Republican National Convention, in Milwaukee
المؤتمر الوطني الجمهوري في ميلووكي

لفتت أجندة الحزب الجمهوري لانتخابات 2024 الرئاسية الانتباه، فهي مختلفة عن سابقاتها لأنها مختصرة في 16 صفحة تكرر فيها اسم، دونالد ترامب، 19 مرة. وكتبت بعض عباراتها بالحروف الكبيرة.

في السابق، وتحديدا في انتخابات 2016، وضع الجمهوريون أجندة الحزب بأسلوب تقليدي، ولم يتغير نصها في انتخابات 2020، وكانت طويلة مكونة من 50 صفحة، ولم يرد فيها اسم ترامب أبدا.

وتقول تقارير إعلامية، حللت فحوى الوثيقة، إن المضمون يعكس رؤية ترامب تماما، كما أن الـ 20 وعدا التي تقدمها الأجندة للأميركيين، مكتوبة بحروف كبيرة تذكر الناخبين بصوت ترامب ونبرته في الخطابات والتغريدات.

البرنامج الانتخابي للجمهوريين يتخذ من شعار "اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى" مدخلا لمجموعة من الوعود التي تعكس سياسات ترامب

فماذا تحمل أجندة الجمهوريين؟

يقول تقرير لصحيفة واشنطن بوست إن مضمون أجندة الحزب الجمهوري لعام 2024، "يوحي كما لو كان ترامب قد أملاه". فكثير من الجمل الواردة هي إما إعادة صياغة أو اقتباس مباشر من خطابات ترامب أو منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي منذ أن بدأ حملته للترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة.

وتقول الصحيفة، التي وصفت ترامب بـ"المدمر للأعراف"، إن أجندة الجمهوريين تعكس كيف أعاد الرئيس السابق تشكيل الحزب الجمهوري وفق رؤيته، وصولا إلى لغة أجندته الانتخابية المكتوبة. 

وتكرس الأجندة رسميا بعض مقترحات ترامب "الأكثر عدوانية"، بما في ذلك تنفيذ عمليات ترحيل جماعية وإغلاق وزارة التعليم، وفرض قيود شاملة على الإجهاض، وفق نيويورك تايمز. 

وكتب أحد مساعدي ترامب السابقين جزءا كبيرا من برنامج الحزب الانتخابي، والذي راجعه ترامب، وأجرى عليه تعديلات لاحقا، وفقا لأشخاص مطلعين على العملية تحدثوا للصحيفة.

تقول تقارير إعلامية إن ترامب راجع وعدل البرنامج الانتخابي للجمهوري وهو ما يجعله مختلفا عن البرامج التقليدية السابقة للحزب

عشرون وعدا

قدمت أجندة الجمهوريين 20 وعدا يتعهد ترامب بتنفيذها بعد أن يفوز بالرئاسة لأربع سنوات مقبلة، وتعكس هذه الوعود مواقف الرئيس السابق تجاه عدد من القضايا الحساسة والجدلية بالنسبة للأميركيين.

قوة أميركا عالميا

تؤكد أجندة الجمهوريين على سياسات دفاعية وطنية قوية وعسكرية قوية، بما في ذلك تحديث الجيش عبر الاستثمار في التقنيات المتقدمة، والتأكد من أن الجيش مجهز جيدا.

كما أنها تركز على بناء التحالفات وتعزيز الشراكات الدولية لتعزيز الاستقرار العالمي ومواجهة التهديدات.

وتشدد وعود الجهوريين على الحاجة لأن تعيد الولايات المتحدة بناء قوتها على المستوى الدولي، وذلك من خلال "منع الحرب العالمية الثالثة، استعادة السلام في أوروبا والشرق الأوسط، وبناء درع صاروخي عظيم يغطي بلدنا بالكامل، كله مصنوع في أميركا".

ويرى الجمهوريون أنه يجب العمل من أجل "جعل أميركا المنتج المهيمن للطاقة في العالم بفارق كبير". إلى جانب "وقف الاستعانة بالمصادر الخارجية وتحويل الولايات المتحدة إلى قوة صناعية عظمى".

