بايدن التقى قادة في الجالية المسلمة في البيت الأبيض خلال عيد الفطر الماضي
بايدن التقى قادة في الجالية المسلمة في البيت الأبيض خلال عيد الفطر الماضي

يعبر ناشطون في الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة عن غضبهم حيال موقف إدارة الرئيس الديمقراطي، جو بايدن، من الحرب الدائرة بين إسرائيل وغزة.

وقال ناشطان ومسؤول في الحزب الديمقراطي لموقع "الحرة" إنهم يشعرون بـ"خيبة الأمل" إزاء عدم تحرك الإدارة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة في أعقاب الغارات الإسرائيلية المكثفة التي أودت بحياة نحو 8700 شخص حتى الآن، بعد هجوم حماس على إسرائيل الذي أسفر عن مقتل 1400 شخص في 7 أكتوبر الماضي.

وقال محمد الحمداني، رئيس الحزب الديمقراطي في مقاطعة مونتغومري بولاية أوهايو: "أشعر بخيبة الأمل بسبب الأحداث الجارية حاليا في غزة، وإزاء رد الإدارة والخطاب السياسي الحالي للبيت الأبيض".

وفي تصريحاته لموقع "الحرة"، قال ديفيد وورن، رئيس مؤسسة "عرب أميركا": "لم نر شيئا بهذا السوء من قبل" في إشارة إلى عدم تحرك الإدارة لإنهاء الحرب.

وأثار تعليق بايدن بأنه "ليس لديه ثقة" في عدد القتلى المدنيين الذي قدمه الفلسطينيون حفيظة بعض قادة المجتمع المحلي، ووصفت جماعات مدافعة عن العرب والمسلمين هذه التصريحات بأنها خطيرة وهددوا بمقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة، وحتى البعض من داخل الحزب نفسه، مثل الحمداني، ذي الأصول العراقية الذي انتخب العام الماضي لقيادة الحزب الديمقراطي في مقاطعة مونتغومري.

ويخشى الحمداني أن يؤدي رد الإدارة إلى "تنفير عدة أشخاص من الجالية الإسلامية والعربية بالولايات المتحدة، الذين كانوا مفتاحا لفوز بايدن في ولايات مثل ميشيغان في عام 2020".

ويقول الناشط العربي في مدينة دايتون بولاية أوهايو، يوسف الزين، إنه لا ينسى تصريح بايدن بأنه "صهيوني".

ويشير إلى أن الحرب الدائرة في غزة هي الرابعة خلال وجود بايدن في الإدارة سواء عندما كان نائبا للرئيس أو رئيسا، وخلال تلك الفترة "لم يفعل شيئا لمساندة غزة".

ويرى وورن، الذي يميل إلى الديمقراطيين إيديولوجيا، إن بايدن حاول تصحيح خطاباته لاحقا لكنها لا تزال "لا تصل إلى الحد الأدنى الذي يرضي الجالية العربية".

ويشير الزين، وهو من أصول لبنانية، إلى أن بايدن "وعد قبل الانتخابات بأنه سيكون عادلا مع الفلسطينيين ويحترم حقوقهم الإنسانية، لكن لم يتغير شيء".

ويؤكد الحمداني أنه "لا يشكك في حق إسرائيل في الوجود أو الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب الذي تمارسه حماس. ولا أحد منا يدافع عن تصرفات حماس الشريرة وغير الأخلاقية والبغيضة، والتي لا تمثل القيم الإسلامية بأي حال من الأحوال"، لكنه يشعر بالقلق من الخسائر الكبيرة في الأرواح وعدم وصول المساعدات بشكل كاف وعدم دعوة الإدارة لوقف إطلاق النار، و"احتضان إدارة بايدن حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة والمعادية للديمقراطية والمتشددة".

