تناولت مناقشات القمة عددا من القضايا المختلفة
تناولت مناقشات القمة عددا من القضايا المختلفة

هيمنت نتائج الانتخابات الأميركية على مناقشات القمة الثالثة للمرأة العالمية، في مقر صحيفة واشنطن بوست وسط العاصمة الأميركية، وسط مشاركة كبيرة من شخصيات نسائية في مقدمتها الرئيسة المشتركة للمؤتمر الوطني الجمهوري لورا ترامب، ورئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، وغيرهن.

لورا ترامب أكدت في جلسة نقاشية خصصت للحديث عن الانتخابات، أن الجمهوريين حققوا إنجازا تاريخيا، دونالد ترامب فاز مجددا لأن الناخبين رأوا نجاحه في الفترة الأولى، وهو ما سنراه يتحقق مرة أخرى في هذه الفترة الثانية.

وأضافت أن ترامب في انتخابات عام 2016 كان مدركا لدور مواقع التواصل الاجتماعي، التي كان لها دور كبير في الحملة الانتخابية في عام 2024.

ووجهت ترامب حديثها لمن يشعرون بالقلق حيال نتائج الانتخابات، مشددة على أن الرئيس المنتخب "لن يكون في معركة انتقامية من أحد أو طرف ما، أؤكد لكم أنه سيعمل لصالح جميع الأميركيين، عندما يعود للبيت الأبيض سيركز توفير مزيد من المال للأميركيين، وأننا بلد آمن، ولن ينجر إلى حرب عالمية ثالثة، وسيكون الشخص الذي يعيد توحيد هذه الأمة وأعلم أن كثيرا منكم يظن أن ذلك غير ممكن الآن".



وفي المقابل، قالت نانسي بيلوسي إن أحد أهم أسباب خسارة الديمقراطيين في هذه الانتخابات ربما تعود إلى امتناع كثير من الناخبين عن التصويت، موضحة "ربما لو شارك هؤلاء في بعض المقاطعات لفازت كامالا هاريس، وفاز الديمقراطيون في النواب والشيوخ".

بيلوسي لفتت إلى أهمية الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في الانتخابات، قائلة "هناك عدة عوامل جديدة في هذه العملية من بينها وسائل التواصل الاجتماعي، كان يتعين علينا أن نتأكد من تشجيع الناخبين أكثر على المشاركة، وعندما ننظر إلى المؤشرات يمكن أن نرى انعكاس تأثير هذه العوامل على النتيجة".

وألقت الانتخابات بظلالها على جلسة "التغيير" بحضور كيليان كونواي، المستشارة الرئاسية في إدارة ترامب السابقة، ومينيون مور، رئيسة المؤتمر الوطني الديمقراطي، وميغان ماكين، الكاتبة السياسية، وصانعة محتوى بودكاست.

كونواي قالت إن الشعب الأميركي أعلن رفضه لكل الصفات غير الحقيقية التي أطلقها البعض على الرئيس المنتخب دونالد ترامب.

كونواي وجهت رسالة للديمقراطيين قائلة "الشعب مل من محاضراتكم، الأميركيون يريدون أن نستمع إليهم وإلى قضاياهم، ونحن هنا في معركة للتغيير، هذه الانتخابات أوضحت مؤشرات ديمغرافية، وجغرافية، عن كيف فاز الرئيس دونالد ترامب باكتساح، وعلى الرغم من منافسته نائبة الرئيس كامالا هاريس، لكنه خسر 7 بالمئة فقط من أصوات النساء، وهناك رسائل عدة أخرى يجب أن نهتم بها في الانتخابات على رأسها مواجهة خطط اقتصادية فاشلة".

أما مور فقالت إن "الديمقراطية هي حرية الاختيار، لذلك فعلى الجميع أن يعرف ما ومن يختار، لذلك فإن كان الناخب مرتاحا للغة المستخدمة في الخطاب في هذه الانتخابات، وهذه الطريقة في المنافسة، فيتعين أن يعرف أنه يُعد جيلا جديدا، وقد يكون بيننا الآن شباب أصغر سنا، ولنأمل في أن هؤلاء الشباب يحترمون الاختلاف بينهم، كل ما نحتاجه هو الاحترام".