الهجرة والترحيل

الوعد الأول في أجندة الجمهوريين هو "إغلاق الحدود ووقف غزو المهاجرين"، وهو أهم ملف لدى ترامب، والوعد الثاني هو "تنفيذ أكبر عملية ترحيل في تاريخ أميركا"، وكان ترامب ألمح إلى هذا الإجراء أكثر من مرة.

وفي الوعد الـ10 تؤكد أجندة الجمهوريين على "وقف وباء الجريمة المرتبطة بالمهاجرين، وهدم كارتلات المخدرات الأجنبية، وسحق عنف العصابات، وسجن المجرمين العنيفين".

ويقول خبراء إن هذه الوعود تحمل "نبرة قاسية" وتشير إلى "تصعيد لهجة" ترامب تجاه ملف الهجرة وملف المقيمين بشكل غير شرعي في البلاد، وهو ما يثير أسئلة حول قدرة ترامب على تنفيذ وعوده التي ستتطلب إجراءات وأوامر تنفيذية قد تثير الجدل والانقسام حولها.

كما خصصت الأجندة الوعد الـ 18 للتأكيد على "ترحيل المتطرفين المؤيدين لحماس، وجعل جامعاتنا آمنة ووطنية مرة أخرى".

وهذا الوعد يرتبط بالاحتجاجات الشعبية العارمة التي شهدتها الجامعات الأميركية ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتي أوقعت عشرات آلاف القتلى الفلسطينيين غالبيتهم مدنيون، كرد على هجوم نفذته حركة حماس، المصنفة إرهابية في الولايات المحدة، والذي سقط فيه نحو 1200 قتيل، غالبيتهم مدنيون.

وتضمنت الأجندة التأكيد على مكافحة معاداة السامية، حيث "يدين الجمهوريون معاداة السامية، ويدعمون إلغاء تأشيرات الدخول للمواطنين الأجانب الذين يدعمون الإرهاب والجهادية".

ووعد الجمهوريون بـ "محاسبة أولئك الذين يرتكبون أعمال العنف ضد الشعب اليهودي".

وتعتبر الأعمال الإجرامية معادية للسامية عندما يتم اختيار أهداف الهجمات، سواء كانوا أشخاصا أو ممتلكات، مثل المباني والمدارس ودور العبادة والمقابر، لأنهم يهود أو يُعتقد أنهم يهود أو مرتبطون باليهود.

شهدت الجامعات الأميركية حركات احتجاج ضد حرب إسرائيل في غزة

وتعد قضايا الهجرة والحدود من الملفات التي اتخذ فيها ترامب خلال ولايته الأولى (2017-2020) قرارت تنفيذية وإجراءات أثارت الجدل والانقسام داخل البلاد. 

وأهم تلك الإجراءات، قرار تنفيذي بحظر السفر لأشخاص من دول ذات أغلبية إسلامية لمدة 90 يوما إلى الولايات المتحدة، مع بعض الاستثناءات. وتعليق إعادة توطين اللاجئين لمدة 120 يوما، وحظر اللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى. وهذا الأمر أثار خلافات بشأن تطبيقه في بعض الولايات.

وعد الجمهوريون بترحيل المهاجرين غير الشرعيين وتأمين الحدود وبناء الجدار

وتدعو أجندة الجمهوريين إلى فرض ضوابط صارمة على الهجرة وأمن الحدود لحماية السيادة الأميركية. وجعل ترامب من الهجرة محور حملته الانتخابية، وظلت لغته القاسية بشأن هذه القضية ظاهرة في أجندة انتخابات 2024. 

وتشير الأجندة إلى مصطلحات قاسية مثل "غزو" المهاجرين، وهو المصطلح الذي يستخدمه ترامب لوصف المعابر الحدودية في تكساس.

وقد نالت هذه القضية نصيبا من المناظرة الأولى التي جمعت ترامب وبايدن على شاشة سي أن أن الشهر  الماضي، حيث هاجم المرشح الجمهوري سياسات منافسه الديمقراطي بشأن الهجرة، وأتهمه بفتح الحدود.

