زيادات كبيرة في أعداد المهاجرين عبر الحدود الجنوبية
زيادات كبيرة في أعداد المهاجرين عبر الحدود الجنوبية

مع دخول الانتخابات الرئاسية الأميركية شهورها الأخيرة، يبرز ملف الهجرة بين أهم قضايا السباق، خاصة بالنسبة المرشح الجمهوري، الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي يسلط الضوء على هذه القضية من أجل توجيه اللوم لمنافسه الديمقراطي، الرئيس الحالي جو بايدن، باعتباره مسؤولا عن الزيادات في أعداد المهاجرين.

وتميزت الولاية الرئاسية الأولى لترامب بتركيز كبير على هذا الملف، إذ أظهر رغبة في إحداث تغيير جذري في نظام االهجرة وطلب اللجوء.

وحتى خلال حملته الانتخابية الأولى، عام 2016، هاجم ترامب المهاجرين واعتبر أن أغلبهم "مغتصبون وناقلون للمخدرات والجريمة" .

ومع سعيه للعودة إلى البيت الأبيض، يقول الرئيس السابق إنه إذا انتُخب مرة أخرى، فإنه عازم على ترحيل نحو 20 مليون مهاجر من الولايات، يعيشون فيها من دون إذن قانوني .

وقال ترامب خلال تجمع انتخابي السبت: "سأعمل على عملية كبيرة لترحيل المهاجرين غير النظاميين فور استلامي الرئاسة".

فما هي أعداد هؤلاء وكيف وفدوا إلى الولايات المتحدة؟، وفي المقابل، ما هي الطرق الشرعية للهجرة؟

أعداد متزايدة

لا يظهر مكتب الإحصاء الفيدرالي أعدادا محددة للمهاجرين غير القانونيين، ويتم تضمينهم بين الأشخاص المولودين في الخارج بصرف النظر عن وضعهم القانوني.

وتظهر بيانات المكتب في 2022 أنه بين عامي 2010 و2022، زاد عدد السكان المولودين في الخارج بنسبة 15.6 في المئة.

ويشير التقرير إلى أن عدد السكان المولودين في الخارج هو 46.2 مليون (13.9 في المئة من إجمالي السكان) في عام 2022 مقارنة بـ40.0 مليون (12.9 في المئة من إجمالي السكان) في عام 2010.

وفي نوفمبر الماضي، قدر مركز بيو للأبحاث في واشنطن عدد المهاجرين غير الشرعيين بنحو 10.5 مليون عام 2021، وهم يمثلون حوالي 3 في المئة من إجمالي سكان الولايات المتحدة، و22 في المئة من السكان المولودين في الخارج.

وقدر معهد سياسة الهجرة أيضا وجود 11.7 مليون مهاجر غير شرعي، نصفهم تقريبا من المكسيك (5.3 مليون) ثم السلفادور وغواتيمالا بنحو 700 ألف لكل منهما، والهند وهندوراس بنحو 500 ألف لكل منهما. 

ووفق أرقام مركز بيو، فإن عدد المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك انخفض بمقدار 900 ألف من عام 2017 إلى عام 2021، ليصل إلى 4.1 مليون.

وتكشف معلومات معهد سياسة الهجرة أن حوالي ربع عدد المهاجرين (2.3 مليون) يعيشون في الولايات المتحدة منذ أقل من 5 سنوات.

ونصف الأعداد تقريبا من الفئة العمرية بين 25 إلى 44 عاما.

ويقول بيو إن عدد المهاجرين غير الشرعيين المقيمين في الولايات المتحدة في عام 2021 كان أقل من ذروته التي بلغت 12.2 مليون عام 2007، ونفس العدد تقريبا الذي سجل في عام 2004 وأقل تقريبا في السنوات بين 2005 إلى 2015.

وكانت هناك زيادات في أعداد المهاجرين غير الشرعيين من كل منطقة أخرى تقريبا في العالم: أميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي وأميركا الجنوبية وآسيا وأوروبا وأفريقيا.