وتناولت المناقشات عددا من القضايا المختلفة من بينها اقتصادية، واجتماعية، في مقدمتها حماية الأطفال من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك استضافت جلسة "أصوات من أجل السلام" سيدة إسرائيلية، وأخرى فلسطينية، بالإضافة حلقات نقاشية حول قضايا أسرية، وتكنولوجية، ورياضية كذلك.

وتطرقت النقاشات خلال جلسات القمة إلى ترشيحات الرئيس المنتخب دونالد ترامب لشغل مناصب في إدارته الجديدة، من بينها تلك التي أثارت جدلا مؤخرا، وكذلك اعتذار مات غايتز عن منصب وزير العدل، وقالت النائبة الجمهورية عن فلوريدا ماريا إلفيرا سالازار إن غايتز استقال من دورة مجلس النواب الحالية، وليس المقبلة، وانسحب من الترشح لمنصب وزير العدل لعدم إثارة الجدل بشكل أكبر حول تعيينه من قبل الرئيس المنتخب دونالد ترامب.

سالازار أضافت خلال جلسة "حقبة جديدة في السلطة" أن "القانون هو القانون، وعلينا الالتزام به، وهذا ما يجعل هذا البلد قويا".

الذئاب المنفردة

فجر أول أيام يناير، 2025، وثقت كاميرا مثبتة على جسم أحد أفراد الشرطة الأميركية لحظات محاصرة شمس الدين جبّار، منفّذ عملية الدهس في مدينة نيو أورلينز الأميركية، أثناء محاولته الهروب بينما تناثرت أجساد ضحاياه على الأرض من حوله.

تحوّلَ جبّار من رقيب سابق في الجيش الأميركي، إلى إرهابي قاتل لـ 14 ضحية، ساقتهم الأقدار  إلى شارع بوربون الشهير للاحتفال بليلة رأس السنة.

جبار ليس "الذئب المنفرد" الوحيد.

 في تحقيق لـ"الحرة تتحرى"، تقصت نسرين عجب تاريخ الظاهرة وواقعها، لتحذر من مستقبل ترسم فيه الذئاب صفحة مظلمة.

يروي عباس الداهوك، وهو عقيد سابق في الجيش الأميركي، في مقابلة مع الحرة، أن حياة جبار كانت مليئة بالمشكلات، وكانت لديه خطة لجمع عائلته في مكان واحد لارتكاب العنف ضد أفرادها. لكنه في اللحظة الأخيرة قرر العدول عن تنفيذ الخطة، وسلك طريقا مختلفا. 

قاد شاحنته، وعليها علم داعش، ليفتك بأبرياء عزّل في مدينة نيو أورلينز. لم يُستبعد ارتباطه بالتنظيم الإرهابي، لكن على الأرجح كان يتصرف كذئب منفرد.

صباح اليوم نفسه، على بُعد 1700 ميل إلى الغرب، أطل الإرهاب بوجهه البشع مرة أخرى.

أمام فندق يعود للرئيس دونالد ترامب، في مدينة لاس فيغاس، انفجرت شاحنة كهربائية، بعد انتحار مستأجرها ماثيو ليفلسبيرغر، الرقيب الأول في القوات الخاصة الأميركية. 

يقول كولن كلارك، الخبير في قضايا الإرهاب، إن هذا كان أشبه بعرض لجذب الانتباه إلى ما كان للأسف نوعا من التشتّت الذهني لشخص ربما كان يعاني بشدة من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويضيف أنه بعد 20 عاما من تركيز ضيّق للغاية على نوع واحد من الإرهاب، وهو الإرهاب الجهادي، "أدركنا الآن أن الأمور أكثر تعقيدا".

