق تقديم نتائج للشعب".

 

مات روزندال

هو نائب عن ولاية مونتانا منذ يناير 2021، وكان من بين المصوتين ضد اتفاق سقف الدين بين مكارثي وبايدن.

وهاجم مكارثي بشدة قبل التصويت بعزله، وكتب: "للأسف، أخلف مكارثي بوعده للشعب الأميركي والجمهوريين بالعمل ضدهم بشكل متكرر، ودعم اليسار".

وتابع: "هذه القيادة الفاشلة جعلتني أقرر دعم خطط عزله".

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".