US Secretary of State Antony Blinken looks on as protestors hold their hands in the air during a Senate Appropriations…
بلينكن خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ، بينما في الخلفية يرفع متظاهرون أيديهم في الهواء احتجاجا على الموقف الأميركي من الحرب على غزة

يشعر دبلوماسيون أميركيون في وزارة الخارجية بـ "الغضب والصدمة واليأس غير المعلن، بسبب ما اعتبروه بمثابة شيك على بياض منحته واشنطن لإسرائيل"، في حربها ضد حماس، والتي تشهد قصفا عنيفا للمدنيين والأحياء السكنية في القطاع، أوقع عددا كبيرا من القتلى في صفوف المدنيين، وفق ما كشف تقرير لمجلة فورين بوليسي.

هذا الوضع، دفع الوزير، أنتوني بلينكن، إلى إرسال رسالة مطولة إلى موظفي السلك الدبلوماسي الأميركي طالبا منهم  "توسيع مساحة النقاش والمعارضة، لجعل سياساتنا ومؤسستنا أفضل".

وأشار بلينكن، في رسالته بتاريخ 20 أكتوبر، والتي اطلعت فورين بوليسي على نسخة منها، إلى مدى "صعوبة" الأزمة الحالية بالنسبة لموظفي وزارة الخارجية، وكرر دعواته ودعوات الرئيس، جو بايدن، لإسرائيل لـ "احترام سيادة القانون والمعايير الإنسانية الدولية"، مؤكدا في الوقت نفسه "دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في أعقاب الهجوم الضخم الذي شنه مسلحو حماس يوم 7 أكتوبر".

منازل مدمرة بمخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة في 1 نوفمبر 2023

وأكدت رسالة بلينكن أن إدارة بايدن "ترحب بالمعارضة الداخلية" من خلال القنوات المناسبة. "نحن نفهم، ونتوقع ونقدر، أن الأشخاص المختلفين الذين يعملون في هذا القسم لديهم معتقدات سياسية مختلفة، ولديهم معتقدات شخصية مختلفة، ولديهم معتقدات مختلفة حول ما ينبغي أن تكون عليه سياسة الولايات المتحدة". 

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية، ماثيو ميلر، علق على الأمر بالقول: "نعتقد أن هذه إحدى نقاط القوة لدى هذه الحكومة" الأميركية.

"عاصفة متصاعدة"

وبينما كان بلينكن منشغلا بالتنقل بين عواصم الشرق الأوسط، في جولات ماراثونية لمعالجة الأزمة الإقليمية الهائلة التي أثارتها الحرب بين إسرائيل وحماس، كانت "عاصفة متصاعدة" من المعارضة تتنامى في السلك الدبلوماسي الأميركي.

ويقول تقرير فورين بوليسي إن "الغضب" في أوساط السلك الدبلوماسي الأميركي، توسع ليشمل موظفين في مجلس الأمن القومي، ووكالات أخرى، حيث تحول الأمر إلى "موجة معارضة شديدة" لنهج بايدن الأولي تجاه الحرب، ما وضع كبار موظفي الإدارة في موقف دفاعي في الخارج والداخل.

دبابات إسرائيلية دخلت قطاع غزة

وما يزيد المسألة تعقيدا، أن اعتراضات موظفين في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي والوكالات الأخرى، التي كشف عنها أكثر من 10 مسؤولين حاليين وسابقين في مقابلات مع مجلة فورين بوليسي، تتزامن مع رد فعل عنيف حاد ضد سياسات بايدن خارج واشنطن وبين الديمقراطيين التقدميين والناخبين الأميركيين العرب. 

فقد كشف استطلاع جديد أن نحو 59 بالمئة من الأميركيين العرب كانوا يدعمون بايدن في عام 2020، لكن هذا الدعم في سباق الرئاسة المقبل 2024 انخفض إلى 17 بالمئة.

وأشار تقرير المجلة إلى أن تصاعد المعارضة الداخلية بشأن سياسات أميركا تجاه الحرب في غزة، تشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه فترة بلينكن في وزارة الخارجية حتى الآن، حسبما يؤكد بعض المسؤولين الحاليين والسابقين.

ونقلت المجلة عن، آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والخبير السابق في وزارة الخارجية لشؤون المفاوضات العربية الإسرائيلية أنه "خلال 25 عاما من العمل في وزارة الخارجية، لم أر شيئا كهذا من قبل". 