ومع تصاعد مشاعر الغضب في أوساط الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة والشكاوى من زيادة حوادث الكراهية، عقدت إدارة الرئيس الأميركي اجتماعات مع قادة عرب ومسلمين، وفق رويترز وصحيفة وول ستريت جورنال وواشنطن بوست.

اجتماع البيت الأبيض

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن بايدن استضاف اجتماعا في البيت الأبيض مع عدد من قادة المجتمع المسلمين. وتشير رويترز إلى أنه رغم إعلانه تأييد إسرائيل، عين بايدن عددا من الأميركيين العرب والمسلمين في مناصب سياسية أكثر من سلفه، دونالد ترامب.

وأوضحت واشنطن بوست أن ناشطين مسلمين دعوا المشاركين في اجتماع بالبيت الأبيض إلى ربط الحضور بأن يقر بايدن بعدد القتلى الفلسطينيين، لكن الاجتماع عقد في نهاية المطاف دون هذا الشرط.

وفي اجتماع آخر حضره نحو 70 شخصا، وفق الصحيفة، وضم مسؤولين من جميع قطاعات الحكومة الأميركية، بما في ذلك وكالات الاستخبارات، ووزارة الخارجية، ووزارة الأمن الداخلي، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تحدث مشاركون، وبعضهم كان يبكي، عن أفراد أسرهم المعرضين للخطر في الشرق الأوسط، وعن شعورهم بالعزلة والخوف.

وقال أحد المطلعين على الاجتماع: "إنهم يشعرون وكأنهم يخضعون للرقابة، ويشعرون بأنهم غير موثوق بهم". وكان رد المسؤولين كما لخصه أحد الحاضرين: "نحن نسمعكم. نحن معكم".

ومنذ بدء الحرب، تحدثت عدة تقارير عن حوادث معاداة للسامية وأخرى مرتبطة بالإسلاموفوبيا، وتهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي ومعلومات مغلوطة عن الصراع. وعلى سبيل المثال، أكدت شركة "ميتا" المالكة لفيسبوك وإنستغرام أنها "في الأيام الثلاثة التالية للهجوم الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر، أزالت أو أضافت علامة تميز المحتوى المقلق على أكثر من 795 ألف منشور باللغتين العربية والعبرية".

وتحدث "المركز العربي - واشنطن دي سي" عن زيادة المحتوى المعادي للسامية الذي ينشر نظريات المؤامرة ويبرر العنف ضد الشعب اليهودي في جميع أنحاء العالم، وكذلك الدعوات لقتل الفلسطينيين.

وهزت حادثة مقتل الطفل الأميركي من أصول فلسطينية، وديع الفيومي، في شيكاغو، المجتمع الأميركي، وهي جريمة ربطتها الشرطة بالحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس.

هل يتغير الموقف؟

وفي إجابته على سؤال لواشنطن بوست بشأن تغير نهج بايدن، أشار  شخص حضر اجتماع البيت الأبيض إلى المؤتمر الصحفي الذي عقد في 20 أكتوبر، والذي كرر فيه الرئيس دعم الولايات المتحدة لحق تقرير المصير للفلسطينيين، وقال بايدن حينها: “لا يمكننا أن نتجاهل إنسانية الفلسطينيين الأبرياء الذين يريدون فقط العيش في سلام والحصول على فرص".

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، روبين باترسون، إن الإدارة "تواصل الاستماع مباشرة إلى أفراد من الجاليات الأميركية المسلمة والعرب الأميركيين والفلسطينيين". وأضاف "سنواصل المشاركة في المحادثات مع هذه المجتمعات المهمة وسنكون واضحين في إدانة الكراهية والتمييز ضدهم".

ويرى الزين، في تصريحاته لموقع "الحرة"، أنه لا يتوقع أن يتراجع بايدن عن موقفه، بينما قال وورن إن العديد من"العرب الأميركيين من جميع القوميات، وليس الفلسطينيين فقط، عبروا له عبر مؤسسته عن خيبة أملهم من تصريحات الرئيس".

