خاضت المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس معركة انتخابية حامية الوطيس طيلة الفترة الماضية، أمام خصمها الجمهوري دونالد ترامب، الذي حقق وحزبه فوزاً كبيرا حتى الآن شمل مقعد البيت الأبيض واقتناص السيطرة على مجلس الشيوخ من قبضة الديمقراطيين.
لكن هذا لا يعني أن مسيرة كامالا انتهت، فقد صنعت لنفسها سجلاً تاريخياً من الإنجازات الشخصية، وعلى مستوى الحزب الديمقراطي، خلال الأعوام الأربعة الماضية، وحتى اللحظة بصفتها نائبة للرئيس الأميركي جو بايدن.
والأربعاء، صرّح اثنان من مساعدي هاريس أنها قد تجري في وقت لاحق اليوم اتصالا بالرئيس المنتخب ترامب، وأن تخرج بكلمة بعد الخسارة، ستكون على الأرجح من جامعة هاورد بالعاصمة واشنطن، حيث أمضت ساعاتها الأخيرة عشية الاستحقاق الانتخابي.
سيرة ترسم المستقبل
تشكل قصة هاريس المولودة لأم هندية وأب جامايكي بعيدين عن الحياة السياسية، نموذجاً ملهماً بين نساء الأقليّات والطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، عبر رحلة كفاحها من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية والسياسية داخل بلادها.
وتخلل هذه الرحلة، عملها في الخدمة العامة كمدعية عامة في مقاطعة ألاميدا بكاليفورنيا خلال تسعينيات القرن الماضي، وانتخابها أول مدعية عامة من أصول ملونة في سان فرانسيسكو عام 2004، ثم انتخابها في 2010 مدعية عامة لولاية كاليفورنيا.
وفي 2016 خلفت هاريس عضوة مجلس الشيوخ باربرا بوكسر، لتتوسع في نشاطها المتعلق بالحقوق المدنية والدفاع عن الفئات المهمشة، إضافة لمحاولة تحقيق إصلاحات في ملفي الهجرة والعدالة الجنائية، ودعمت مبادرات لحماية البيئة، وغيرها من القضايا.
وفي عام 2019، أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الديمقراطي لعام 2020، حين قدمت نفسها باعتبارها مرشحة تقدمية تتبنى نهجاً عمليًا.
ورغم أن حملتها اكتسبت زخماً في البداية، فقد واجهت لاحقا صعوبات في الحفاظ عليه بسبب ما وصف برسائلها غير المتسقة، وبعض المواقف السياسية المتناقضة، لتنتهي الحملة في ديسمبر 2019.
هذا الأمر لم يمنع الرئيس جو بايدن من اختيارها لتكون نائبته، وهو ما قابله الحزب الديمقراطي بترحيب واسع كرمز على تعزيز التنوع.
بذلك، أصبحت هاريس أول امرأة تشغل منصب نائب الرئيس الأميركي، ثم خاضت السباق الرئاسي بعد انسحاب بايدن من الحملة الانتخابية الأخيرة، وحققت نتائج لا بأس بها، وإن لم تصل بها إلى المكتب البيضاوي.
وخلال السنوات الأربع الماضية، نشطت هاريس في عدد من الملفات الهامة والمتنوعة، التي تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، مثل إدارة أزمة الهجرة، وحقوق التصويت، والمساواة العرقية، والأمن الإلكتروني، والصحة العامة.
تلك الملفات، وغيرها، كانت نفسها التي حملتها خلال حملتها الانتخابية وقدمت بشأنها وعودها للناخبين، إلا أن بعض الخبراء والمحللين الأميركيين رأوا أنها لم تتبع إستراتيجية قوية لإقناع هؤلاء بكونها الأفضل لمنصب الرئيس، في مقابل شعبية ترامب الواسعة.
سيناريو الحزب والترشح
بيّن تقرير لموقع "بوليتيكو" بعنوان "لماذا خسرت هاريس الانتخابات"، الأربعاء، أن هاريس رغم أنها ورثت تركة بايدن في الحملة الانتخابية، وقصر المدة التي ظهرت فيها كمرشحة رئاسية، استجلبت الكثير من الدعم ولاقت شهرة واسعة في مواقع التواصل بين الشباب، كما تلقت حملتها دعما ماليا ملفتاً.
ورغم ذلك، أضاف التقرير أن قوة الحملات الانتخابية ضعفت بمرور الوقت في مقابل قوة الفريق الجمهوري، وداخل حملة هاريس نفسها كان بعض المسؤولين المنتخبين والإستراتيجيين يحذرون من أن مهمتهم لم تكن متأخرة فحسب، بل كانت تُدار بشكل سيء.