كما أن الأجندة استخدمت عبارة "أكبر عملية ترحيل في التاريخ الأميركي"، وهو ما يدعو إليه ترامب في كل مناسبة، لكنه ترسخ بشكل رسمي في برنامج الجمهوريين ما يعني تبني الحزب لتوجهات ترامب بشكل كامل.

وكان برنامج الجمهوريين الانتخابي الذي تمت صياغته عام 2016 قد أكد أيضا على تطبيق صارم لقوانين الهجرة، ولكن اللغة التي استخدمت آنذاك كانت أكثر اعتدالا، حيث أشاد البرنامج بمساهمات المهاجرين في المجتمع الأميركي.

لكن في انتخابات 2024، يستخدم ترامب لغة أكثر قسوة في ملف الهجرة. وعلى الجانب الآخر، وصف بعض مسؤولي الهجرة الحاليين والسابقين، إلى جانب العديد من خبراء الهجرة، مقترحات ترامب بأنها "غير إنسانية ومشكوك فيها من الناحية القانونية ويكاد يكون من المستحيل تنفيذها على النطاق الذي يتخيله"، وفق واشنطن بوست.

وكرر ترامب ادعاءات بأن العديد من المهاجرين هم "سجناء سابقون" في بلدانهم الأصلية. لكن وسائل إعلام أميركية ذكرت أنه لا توجد بيانات تدعم فكرة أن ارتفاع عدد المهاجرين يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة. بل تشير البيانات الإحصائية تراجع جرائم العنف في الولايات المتحدة.

وكان ترامب يروج إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين منذ دخل السباق الرئاسي السابق لانتخابات 2016، ورغم أنه لم يذكر "عملية ويتابك" بشكل مباشر، إلا أنه تحدث عملية الترحيل التي حصلت في عهد الرئيس الأسبق، دوايت أيزنهاور.

وفي عام 1954، عمل مسؤولو الحدود مع سلطات إنفاذ القانون المحلية، على حد زعمهم، على اعتقال أكثر من مليون مواطن مكسيكي ونقلهم إلى الجانب المكسيكي من الحدود.

كما أكدت وعود أجندة الجمهوريين لانتخابات 2024 على هدف كان ترامب متمسكا به، وهو الانتهاء من أعمال بناء الجدار الحدودي مع المكسيك والتي بدأت في ولايته السابقة، لمنع العبور غير الشرعي إلى الأراضي الأميركية.

الاقتصاد

أكدت أجندة الجمهوريين على وعود كان ترامب يكررها دائما، أبرزها "إنهاء التضخم وجعل أميركا ميسورة التكلفة مرة أخرى". حيث يتهم ترامب والجمهوريون الحزب الديمقراطي وإدارة الرئيس، جو بايدن، بدعم السياسات والتشريعات التي تثقل كاهل الأميركيين وتسبب التضخم.

ويعد الجمهوريون بـ "تخفيضات ضريبية كبيرة للعمال وعدم فرض ضريبة على الإكراميات". إضافة إلى "إلغاء تفويض السيارات الكهربائية، وخفض اللوائح المكلفة والمزعجة".

ويركز الجمهوريون وترامب على ملفات الاقتصاد مستغلين تأثير التضخم على قرارات الناخب الأميركي، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار، وخاصة السكن.

ويقول خبراء أن ملفات الاقتصاد تحمل خبايا سلبية لبايدن، لأن مقاييس ثقة المستهلك لا تزال أقل من مستويات ما قبل وباء كورونا، وهو ما يعول عليه ترامب لاستمالة الناخبين لصالحه.

ارتفاع الأسعار من بعد كورونا تسبب في تأكل الدخل  في أميركا.

ويقول مراقبون اقتصاديون إن الانخفاض في مستويات ثقة المستهلك هو انعكاس لمشكلة التضخم، الذي جعل تكلفة المواد اليومية مثل البقالة أكثر بكثير مما كانت عليه قبل وباء كوفيد-19. وهذا الحال يجعل بايدن مسؤولا عن هذه الأعباء أمام شريحة كبيرة من الناخبين.