وشهدت فلوريدا وولاية واشنطن فقط زيادة في أعداد المهاجرين غير الشرعيين، بينما شهدت كاليفورنيا ونيفادا انخفاضا. وفي جميع الولايات الأخرى، ظلت الأعداد دون تغيير.

لكن التقديرات المشار إليها لا تشمل أعداد المهاجرين الذين تم توقيفهم وترحيلهم على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، التي بدأت في التزايد منذ مارس 2021 لتصل إلى مستويات تاريخية.

ويشير مركز دراسات الهجرة إلى أنه في يناير 2022 بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين 11.35 مليونا، وذلك بزيادة قدرها 1.13 مليون عن يناير 2021. وفي شهر فبراير 2022 بلغ العدد 11.46 مليون.

وفي 2021 كان العدد 10.22 مليون وهو ما يمثل انخفاضا عن 11.48 مليون لشهر يناير 2019، أي قبل جائحة كوفيد.

ومع ذلك، فإن عدد المهاجرين غير الشرعيين في يناير وفبراير 2022 مماثل لعدد يناير 2019، أي مستويات ما قبل الوباء.

ويعزو المركز الزيادة إلى "الطفرة الكبيرة في أعداد المهاجرين غير الشرعيين على الحدود الجنوبية".

وتوضح صحيفة وول ستريت جورنال، نقلا عن بيانات حكومية، أنه تم توقيف 2.05 مليون شخص في السنة المالية الفدرالية التي انتهت في سبتمبر 2023. وهي السنة الثانية على التوالي التي يتجاوز فيها الرقم مليوني شخص. 

وفي السابق، كانت الأرقام ترتفع وتنخفض بناء على تغييرات اقتصادية وسياسية كبيرة مثل فترات الركود والقيود الحدودية أثناء وباء كوفيد، لكنها لم تتجاوز 1.7 مليون.

وبحسب إحصاءات حكومية، تم توقيف نحو 250 ألف مهاجر عبروا إلى الولايات المتحدة من المكسيك في ديسمبر 2023. وكان هذا أعلى إجمالي شهري مسجل، متجاوزا الذروة السابقة التي بلغت نحو 224 ألف حالة في مايو 2022.

ويتزايد عدد المهاجرين الموقوفين على الحدود، منذ عام 2020، عندما تباطأت الهجرة بين الولايات المتحدة والمكسيك بسبب كوفيد.

وعن السبب في هذه الزيادات، أشارت الصحيفة إلى فرار العديد من الأسر من عنف العصابات في أميركا الوسطى، وإلى آخرين يفرون في الآونة الأخيرة من القمع السياسي والفقر في أميركا الجنوبية.

وتغيرت الطرق المؤدية إلى الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، مع تحول خاص نحو ولاية تكساس. ويتجه بعض المهاجرين إلى هناك لأنها أقرب معبر حدودي من أميركا الوسطى والجنوبية.

وهناك من يختارون مناطق حدودية أقرب إلى وجهتهم النهائية على الساحل الشرقي.

وتشير وول ستريت جورنال إلى زيادة كبيرة في أعداد المهاجرين من الجنوب، حتى أن المدن الحدودية التي تتمتع بأكبر قدر من الموارد، مثل إل باسو وسان دييغو، تكافح من أجل التعامل مع تلك الأعداد.

وفي الآونة الأخيرة، يهاجر عدد كبير من الأشخاص من دول لديها علاقات متوترة مع الولايات المتحدة، مما يجعل عمليات الترحيل صعبة أو مستحيلة. 

وعلى سبيل المثال، منذ عام 2022، عبر أكثر من 715 ألف كوبي وفنزويلا بشكل غير قانوني الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، هربا من القمع السياسي والصعوبات الاقتصادية.

ووافقت فنزويلا وكوبا مؤخرا على تسلم المرحلين لأول مرة منذ سنوات، لكن لا يوجد ما يضمن أن يؤدي ذلك إلى ردع الهجرة غير القانونية.