وقال: "الجو العام الآن ملتهب جدا، والمجتمع غاضب، والأبرياء يموتون كل يوم في غزة، ولا وقف لإطلاق النار، وليس هناك محاولة للتوسط في حل المشكلة".

ويرى وورن أن الإدارة بحاجة إلى "اتباع نهج أكثر عدلا في هذه الأزمة، فالطريقة الحالية هي فقط أحادية الجانب، وهو لم يتحدث بطريقة متوازنة، الكثير من العرب الأميركيين فقدوا ثقتهم به".

الانتخابات المقبلة

ويشرح روبرت باتيلو، المحلل الاستراتيجي للحزب الديمقراطي ومحامي الحقوق المدنية في تصريحات لموقع "الحرة" الموقف الانتخابي لبعض الديمقراطيين في ضوء الوضع الحالي.

ويقول باتيلو: "بالتأكيد حدث ضرر وبايدن ترشح للانتخابات من منطلق تحقيق حل الدولتين ومعالجة القضية الفلسطينية بطريقة أكثر توازنا مما رأيناه من الإدارات السابقة".

ويضيف: "لم يكن نتانياهو صديقا للرئيس بايدن. ولم يكن صديقا للرئيس أوباما من قبله، لكن بسبب هجمات 7 أكتوبر اتخذ الرئيس بايدن موقفا قويا جدا داعما لإسرائيل مع إدراكه للأزمة الإنسانية الجارية حاليا في غزة".

ويوضح أنه "لم يفعل ما يكفي لتخفيف الأضرار التي لحقت بالسكان المدنيين، كما أنه لم يفعل ما يكفي لمحاسبة نتانياهو على توسيع أعماله العدائية، وهو ما جعل العديد من الأميركيين المسلمين والعرب يشعرون بالخيانة من بايدن والحزب الديمقراطي لعدم تحميل إسرائيل المسؤولية عن قصف مخيمات اللاجئين، والمستشفيات والنازحين".

ويقول المحلل: "سيتعين على الرئيس بايدن أن يفعل المزيد لتصحيح الأمور أمام المجتمع المسلم... وهذا الأمر سيحتاج إلى وقت لكن عليه أن يبدأ بوقف إطلاق النار".

ويرى وورن أن ما سيحدث في المستقبل "يعتمد على تصرفات الرئيس، وهو ما قد يغير مواقف العرب الأميركيين. لكن في الوقت الحالي، لا أعتقد سيغير مواقفه".

ويقول الزين: "خسر بايدن صوتي".

لكن الحمداني يأمل في أن يدعو قادة الحزب الديمقراطي على المستوى الوطني وإدارة بايدن إلى وقف فوري لإطلاق النار وزيادة دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأن تجدد الإدارة التزامها بحل الدولتين.

ويشعر بالتفاؤل إزاء أن يحدث هذا في الوقت المناسب، قبل انتخابات عام 2024، مؤكدا تصميم الديمقراطيين على هزيمة ترامب مرة أخرى".

وتقول مايا بيري، الناشطة في مجال الحقوق المدنية والمديرة التنفيذية للمعهد العربي الأميركي لواشنطن بوست، إن تصريحات بايدن لن تنسى من قبل الناخبين العرب الأميركيين، والأميركيين الفلسطينيين، وبعض الناخبين الشباب، وسيكون لها انعكاسات  على انتخابات 2024.

وكانت وكالة رويترز قد أفادت بإطلاق منظمة إسلامية حملة لحجب التبرعات والأصوات لصالح إعادة انتخاب بايدن عام 2024 ما لم يتخذ خطوات فورية لوقف إطلاق النار في غزة.

ودعا "المجلس الوطني الديمقراطي الإسلامي"، الذي يضم قادة في الحزب الديمقراطي في الولايات المتأرجحة، مثل ميشيغان وأوهايو وبنسلفانيا، بايدن إلى استخدام نفوذه لدى إسرائيل للتوسط في وقف إطلاق النار".