ويقول خبراء إن بايدن لا يمكنه الحديث عن "إنجازات" في الاقتصاد، وتجاهل كابوس الإسكان الذي يلاحق الأميركيين في السنوات الثلاث الماضية، حيث ارتفعت كلفة الإسكان بشكل يمنع الباحثين عن منازل من الشراء، كما أن هذا الوضع يجعل أصحاب المنازل الحاليين يشعرون بأنهم محاصرون في الخيارات المتاحة أمامهم.

ويعد ترامب الناخبين بتغيير هذا الوضع عبر تغيير السياسات الاقتصادية التي تنتهجها البلاد، وضبط التضخم، 

الحريات الأساسية

ووعدت أجندة الجمهوريين بالدفاع عن دستور أميركا والحريات الأساسية في البلاد، بما في ذلك حرية التعبير، وحرية الدين، وحق حمل السلاح.

وتثير قضايا الحريات الأسياسية في الولايات المتحدة، وخاصة الحق في حمل واقتناء السلاح، جدلا في الولايات المتحدة حيث يضغط الديمقراطيون من أجل تشريعات تضبط امتلاك السلاح وحمله بعد حوادث إطلاق نار استهدفت مدارس وأماكن تسوق وتجمعات عامة أدت إلى سقوط ضحايا، فيما يعارض الجمهوريون أي نهج يمكن أن يقيد حق الأميركيين الدستوري في حمل السلاح.

حوادث إطلاق النار شائعة في الولايات المتحدة (أرشيف)

كما لم تسقط وعود الجمهوريين مسألة  "تأمين انتخاباتنا، بما في ذلك التصويت في نفس اليوم، التعريف بالناخبين، البطاقات الورقية، وإثبات الجنسية"، وهي قضية أثارت الجدل منذ انتاخابات 2020، حيث اتهم ترامب الجهات المعنية بالتلاعب في نتيجة الانتخابات، والتي أدت إلى فوز منافسه الديمقراطي بايدن بالرئاسة.

قضايا العرق والجنس في التعليم

تعد أجندة الجمهوريين بـ "قطع التمويل الفيدرالي عن أي مدرسة تروج لنظرية العرق النقدية، والأيديولوجية الجندرية المتطرفة، وأي محتوى غير مناسب عرقيا وجنسيا أو سياسيا لأطفالنا".

وتبنى ترامب دعوات النشطاء المحافظين لفرض قيود مشددة على تدريس قضايا العرق والجنس في المدارس العامة.

وترسخت هذه الدعوات في برنامج الحزب. وهو خلاف ما كان عليه الحال في أجندة انتخابات 2016، التي لم تتضمن سوى مناقشة مختصرة حول النوع الاجتماعي والتوجه الجنسي في التعليم. 

ويصر الجمهوريون في الأجندة على تحسين التعليم في الولايات المتحدة عبر إجراء تغييرات مهمة تهدف إلى تمكين أولياء الأمور من تحسين جودة المدارس بما يشمل السماح للعائلات باختيار أفضل الضوابط التعليمية لأطفالهم. 

كما يتوجه ترامب والجمهوريون إلى القضاء على المحتوى غير المناسب في مناهج المدارس الحكومية. 

والملفت أن الأجندة تعد بشكل صريح بقطع التمويل الفيدرالي عن المدارس التي تروج لـ "نظرية العرق النقدية"، والأيديولوجيات المتطرفة المتعلقة بالجنسين.

و"نظرية العرق النقدية" هي مجموعة من الأفكار التي ترى أن التحيز العنصري متأصل في أجزاء كثيرة من المجتمع الغربي، وخاصة في مؤسساته القانونية والاجتماعية، على أساس أنها تم تصميمها وتنفيذها في المقام الأول من قبل الأشخاص البيض.

وكان ترامب قد حذر مرارا مما اعتبره نهجا لـ "إعادة تشكيل مدارسنا، ومجتمعنا بأكمله".

ورغم أن ترامب استخدم لغة قاسية أيضا بشأن ملف التعليم، إلأ أن الحكومة الفيدرالية تعلب دورا محدودا في مناهج المدارس العامة، مقارنة بإدارات التعليم الحكومية المحلية في الولايات. 