وأدت المشكلات الاقتصادية، الناجمة عن الجائحة، إلى زيادة الهجرة من دول أميركا الجنوبية مثل إكوادور وكولومبيا وبيرو، التي تقبل تسلم المهاجرين المرحلين ولكنها عملية تتطلب رحلات طويلة ومكلفة.

الهجرة الشرعية

وفي مقابل الهجرة غير الشرعية، تشير بيانات "بيو" إلى زيادة عدد المهاجرين الشرعيين بأكثر من 8 ملايين، أي بنسبة زيادة 29 في المئة، كما زاد عدد المواطنين الأميركيين المجنسين بنسبة 49 في المئة. وفي عام 2021، شكل المجنسون حوالي نصف (49 في المئة) من إجمالي المهاجرين في البلاد.

وتوفر الولايات المتحدة تأشيرات الهجرة على أساس الروابط الأسرية، والتوظيف، والتبني، وفئات الهجرة الخاصة، وتأشيرة التنوع.

وفي حالة الروابط الأسرية، يحتاج المواطن الأجنبي إلى قريب مباشر يرعاه على أن يبلغ من العمر 21 عاما على الأقل يكون إما مواطنا أميركيا أو مقيما دائما قانونيا في الولايات المتحدة (أي حاملا بطاقة خضراء (غرين كارد)). ويمكن الاطلاع على شروط كل حالة عبر موقع وزارة الخارجية الأميركية.

ويمكن الحصول على تأشيرة الهجرة عن طريق العمل وفق خمس فئات تفضيلية. ويجوز لبعض الأزواج والأطفال مرافقة المهاجرين على أساس العمل، أو الانضمام إليهم لاحقا.

وتنقسم تأشيرات الهجرة القائمة على العمل إلى العاملين ذوي القدرات الاستثنائية، والمهنيين الحاصلين على درجات علمية متقدمة، والعمال والمهنين، والمستثمرين، وبعض حالات الهجرة الخاصة: وهم بعض العاملين في الإعلام، والأشخاص الذين قدموا المساعدة للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وغيرهم من الفئات.

وهناك تأشيرة التبني للأشخاص الذين تبنوا أطفالا من خارج الولايات المتحدة. وتحدد دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية الشروط الخاصة بذلك.

وهناك برنامج القرعة لتأشيرات التنوع الذي يوفر ما يصل إلى 55000 تأشيرة هجرة من خلال الاختيار العشوائي.

ترامب

في 20 يناير 2025، بعد دقائق من أدائه اليمين الدستورية لبدء ولايته الثانية، وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حزمة أوامر تنفيذية، وصف أحدها بـ"الكبير" ـ الذي سيتردد صداه، لاحقا، في جميع أنحاء العالم.

كان جالسا إلى منضدته الرئاسية في المكتب البيضاوي؛ على يمينه صندوق مليء بأقلام "شاربي،" أحدها كان ينتظر بفارغ الصبر بين أصابع يده اليمنى، وحين تسلم ترامب من أحد مساعديه ملفا، سأل المساعدَ:

"ما هذا؟".

"الانسحاب من منظمة الصحة العالمية".

"أوه، هذا كبير،" عقّب ترامب، وهو يفرد ملف الأمر التنفيذي على المنضدة. لكن قبل أن يهوي بقلمه على الملف، ذكّر بأنه سبق أن أوقف دعم الولايات المتحدة لمنظمة الصحة في ولايته الأولى، لأسباب منها "غياب العدالة" في التمويل.

وأشار ترامب، تحديدا، إلى الاختلال بين مساهمة الولايات المتحدة ومساهمة الصين في دعم الصحة العالمية.

وقال إن المنظمة عرضت عليه أن يدفع أقل، وإن سلفه ـ جو بايدن ـ الذي أعاد تمويل المنظمة خلال رئاسته بين 2020-2024، كان بإمكانه أن يتفاوض لكي يدفع أقل.