يشير كلارك إلى مفهوم الذئب المنفرد، أي كيف يمكن لشخص ما، من دون مقدمات، أن يتحوّل في أي بقعة من العالم، إلى ذئب منفرد يتبربص بضحاياه الغافلين، ليفتك بهم وينشر الرعب.

الذئب المنفرد، بحسب وزارة العدل الأميركية، هو شخص ينفّذ بمفرده هجوما إرهابيا ضد مجتمع يكون هو جزءا منه، بدوافع سياسية أو دينية، ولغرض التأثير على الرأي العام، أو عملية صنع القرار السياسي. وقد يستلهم أفكاره من مجموعة أو شبكة معينة، ولكنه لا يكون خاضعا لقيادتها.

برنامج "الحرة تتحرى" يعود بملف الذئاب المنفردة إلى بدايات هذا النوع من الإرهاب، وكيف تنامى، ويعرض أبرز الهجمات، ودوافع منفذيها، والأيديولوجيات التي تبنوها، إضافة إلى شرح الكوامن النفسية التي تدفع شخصا ما عن سابق إصرار وترصّد، إلى قتل آخرين، يراهم غالبا للمرة الأولى، وهو يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، يصعب في الغالب الكشف أو التنبؤ بهجمات الإرهابي الوحيد أو الذئب المنفرد، لأنك لا يمكن أن تراقب المجتمع بالكامل، كما أن الذئب المنفرد لا تظهر عليه أي علامات سابقة على تنفيذه الهجوم. 

في المقابل، يرى رامون سباي، وهو عالم اجتماع متخصص بظاهرة الذئاب المنفردة في ملبورن، أستراليا، أنه بمرور الوقت، أصبح إرهاب الذئاب المنفردة يشكّل نسبة أكبر بكثير من إجمالي الهجمات الإرهابية، وأن سياق هذه الهجمات، ورغم أن منفذيها أفراد، غالبا ما تكون نسخة متطرفة، أو تعبيرا عن الصراعات المجتمعية الأوسع الجارية في ذلك الوقت.

أما وائل سلامة، طبيب نفسي عمل على حالات لإرهابيين في السجون اللبنانية، فيؤكد أن هذه الحالات هي بلا شك نوع من البحث عن هوية.

"بالنسبة له (الذئب المنفرد) حتى عندما يتم قتله يصل إلى الغاية المنشودة، فالغاية الأساسية من الجريمة، أن يثبت قدراته".

قد يكون مصطلح "الذئاب المنفردة" حديث العهد، لكن فعل الهجوم الأحادي، ظهر قبل قرنين من الزمان.

يعود تاريخ الهجمات الأحادية، بحسب رامون سباي مؤلف كتابين عن إرهاب الذئاب المنفردة، إلى القرن التاسع عشر، لما يُعرف بإرهاب "الأناركية"، وهي تستند إلى فلسفة سياسية، وكان لديها استراتيجية تسمى "المقاومة القانونية"، و"الدعاية بالفعل".

وتتضمن استراتيجيتها ارتكاب أعمال عنف جماعي بشكل متفرق، وليس كجزء من مجموعة منظمة، من خلال قيام أفراد بشن هجمات عنيفة على مسؤولين حكوميين، رؤساء دول، وعائلات ملكية.

يشتق مصطلح الأناركية من الكلمة اليونانية "أنارخيا"، التي تعني بدون حاكم.

اكتسف فلسفة الأناركية شهرة في القرن التاسع عشر، ودعت إلى مجتمع بلا حكومة، أو هياكل هرمية.

في حديث مع "الحرة"، يقول ستيف كيليليا، مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام، الذي ينشر تقارير سنوية عن مؤشرات الإرهاب في العالم، إن مفهوم الذئب المنفرد، بدأ بالظهور فعليا في الفترة بين عامي 1870 و1930، مع حركة الأناركية في أوروبا والولايات المتحدة.وقد تكون إحدى أبرز هجمات هذه الحركة اغتيال الرئيس الأميركي، وليام ماكينلي، عام 1901.

