رئيس مجلس النواب الأميركي الجديد مايك جونسون
جونسون أصبح الرئيس الـ56 لمجلس النواب الأميركي

انتخب الجمهوريون، الأربعاء، مايك جونسون رئيسا لمجلس النواب الأميركي، ليضعوا أخيرا حدا لخلافات في صفوف الحزب، استمرت أسابيع وأحدثت شللا في الكونغرس في ظل فترة تشهد أزمات دولية وقضايا داخلية.

ونال جونسون النائب عن لويزيانا إجماع الحزب الجمهوري للحصول على المنصب، ليؤدي بعد ذلك اليمين الدستورية في مبنى الكابيتول بالعاصمة واشنطن، وبذلك أصبح الرئيس الـ56 لمجلس النواب الأميركي.

ونجح جونسون في الحصول على أصوات 220 نائبا مقابل 209 صوتوا ضده، فيما غاب بعض الأعضاء عن التصويت.

ولد جونسون، في 30 يناير عام 1972، في شريفبورت بولاية لويزيانا، وهو الأكبر بين أربعة أشقاء. متزوج من كيلي جونسون منذ عام 1999 ولديهما أربعة أطفال.

درس في مدرسة كابتن شريف الثانوية، وتخرج من جامعة ولاية لويزيانا في عام 1995 بشهادة في إدارة الأعمال، ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون من  مركز بول إم هربرت للقانون،  في عام 1998.

أمضى جونسون ما يقرب من 20 عاما في ممارسة القانون الدستوري، حيث كان شريكا في مكتب "كيتشنز" للمحاماة ومحاميا بارزا ومتحدثا إعلاميا لصالح "التحالف من أجل الدفاع عن الحرية"، بحسب موقع "أكسيوس".

يعتبر جونسون حليفا للرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وفقاً لـ "أكسيوس"، حيث قاد الجهود القانونية الرامية لتغيير نتيجة انتخابات عام 2020.

كذلك في 19 مايو 2021، صوت جونسون وسبعة من قادة الجمهوريين في مجلس النواب ضد تأسيس لجنة وطنية للتحقيق في أحداث السادس من يناير 2021، حيث تم اقتحام الكابيتول الأمريكي.

وفي تصريحات أدلى بها ترامب، الأربعاء، قال عن جونسون: "أعتقد أنه سيكون رئيسا رائعا لمجلس النواب"، مضيفا أنه لم يسمع "تعليقا سلبيا واحدا عنه، الجميع يحبه".

وعن انتخابه قال ترامب إنه لا يؤيد جونسون "من الناحية الفنية"، ولكنه اقترح أن يتم انتخابه عبر منصة "تروث"، حيث قال: "اقتراحي القوي هو الذهاب مع المرشح الرئيسي، مايك جونسون، وإنجاز الأمر بسرعة".

وقبل انضمامه للكونغرس، خدم مايك جونسون في مجلس النواب التابع لولاية لويزيانا، من فبراير عام 2015 إلى يناير عام 2017، حيث خلف جيف آر. تومسون بعد استقالته.

عام 2016، استقال بدوره من الهيئة التشريعية في لويزيانا، لتولي مقعده في مجلس النواب الأميركي بعد فوزه ممثلاً عن الولاية التي تضم ما يقرب من 760 ألف نسمة.

عام 2018، فاز جونسون بولايته الثانية في مجلس النواب الأميركي بحصوله على أكثر من 139 ألف صوت. كذلك فاز عام 2020، بولايته الثالثة في المجلس بحصوله على أكثر من 185 ألف صوت.

وفي عام 2022، ترشح جونسون دون منافس وفاز بإعادة الانتخاب، ويقضي حاليا ولايته الرابعة في المجلس. وبات جونسون أول رئيس لمجلس النواب الأميركي من ولاية لويزيانا.

وهو حاليًا عضو في اللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي وفي اللجنة الفرعية المختارة المعنية بتسليح الحكومة الفيدرالية.

يحمل جونسون، الرئيس رقم 56 لمجلس النواب الأمريكي، أقل فترة ولاية بين جميع رؤساء المجلس في 140 عاما، مع أقل من سبع سنوات في منصبه، فيما كان سلفه كيفن مكارثي عضوا في مجلس النواب لمدة 16 عاما قبل انتخابه رئيسا له، وكانت نانسي بيلوسي تتمتع بخبرة بلغت 20 عاما، وخدم بول رايان لمدة 16 عاما، وكان لدى جون بوينر 20 عاما قبل أن يصعد إلى رئاسة مجلس النواب.

ورغم أنه لم يحظ بظهور كبير نسبيا، من المعروف عن جونسون نشاطه في الحزب الجمهوري، ومواقفه المحافظة دينيا، بحسب "نيويورك تايمز"، والتي يعبر عنها في بودكاست ديني يستضيفه مع زوجته.

عارض جونسون التشريع الذي يفرض الاعتراف الفيدرالي بزواج المثليين. وهو مشروع تم إقراره بدعم قوي من الحزبين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، وقع عليه الرئيس الأميركي، جو بايدن، ليصبح قانونا نافذا، في عام 2022.

وقد عارض منذ فترة طويلة إرسال المساعدات إلى أوكرانيا، بحسب "نيويورك تايمز".

يجاهر في تصويته ومواقفه بمعارضته للإجهاض القانوني، وحصل على تصنيف "A+" من مؤسسة Susan B. Anthony Pro-Life America المناهضة للإجهاض، وسبق له أن ناضل من أجل إغلاق عيادة الإجهاض في "باتون روج" وفقاً لتقرير "نيويورك تايمز".

قام جونسون بتأليف تشريع يسمى قانون وقف إضفاء الطابع الجنسي على الأطفال لعام 2022، والذي "يحظر استخدام الأموال الفيدرالية لتطوير أو تنفيذ أو تسهيل أو تمويل أي برنامج أو حدث أو أدب موجه جنسيا للأطفال دون سن العاشرة".

كما شارك أيضا في رعاية التشريع الذي أصدرته النائبة مارجوري تايلور غرين، الجمهورية عن ولاية جورجيا، والذي يسمى قانون "حماية براءة الأطفال"، والذي من شأنه أن يجعل تقديم رعاية تؤكد النوع الاجتماعي للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما جريمة.

ويحمل جونسون نظرية حول كيفية التعامل مع الموعد النهائي، في 17 نوفمبر، للتوصل لقرار بشأن الإنفاق الحكومةي، بحسب "إن بي سي نيوز" ففي رسالة بتاريخ 23 أكتوبر، شاركتها النائبة الجمهورية عن ولاية وايومنغ، هارييت هاغمان، اقترح جونسون مشروع قانون تمويل قصير الأجل آخر حتى 15 يناير أو 15 أبريل، وفق ما ذكرته الشبكة الأميركية.

وما لم يوافق أعضاء الكونغرس على الميزانية الفيدرالية لعام 2024 بحلول 17 نوفمبر فإن الإدارة الفيدرالية ستكون مشلولة مع مئات آلاف العمال الذي سيذهبون إلى منازلهم مؤقتا بدون رواتب.

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".