لم يكن إعلان ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية (WHO) في أول يوم من ولايته الثانية مصادفة، بل كان رسالة مفادها أن سياسته الخارجية ستكون، في هذه المرحلة أكثر حزما، أحادية إذا تطلب الأمر، وترتكز بقوة على مبدأ المصلحة الوطنية: "أميركا أولا".

رسّخ قرار الانسحاب من منظمة الصحة، أيضا، الثيمة التي هيمنت على أول مئة يوم من ولاية ترامب الثانية، وهي الضغط لإعادة التفاوض من أجل رسم خريطة جديدة في علاقات الولايات المتحدة بالعالم الخارجي، تجاريا وسياسيا.

هذه الخريطة الجديدة، ما هي ملامحها؟ 

ماذا يريد ترامب، عالميا؟ وما هي وسائله لتحقيق مبتغاه؟

هل هناك ملامح واضحة لعقيدة "ترامبية" محددة في السياسة الخارجية الأميركية؟ 

هذه محاولة إجابة!

ساحر أوز العجيب

في رواية ليمان فرانك بوم، "ساحر أوز العجيب"، يختطف إعصار هائل الصبية دورثي من منزلها في كنساس، ويلقي بها في أرض أوز السحرية، وخلال رحلة العودة تتجلى أمامها الحقيقة: "لا مكان مثل الوطن".

تلك العبارة أضحت من أشهر الاقتباسات التي تعبر عن روح الوطنية الأميركية، ورددها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حامل شعار "أميركا أولا"، في قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، في فيتنام عام 2017.

"العالم فيه العديد من الأماكن، والعديد من الأحلام والعديد من الطرق، ولكن في كل العالم لا يوجد مكان مثل الوطن"، قال ترامب في خطاب عن القومية والعالم، ألقاه أمام زعماء 21 دولة.

في تلك القمة حض ترامب ـ وكان في بداية ولايته الرئاسية الأولى ـ زعماء العالم على تحقيق مصالح بلدانهم، التي "يتوجب أن تعلو فوق أي مصلحة".

وكان فوز ترامب المفاجئ في انتخابات 2016، قد جعل شعاره "أميركا أولا" عنوانا لمرحلة جديدة في العقيدة السياسية الأميركية.

العقيدة السياسية؟

في حوار أجراه موقع "الحرة" في يناير الماضي، يعرّف أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت، العقيدة في السياسة الخارجية بأنها استراتيجية كبرى تحدد نوع العلاقات الدولية التي يتبناها الرئيس، وهو ما يمكن أن ينطبق على عقيدة مونرو، أو عقيدة ترومان، أو عقيدة ريغان.

ترتكز عقيدة الرئيس جيمس مونرو، على سبيل المثال، والتي عبر عنها في ديسمبر 1823 أثناء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، على معارضة الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الشمالي، وتعتبره عملا عدائيا.

أما ريغان، فحدد "عقيدته" في فبراير عام 1985، عندما قال: "يجب ألا نخون ثقة من يخاطرون بحياتهم - من أفغانستان حتى نيكاراغوا- لمواجهة العدوان المدعوم من الاتحاد السوفيتي، ويجب أن نصون الحقوق التي لطالما كانت لنا منذ الولادة".

داخليا، كانت أميركا في ذلك الوقت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بسبب التضخم.

عقيدة ترامب

بدأت ملامح عقيدة ترامب السياسية تتوضح ابتداء من أبريل 2016، عندما استخدم عبارة "أميركا أولا" مع انطلاق حملته الانتخابية.

وبعد فوزه في الانتخابات، تعهد خلال خطاب التنصيب في يناير 2017 بأن "رؤية جديدة" ستحكم أميركا.

ومنذ ذلك الحين، بات شعار "أميركا أولا" بمثابة اسم ثان للترامبية في السياسة الأميركية، رغم أنه لم يكن أول سياسي أميركي يستخدم المصطلح.

المرشح في سباق الرئاسة لعام 2000، بات بيوكانان، استخدم شعار "أميركا أولا" خلال حملته الانتخابية.