وقال جيلاني حسين، المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في مينيسوتا، إنه ليس أمامه خيار سوى التصويت ضد بايدن في عام 2024 ما لم يدعو إلى وقف الحرب.

وقال حسين إن حوالي 70 في المئة من الأميركيين المسلمين دعموا بايدن في عام 2020.

وعلى الرغم من مواقف الإدارة الأميركية، ثمة انقسام داخل الحزب الديمقراطي إزاء القضية، فالجناح اليساري في الحزب يرفض سياسات الإدارة الحالية، ويرى أنها انحازت بشكل تام إلى الحكومة الإسرائيلية المتحالفة مع اليمين، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.

وقال وليد شهيد، وهو خبير استراتيجي: "إذا كنت أميركيا عربيا، أو أميركيا مسلما، أو فلسطينيا، فإنك تشعر وكأنك غير مهم، وتشعر بأنك غير مرئي".

ونشرت النائبة الديمقراطية من أصول فلسطينية، رشيدة طليب، مقطع فيديو مدته 90 ثانية على "أكس" تدين فيه دعم بايدن لما أسمته "حملة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في فلسطين"، وأضافت النائبة عن ولاية مينيسوتا: "لا تعتمد على تصويتنا في 2024".

وأضاف شهيد أن الرئيس الذي يواجه صعوبات بالفعل لاستمالة الناخبين الشباب والأقليات "سيفقدهم تماما".

وأشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب مؤخرا إلى أن بايدن خسر 7 نقاط مئوية من الدعم بين الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما.

وفي استطلاع أجرته صحيفة وول ستريت جورنال/إبسوس في الفترة من 18 إلى 20 أكتوبر، قال 48 في المئة من الديمقراطيين إن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية دعم إسرائيل في الصراع، مقابل 53 في المئة من المستقلين و64 في المئة من الجمهوريين.

ويقول وورن إن أصوات العرب يمكن أن تكون حاسمة بالنسبة لبايدن في محاولة إعادة انتخابه لولاية ثانية، مشيرا إلى أن بايدن فاز بأصوات ميشيغان الانتخابية الـ16 في 2020، وهي ولاية تضم العديد من العرب الأميركيين، وخاصة الفلسطينيين، بهامش ضيق هو 2.6 في المئة.

وأوضح أن الأمر ذاته حدث في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، في سباق 2016، وحينها تمكن المرشح الديمقراطي، بيرني ساندرز، من الفوز بميشيغان بفضل أصوات هذه الجالية.

وتابع: "يمكن للمجتمع العربي الأميركي أن يحدث فرقا في ميشغان وأوهايو، وأماكن أخرى"، ويتوقع تأثر الحزب الديمقراطي بموقف هذه الجالية "إذا كانت نتائج الانتخابات متقاربة" أي المنافسة كبيرة بين المرشحين.

ويضيف "إذا اجتمع الفلسطينيون والأميركيون العرب والأشخاص المهتمون بحقوق الإنسان وأعلنوا أنهم يطالبون بتغييرات في السياسة، فسنرى تغييرا في تصرفات الإدارة".

لكن الزين يشكك في قدرة المجتمع العربي على التوحد والتحدث بصوت واحد.

ويرى أنه لا يبنغي مقاطعة الانتخابات المقبلة، بل المشاركة والتصويت لمرشح آخر. ويقول إن البعض قرروا بالفعل التصويت لترامب لو ترشح، وآخرين قرروا التصويت للمستقلين. ويقول إنه ستنظم انتخابات في أوهايو، يوم 7 نوفمبر، وقد قرر عديدون من الجالية العربية والمسلمة مقاطعتها "لكن سيكون ذلك أكبر خطأ لأن صوتنا هو الطريقة الوحيدة التي تجبر السياسيين على تغيير مواقفهم".

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".