لكن تأثير ترامب بدا واضحا من خلال إصدار ولايات أميركية يسيطر عليها الجمهوريون مجموعة من قوانين، في السنوات الأخيرة، تقيد ما يمكن أن يقوله المعلمون حول الموضوعات الحساسة، بما في ذلك قضايا العرق والهوية الجنسية.

كما تظهر اتجاهات الجمهوريين المحافظة، والتي يدعمها ترامب، من خلال إطلاق وعد صريح بـ"منع الرجال من المشاركة في رياضات النساء".

الطاقة الأميركية

يركز الجمهوريون على أن زيادة الإنتاج من جميع مصادر الطاقة يساهم في خفض التكاليف وضمان استقلال الطاقة.

ومن خلال تسليط الأجندة الانتخابية الضوء على التضخم باعتباره أحد أكبر المشكلات التي يعاني منها الأميركيون، فإن الجمهوريين وترامب يدعون إلى تبني نهج يدعم إنتاج الطاقة المحلية كحل لخفض التكاليف.

لكن تراجع التضخم في الأشهر الأخيرة بعد أن وصل إلى أعلى مستوياته بسبب الوباء في عام 2022. وعلى وجه الخصوص، انخفاض أسعار الغاز والطاقة في يونيو، يقوض اقتراح ترامب بأن زيادة إنتاج الوقود الأحفوري ضروري للسيطرة على ارتفاع التكاليف.

صناعة الوقود الأحفوري تمثل معضلة بين الاقتصاد العالمي وأزمة المناخ (صورة تعبيرية)

الرعاية الصحية

تحدد أجندة الجمهوريين استراتيجيات لجعل الرعاية الصحية ميسورة التكلفة وحماية مزايا الضمان الاجتماعي. 

كما يشدد الجمهوريون على زيادة الشفافية والمنافسة لتقليل تكاليف الرعاية الصحية والأدوية الموصوفة.

إلى جانب أن الجمهوريون يعدون الناخبين بحماية الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، وضمان بقاء هذه البرامج قادرة على سداد ديونها من دون تخفيض المزايا التي تقدمها للمواطنين.

لافتة تشير إلى إحدى مراكز التأمين الصحية التي تقدم "أوباما كير"

في المحصلة، يقرأ الناخب عنوان الوثيقة "البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري لعام 2024: اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى!"، لكن هناك من يقول إن كل شيء تغير في الحزب الجمهوري، حتى أن برنامجه الانتخابي بات صوت ترامب وحده. 

"الحرة" تناضل من أجل البقاء
"الحرة" تناضل من أجل البقاء

في مبنى متقشف في سبرينغفيلد، في ولاية فرجينيا، فرغت مكاتب كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة، وأظلمت استوديوهات قناة "الحرة" - التي نقلت صوت الحقيقة لأكثر من عقدين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - إلا من بصيص أمل.

وبعد 22 عاما من الصحافة الناطقة بالعربية، الملتزمة بالقيم الأميركية، والموجهة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أجبرت شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) على تقليص حاد لبثها التلفزيوني والرقمي، ليس بسبب مواجهة اعتادت على خوضها مع أجهزة التضليل المنظم، والقوى الدعائية المعادية للولايات المتحدة، بل نتيجة خنق بيروقراطي داخلي.

وأعلنت MBN اليوم السبت عن تسريحات جماعية، تم فيها تقليص عدد الموظفين بشكل حاد وتقليص العمليات بشكل كبير. ووفقا لإدارتها، لم يكن هذا القرار خيارا بل إجبارا.

وقال الدكتور جيفري غدمين، الرئيس والمدير التنفيذي للشبكة، في بيان رسمي صدر السبت: 

"لم يُترك لنا أي خيار... وافق الكونغرس على تمويلنا في 14 مارس. لكن في اليوم التالي، تم تجميد هذا التمويل بشكل مفاجئ وغير قانوني من قبل ما يسمى بـ(وزارة الكفاءة الحكومية) وكاري ليك، المستشارة الخاصة للوكالة التي تشرف علينا".