أما عبارة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، التي اقترنت بترامب وتعرف اختصارا بـ"ماغا"، فاستخدمها رونالد ريغان في حملته الانتخابية عام 1980.

اختار بيوكانان شعار "أميركا أولا"، الجذاب شعبيا، بعد أن فشل مرتين في التسعينيات في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة.

وعنت العبارة بالنسبة لبيوكانان الانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، ومعارضة التدخل العسكري في الخارج، من بين أشياء أخرى.

لكن آخرين يشيرون إلى تاريخ سابق لشعار "أميركا أولا".

ترتبط العبارة بـ"لجنة أميركا أولا" التي دعت بين عامي 1940ـ1941 إلى عدم انخراط الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية خلال الحرب العالمية الثانية. اجتذبت اللجنة، آنذاك، عددا كبيرا من الناشطين، وزعمت أن عدد أعضائها تجاوز 800 ألف عضو، وكان من بينهم قطب السيارات الأميركي هنري فورد.

لكن ترامب أعاد تعريف "أميركا أولا" ببساطة كبيرة:

"أميركا ستضع مواطنيها وقيمها واهتماماتها في المقام الأول، مثلما ينبغي أن تفعله جميع الدول"، تقول وثيقة نشرها البيت الأبيض في سبتمبر 2017.

وتشير الوثيقة، التي تحدد سياسة خارجية قائمة على "الواقعية المبدئية"، إلى "استراتيجية العمل من أجل المصلحة الوطنية الأميركية وبما يتفق مع قيمنا".

التدخل حسب الموقف

تصف دراسة نشرت على موقع كلية غيتيسبيرغ الأميركية أيدولوجية "أميركا أولا" في سياسة ترامب الخارجية بأنها "الانعزالية والتدخل حسب الموقف،" على النقيض من سياسة سلفه، آنذاك، باراك أوباما.

أوباما وضع أميركا على قدم المساواة مع الدول الأخرى، وتعاون مع المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمات التجارة واتفاقية المناخ.

وتخلت عقيدة ترامب "بشكل متعمد"، وفق الدراسة، عن السياسة الخارجية لأوباما والرؤساء السابقين، وحتى الجمهوريين منهم.

لا تنكر الدراسة "عقيدة ترامب"، لكنها ترى أنها "تستند أكثر إلى التفضيلات الشخصية والعاطفة بدلا من اتباع نموذج سياسي صارم".

ما ليس ترامب

يعرف الكاتب المحافظ، مايكل أنتون، فكر ترامب السياسي بما ليس هو:

"ترامب ليس من المحافظين الجدد أو المحافظين القدماء، ولا من الواقعيين التقليديين ولا من الليبراليين الدوليين".

"ينطبق الشيء ذاته على حقيقة أن ترامب لا يميل فطريا إلى الانعزالية أو التدخل،" يتابع أنتون، "وهو ليس حمامة أو صقر. ولا تندرج سياسته الخارجية بسهولة في أي من هذه الفئات، على الرغم من أنها تستمد من كل منها".

لكنّ أنتون يلاحظ، مثل كثيرين، أن شعار "أميركا أولا" لا يجب أن يكون مستغربا لأن البلدان يجب أن تضع مصالحها الخاصة في المقام الأول.

طالما جادل ترامب ومريدوه من "اليمين الجديد"، بأن العولمة كلفت الولايات المتحدة غاليا، وكانت مفيدة للقوى الصاعدة التي تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على النفوذ والزعامة.

وطالما هاجم ترامب سياسات قال إنها تستجيب لاهتمامات النخبة التي تروج لفكرة أن من مصلحة أميركا البقاء في حلف شمال الأطلسي واستمرار العولمة.

لذلك سعى خلال رئاسته الأولى إلى ما وصفه بـ"تصحيح المسار". 

أعلن نهاية ما وصفها بـ"الامتيازات المجانية،" وأصر على أن يدفع أعضاء حلف شمال الأطلسي "نصيبهم العادل"، سواء في ما يتصل بالضمانات الأمنية أو الصفقات التجارية.