أُعدم قاتل الرئيس، الأناركي ليون تشولغوش، بالكرسي الكهربائي، لكن هجمات الحركة استمرت على مدى عقود. وفي نهاية السبعينيات، شغل إرهابي مجهول الهوية السلطات الأميركية لسبعة عشر عاما كاملا.

وفق تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي أرسل هذا الشخص، أو سلّم باليد، سلسلة من القنابل التي كانت تزداد تطوراً، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. 

يخبر سباي فريق "الحرة تتحرى" أنه منذ التسعينيات، ومع صعود اليمين المتطرف، بدأت فعلياً استراتيجية الذئب المنفرد أو الفاعل المنفرد، واستُخدم المصطلح بشكل أكثر تحديدا وانتشارا بواسطة نشطاء اليمين خاصة المتطرفين منهم.

وظهر كثير من "الذئات المنفردة" يضيف سباي، في صفوف اليمين المتطرّف، وذلك نتيجة استراتيجية تسمى "المقاومة بلا قائد"، وهي طريقة لمنع اختراق أو تفكيك جماعة أو منظمة من قبل وكالات إنفاذ القانون، وهي أيضا وسيلة لحماية القيادة، من خلال جعل الأشخاص يتصرفون بشكل فردي، فإذا تم القبض عليهم، فلن يكون لديهم تفاصيل عن الشبكة أو المخطط الأكبر.

لا يقتصر وجود الإرهاب على طريقة الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة، بل يمتد عبر الأطلنطي إلى القارة العجوز.

بحسب ستيف كيليليا مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، فإن عددا من الدول التي لم تتعرض لهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، شهد عام 2024 ثماني هجمات ذئاب منفردة في السويد. وفي كل من فنلندا وهولندا والدنمارك وقع هجومان، وتصاعدت الهجمات من هذا النوع في دول أخرى مثل النرويج.

أما ألمانيا، فمن أكثر الدول الغربية تعرضا للإرهاب، ومنها هجمات ذئاب منفردة. 

قبيل عيد الميلاد عام 2024، نفّذ طالب العبد المحسن، طبيب نفسي من أصول سعودية، عملية دهس في سوق مزدحم، في مدينة ماغديبورغ الألمانية، أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، وإصابة مئات آخرين.

طبقا لتقارير متخصصة، 93 في المئة من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية نفذت بواسطة "ذئاب منفردة". فما الذي يجذبهم إلى هذا الأسلوب دون سواه؟ 

يجيب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، بأن الأسهل هي هجمات الذئاب المنفردة لأنها طبعا أصعب في الكشف والتوقع. ويعني أنها يمكن أن تحدث في أي وقت وأي مكان، "أما الهجمات المنسقة فتحتاج للموارد، وتأخذ وقتا طويلا في التجهيز والتخطيط والتنفيذ".

قد يبدو الفعل بعدائيته نابعا من قوة، إلا أن علم النفس له رأي آخر.

في الجزء الأكبر منه هو ناتج عن عقدة نقص "دائما ما تدفع بالشخص ليبالغ بردة الفعل"، ، يقول وائل سلامة، الطبيب النفسي، فمن ناحية المجرم أو الإرهابي فهو "يريد أن يضخم بجريمته لتضخيم ردة الفعل وبالتالي يغذي عقدة النقص الموجودة لديه".

يخبر رامون سباي "الحرة" أن ما لاحظه في كثير من حالات الذئاب المنفردة التي درسها هو أنه "بمرور الوقت يحدث تحوّل حقيقي في هويتهم"، فيرون ارتكاب العنف عملا ثوريا يمنحهم شعورا بالوجود والأهمية،  ... والإحساس القوي بالاستقامة الأخلاقية والتصرّف باسم الحق والخير"، رغم أن ما يقومون به هو فعل إجرامي ضحاياه في الغالب أناس أبرياء يُستهدفون بينما هم منشغلون بشؤونهم اليومية.