يؤكد غدمين أن الوكالة الأميركية للإعلام الدولي (USAGM) هي المسؤولة المباشرة عن هذه الأزمة. ورغم أن التمويل تم تخصيصه رسميا من قبل الكونغرس، إلا أن الوكالة ترفض صرفه، دون تفسير أو تواصل مباشر. "كاري ليك ترفض مقابلتنا أو حتى التحدث معنا"، يقول غدمين. "تُركنا لنستنتج أنها تنوي خنقنا ماليا".

ما تبقى من الشبكة الآن هي مجموعة مصغّرة، تقاتل من أجل البقاء.

وقال السفير السابق رايان كروكر، رئيس مجلس إدارة الشبكة بالوكالة: "MBN كنز من المواهب والخبرة وذخر استراتيجي للأمن القومي الأميركي... ما يجري الآن ببساطة غير منطقي".

ويصل بث MBN، التي تأسست عام 2003، إلى أكثر من 30 مليون مشاهد أسبوعيا في 22 دولة عربية.

ساحة معركة إعلامية

"الشرق الأوسط ساحة معركة إعلامية ضخمة"، يقول المحلل الاستراتيجي إيلان بيرمان، وهو عضو في مجلس إدارة MBN.

فمن طهران إلى الدوحة، ومن موسكو إلى بيروت، تتسابق قوى إقليمية ودولية في ضخ السرديات الدعائية عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تقويض صورة الولايات المتحدة، وتعزيز التشكيك، وتأجيج المشاعر المعادية للغرب.

وفي هذه البيئة المتوترة، كانت MBN تمثل نقيضا نادرا: وسيلة إعلامية موثوقة، تُدار بمعايير مهنية، وتغطي قضايا حقوق الإنسان، والحوكمة، والسياسة الأميركية، بلغة وأصوات مألوفة لدى الجمهور العربي.

"هذا انتحار استراتيجي"، يقول غدمين. "في الوقت الذي تكسب فيه حماس وحزب الله والحوثيون والنظام الإيراني مساحات على مستوى السرد الإعلامي، نحن نسحب صحفيينا عن الهواء. هذا ليس فقط قصورا في الرؤية... إنه استسلام".

لكن لماذا ترفض USAGM الإفراج عن التمويل؟ لا أحد يجيب. ترفض كاري ليك، السياسية السابقة من أريزونا، التعليق. و"وزارة الكفاءة الحكومية"، التي تم إنشاؤها مؤخرا وسط ضجة سياسية، لم تصدر أي توضيحات. ويقول غدمين إن الشبكة تلجأ الآن إلى القضاء والكونغرس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وكانت MBN قد مرت في عملية هيكلة وتطوير، العام الماضي، وفرت 20 مليون دولار أميركي على دافع الضرائب دون تقويض جهودها في إعادة موضعة ذاتها كصوت أميركي فعال في الفضاء الرقمي الناطق بالعربية.

خسائر غير قابلة للقياس

داخل الشبكة، تأتي التسريحات كضربة شخصية ومهنية. كثير من الصحفيين والمحررين العاملين فرّوا من القمع في بلدانهم الأصلية، ليجدوا في MBN مساحة للتعبير والعمل بحرية. غطوا قصصا لا يمكن تغطيتها في بلدانهم — من حقوق النساء في السودان إلى الاحتجاجات في إيران والفساد في العراق.

الآن، ومع غياب منصتهم، قد لا تُروى تلك القصص أبدا.

يقول غدمين: "الإعلام في الشرق الأوسط يتغذى على مشاعر العداء لأميركا... من غير المنطقي قتل MBN كبديل عقلاني، وترك الساحة خالية أمام المتطرفين وأعداء أميركا".

وبينما تصقل شبكات التضليل المنظم في العالم العربي أدواتها الرقمية والبصرية، تتراجع أميركا بهدوء عن ساحة المعركة الإعلامية التي ساعدت في بنائها.

وكتب بيرمان في تحليل لمجلة جي أس تريبيون: "الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط ليست افتراضية... إنها معركة يومية وحقيقية، تزداد فعالية. وأميركا تتنازل عنها... شبرا بعد شبر".

وتصر إدارة MBN على مواصلة كفاحها من أجل البقاء بفريق صغير جدا يبقي شعلة الأمل والحقيقة حية في الفضاء الرقمي العربي.