وفي الأشهر الأولى من ولايته الثانية، أعادت ترامب التشديد على ضرورة أن تزيد الدول الأعضاء إنفاقها الدفاعي. وكشف، من خلال موقفه الداعي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، عن إدارة أميركية أقل ميلا إلى الالتزام باتفاقيات الدفاع الجماعي.

ويلخص الكاتب جورج فريدمان "مبدأ ترامب" في أنه سياسة "نزع فتيل المواقف التي قد تتطلب اتخاذ إجراءات عسكرية، والانخراط بدلا من ذلك في سياسة اقتصادية هجومية".

وتأتي أفكار ترامب، وفق الكاتب، على خلفية وضع دولي يشهد انتشار القوات الأميركية حول العالم، وهو وضع يخلق توترا لأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متورطة في حرب مكلفة وعلى أكثر من جبهة في الوقت ذاته، لذلك فإن الأفضل هو اتباع مبدأ الدبلوماسية.

لذلك اختار ترامب، في الولاية الأولى، "التفاهم " مع كوريا الشمالية، واتبع مسارا دبلوماسيا مع روسيا، خاصة وأنها كانت لديها قوات في سوريا قد تتقاطع في أماكن انتشار القوات الأميركية.

وفي نفس السياق، يبدو ترامب وكأنه يسير عكس التيار في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. إذ رغم الدعوات ـ من الداخل الأميركي ومن خارجه ـ إلى استخدام القوة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، تنخرط الإدارة الأميركية منذ أسابيع في محادثات مع الإيرانيين للوصول إلى حل سلمي يفكك الطموحات النووية لطهران.

وعرف ترامب بانتقاداته لحرب العراق وعمل خلال ولايته الرئاسية الأولى إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن.

يعتقد ترامب، وفق رؤية فريدمان، أن "الذهاب إلى الحرب خيار خاطئ لأن نوايا الخصوم غير متوقعة، والحل يكمن في الحفاظ على الوجود وتجنب القتال والانخراط في مفاوضات مطولة قد تؤدي إلى شيء أو لا شيء ولكنها قد تقلل من التهديد العسكري".

السياسة قطعة قطعة

العقيدة السياسية تعني أن "كل الإجراءات التي يتخذها الرئيس تستند إلى مجموعة من الافتراضات حول كيفية عمل العالم، والتوقعات، والعلاقات، وما إلى ذلك،" يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت.

"أما ترامب،" يضيف بيلت، "فهو على العكس تماما، يأخذ كل شيء قطعة قطعة. ويتعامل مع الأمور على أنها صفقات (تجارية)".

ترامب "لا يفضل الاتفاقيات متعددة الأطراف. هو يحب الاتفاقيات الثنائية وأن يكون هو الشخص الذي يبرم الصفقة"، يتابع بيلت.

"أميركا أولا"، بالنسبة لبيلت، ليست عقيدة "لأنها لا تتعلق بكيفية التفكير في شؤون العالم والاستجابة للتهديدات الدولية.

وتقضي بـ"ألا تعمل الولايات المتحدة مع أي جهات فاعلة دولية أخرى ما لم يكن ذلك ضروريا، ومن أجل المصلحة الدولية والوطنية".

وفي نفس الاتجاه يذهب ريتشارد وايتز، محلل السياسيات الأمنية في معهد هدسون: "ترامب لا يملك عقيدة" ثابتة. يقول وايتز في حاديث سابق مع موقع "الحرة" إن ترامب "لديه بعض القيم التي يريد تطبيقها، مثل الحد من الحروب، وزيادة دخل الأميركيين".

في بعض القضايا "يتسم بالحزم الشديد، مثل تغير المناخ، وقضايا أخرى يتسم فيها بالمرونة مثل الناتو، فهو لم يقرر بعد ما يمكن فعله بالنسبة للناتو. هو حازم في بعض القضايا ومنفتح في أخرى ويرحب بالتعليقات التي يتلقاها في هذا الشأن".