وقبل 3 أسابيع من يوم الانتخابات في ولاية بنسلفانيا، أحد أهم الولايات المتأرجحة، التقى الديمقراطيون اليهود وحلفاؤهم خلف الأبواب المغلقة مع مسؤولي هاريس في مدينة بيتسبرغ، وفقا لأربعة أشخاص حضروا اللقاء أو تم إطلاعهم على المناقشات.
وقد قالوا، بحسب "بوليتيكو"، إن فريق بنسلفانيا افتقر إلى العلاقات مع المسؤولين المنتخبين الرئيسيين، وهذا مهم لأنه كان يعني عدم التنسيق بشكل فعال للعمل على إقناع الناخبين بدعم مرشح بالكاد يعرفونه.
كما رأى آخرون أن الإستراتيجية الانتخابية قد تكون سبباً أساسياً في عدم تمكن هاريس من توسيع قاعدتها الشعبية، ذلك أنها لم تتمكن من كسب دعم كافٍ بين بعض الفئات التي لطالما كانت مفتاحا لانتصارات الديمقراطيين، مثل الطبقة العاملة، لذلك فإن تحسين التواصل معهم سيعزز من حظوظها مستقبلًا.
في الوقت نفسه قال المستشار السابق للرئيس الأسبق باراك أوباما، ديفيد أكسلرود، الأربعاء، إن التمييز العنصري والتمييز المبني على أساس الجنس "كان له تأثير كبير على نتائج الانتخابات" مشيراً إلى أن فريق ترامب كان ذكيا في إدارة الحملة الانتخابية.
بناء على ذلك، يرى العديد من المحللون أن على الحزب وهاريس الاستفادة من الدروس والأخطاء الحاصلة لتقوية حظوظهم في الانتخابات المقبلة، خصوصاً إذا ما أرادت هاريس الترشح مجددا.
فالخبرة التي اكتسبتها هاريس في إدارة الأزمات قد تمنحها الثقة والقدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية بفاعلية أكبر.
ومن المتوقع أن تبقى هاريس نشطة بشكل بارز في القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يتبناها الحزب، مثل حقوق المرأة والمساواة العرقية والعدالة المناخية.
وقد تستفيد من موقعها كرمز للتنوع والشمولية لتجذب الأجيال الشابة من الناخبين، خاصة الأقليات، وهو ما عكفت عليه بالفعل خلال حملتها الانتخابية حين تحدثت أكثر من مرة عن الجيل زد، وإعجابها بما يميزه عن غيره من الأجيال، الأمر الذي احتفى به عديد الشباب عبر تطبيقات تيك توك وإنستغرام خلال الأسابيع الفائتة.
كما أن تجربتها في المناصب العليا، مثل نائبة الرئيس والعضوية في مجلس الشيوخ، ستمنحها دوراً استشارياً مؤثراً في السياسات الداخلية والخارجية للحزب الديمقراطي.
المحلل السياسي جيمس كارفيل، وفي حديثه مع "واشنطن بوست" قال إن على كامالا أن تركز جهودها على لعب دور بارز في إعادة توجيه الحزب الديمقراطي، خصوصا مع تنامي الانقسامات الداخلية.
وأضاف أنها قد تتمكن من تقديم رؤية وسطية تجمع بين الجناح التقدمي والجناح المعتدل للحزب، مما يؤهلها لشغل منصب قيادي مؤثر في المستقبل.
سيناريو العمل المدني والحقوقي
وإذا قررت كامالا هاريس النأي عن المناصب القيادية في العمل السياسي، فإن هناك مجالات أخرى يمكنها التأثير من خلالها، خصوصاً بعد حصولها على دعم كبير في الداخل الأميركي بين جمهور مناصري سياسات الحزب الديمقراطي أو المتطلعين نحوها كنموذج نسوي يدافع عن حقوق النساء ومجتمع الميم والأقليات.
وقد تختار هاريس التركيز على قضايا اجتماعية حيوية، مثل العدالة العرقية وحقوق المرأة، التي تحظى بأهمية خاصة بين الناخبين الشباب والأقليات. وهذه القضايا قد تسمح لها ببناء قاعدة دعم قوية، مما يجعلها تُعتبر مدافعة ملتزمة عن التغيير التقدمي.
وإضافة لذلك، رأى مسؤولون أميركيون أن خلفية هاريس وخبرتها ستجعلها مرشحة مناسبة لأدوار قيادية في المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان والتغير المناخي، مما يجعل تأثيرها أوسع من حدود بلادها.