"تغيير النهج"

ومع تصاعد الخسائر الإنسانية الناجمة عن الضربات الإسرائيلية والعمليات العسكرية في غزة الأسبوع الماضي، غيرت إدارة بايدن نهجها، وحثت إسرائيل علنا وسرا على اتخاذ المزيد من الخطوات لتخفيف المعاناة الإنسانية وإعادة فتح وصول غزة إلى المياه والوقود والإمدادات. والإمدادات الإنسانية، وفق المجلة.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تصر على تنفيذ خطط دعم لإسرائيل في مواجهة حماس، عبر شحن الأسلحة وإرسال خبراء عسكريين، وتسيير حاملتي طائرات إلى المنطقة، إلا أن  بلينكن، الذي أدلى بشهادته أمام مجلس الشيوخ، الثلاثاء، دعا إلى "هدنات إنسانية قصيرة" للسماح بوصول إمدادات الإغاثة الإنسانية إلى غزة.

معارضون لدعم أميركا لإسرائيل في حربها على غزة يحتجون خلال جلسة استماع لبلينكن في مجلس الشيوخ الأميركي

وأدت مشاهد الجثث المتناثرة في أروقة مستشفيات قطاع غزة، وخاصة الضحايا الأطفال والنساء، وتدمير المنازل بشكل عشوائي إلى تغيير السياسة الأميركية التي باتت تركز أكثر على أولويات إنسانية.

وقد أعرب مسؤولو الإدارة الأميركية بشكل خاص عن مخاوفهم العميقة بشأن الكيفية التي أدت بها حملة القصف والغارات الإسرائيلية على غزة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وارتفاع عدد القتلى المدنيين، ونجح المسؤولون الأميركيون في الضغط على إسرائيل لاستئناف إمدادات المياه إلى غزة، وفي المجلة.

معارضة "مشتعلة"

وقال مسؤولون حاليون وسابقون إنه من الصعب تحديد إلى أي مدى ساعدت ردود الفعل العنيفة بين الدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين، إن وجدت، بما في ذلك من خلال قنوات المعارضة الرسمية، في تشكيل هذا التغيير في اللهجة الأميركية تجاه إسرائيل، وفق تقرير فورين بوليسي.

لكن المجلة تشير إلى أن  المعارضة "لا تزال مشتعلة وستختبر رد إدارة بايدن على المزيد من التقلبات في الصراع، المزيد من الاعتراضات الداخلية من صناع السياسات على كل المستويات في الأسابيع المقبلة، يمكن أن تغير حسابات الدولة الوحيدة التي لا يزال بإمكانها تخفيف نهج إسرائيل في الحرب".

وتشير المجلة إلى أن أروقة وزارة الخارجية الأميركية شهدت المعارضة أكثر حدة في الأسبوعين الأولين من الحرب الإسرائيلية على غزة، عندما تمسك بايدن بنهجه المتمثل في تقديم الدعم غير المقيد لإسرائيل.

ونقلت المجلة عن، جوش بول، المسؤول المخضرم في وزارة الخارجية الذي عمل في مجال نقل الأسلحة، واستقال في 18 أكتوبر احتجاجا على سياسات الإدارة بأنه "لا يوجد مجال لأي نقاش".

بايدن زار إسرائيل وأكد على دعم واشنطن لحرب إسرائيل على حماس

وأضاف أن "التعليقات التي سمعتها من الآخرين داخل القسم أنهم عندما حاولوا إثارة هذه القضايا، كان الناس سعداء بالحديث عن مشاعرهم الشخصية أو انزعاجهم، ولكن بمجرد الدخول في أي مناقشات سياسية صعبة، يقال لهم: هذا يأتي من الأعلى".

وقد اعترض مسؤولو الإدارة الأميركية بشدة على هذا التوصيف، وقالوا إن الإدارة ظلت ثابتة في دعوة إسرائيل إلى الالتزام بكل القانون الدولي أثناء دفاعها عن نفسها.

ويقول آخرون إن السلك الدبلوماسي الأميركي كان منزعجا من اندفاع بايدن لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في غزة بدلا من العمليات الأكثر دقة واستهدافا للقضاء على قيادة حماس إلى جانب الجهود الدبلوماسية لحشد الدعم لإسرائيل.

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".