"أميركا أولا" 2.0

في ولايته الأولى، انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الغربية مع إيران عام 2015، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية صارمة، ركزت على خنق الاقتصاد الإيراني في ما عُرف بسياسة "الضغط الأقصى". وكان الهدف إجبار إيران على القبول باتفاق أكثر صرامة بشأن على برنامجها النووي.

وباستثناء استهداف الجنرال الإيراني قاسم سليمان في 2020، لم يلجأ ترامب إلى العمل العسكري ضد إيران، باستثناء حوادث متفرقة.

في الولاية الثانية، صعد ترامب النبرة تجاه إيران. وبدلا من الاعتماد بشكل أساسي على العقوبات، لوح علنا باللجوء إلى ضربات عسكرية إذا لم توافق إيران على اتفاق نووي وفق رؤية أميركية جديدة.

وهدد ترامب طهران بـ"عواقب وخيمة" تتجاوز العقوبات الاقتصادية في حال استمرارها في تطوير برنامج النووي.

وانخرطت إيران أخيرا في مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة عمانية بشأن مستقبل برنامجها النووي.

أوكرانيا: الدعم شرط للسلام

وافق ترامب، في الولاية الأولى، على تقديم مساعدات عسكرية كبيرة لأوكرانيا، لكنه تعرض لاتهامات بتسييس تلك المساعدات خلال تحقيق العزل الأول في 2019.

في مستهل ولايته الثانية، علق ترامب المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وأوضح أن استمرار الدعم الأميركي مشروط بدخول أوكرانيا في مفاوضات لإنهاء الحرب مع روسيا.

مثّل تعامل ترامب مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية، تحولا في السياسة الخارجية الأميركية من الدعم غير المشروط تقريبا إلى استخدام الدعم كأداة للضغط من أجل التفاوض لإحلال السلام.

روسيا: من الردع إلى السعي للتقارب

بشكل عام، حافظت إدارة ترامب الأولى على العقوبات المفروضة على روسيا، بل وزادتها بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية وضمها للقرم وقضايا أخرى.

الآن يركز ترامب على الدبلوماسية المباشرة مع روسيا، بهدف التفاوض على وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات لا تعتقد كييف أنها عادلة.

الصين: من حرب تجارية إلى منافسة شاملة

أطلق ترامب حربا تجارية واسعة ضد الصين، مستخدما الرسوم الجمركية كأداة رئيسية لمواجهة العجز التجاري وسرقة حقوق الملكية الفكرية. وفي الولاية الثانية، تصاعدت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

لم يكتفِ ترامب بزيادة الرسوم الجمركية بل دفع نحو تقييد الاستثمارات الصينية في القطاعات التقنية الأميركية، وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية ـ خصوصا في مجالات الأدوية وأشباه الموصلات ـ ودعم مبادرات الردع العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الترامبية واليمين الجديد

يعرف قاموس جامعة كامبريدج الترامبية بأنها سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب وأفكاره، فيما تذهب دراسات عديدة إلى أن الترامبية مثلت بداية حزب جمهوري جديد، يشكل "قطيعة حادة" مع أفكار الحزب والمبادئ التي اتبعها على مدى عقود خلت.

هل تبقى الترامبية بعد دونالد ترامب؟ يسأل كاتب نيويورك تايمز مايكل ليند:

"اختيار ترامب للسناتور جي.دي. فانس لمنصب نائب الرئيس يعني أن الجواب هو نعم،" يجيب الكاتب.

تمخضت الترامبية عن ظهور تيار سياسي جديد في الولايات المتحدة، بات يعرف بـ"اليمين الجديد".

وشاع استخدام المصطلح حديثا بالإشارة إلى مجموعة من المثقفين والسياسيين الجمهوريين الذين يعملون على تحويل الترامبية إلى أيديولوجية متماسكة.

أيديولوجية ستتاح لها أربع سنوات أخرى لتترسخ وتكتسب الزخم.